أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

أين الله ؟

الأحد 04 تشرين الأول , 2015 09:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 3,905 زائر

أين الله ؟

وكلامي هذا ليس جرأة زائدة ولا كفراً ظهر بعد إخفاء .

أين الله الذي أرجوه في كل اللحظات وأخافه بعض الأحيان .

أين الذي أذكره كلما أصابني مكروه وأنساه عند الملذات .

فكّرتُ كثيراً وتذكرتُ أميرالمؤمنين (ع) حين سأله أحدهم :

هل رأيت ربك يا أمير المؤمنين ؟

((فقال عليه السلام : أفأعبد ما لا أرى ؟.......)) 

وهنا ألح السؤال : كيف أعبد ما لا أرى ؟

وهل كنتُ لعشرات السنين أعبد من لا أرى ؟

جالت ذاكرتي وقرأت قوله تعالى : ( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) .

وقوله عز وجل كما نُسب في حديث قدسي 

( أنا عند ظن عبدي المؤمن بي )

وقول أمير المؤمنين (ع) لمّا سُئل : ( كم بين السماء والأرض ؟

فقال : دعوة مظلوم ) .

هنا رأيت الله وعرفتُ أينه .

إنه هنا: كلما نظرت في المرآة رأيته حيث الصورة المعكوسة لصاحبها(الذي هو أنا) الأضعف من أن يُقاوم بعوضة متى قصدته بدهائها سالبة دمه . الحائر بحثاً عن لقمة تُقيم عوده إن أصابه جوع والتائه ضجراً إن أصابته تُخمة .

نعم رأيته حيث علمتُ أني لم أكن ثم كنتُ

رأيته وأنا أمشي وراء جنازات وصوتُ يصدح :

سبحان من قهر عباده بالموت والفناء .

رأيته والناس تُصلي على جثة كانت بالأمس رجلاً

ظن طوله يناطح الجبال وعرضه يحجب الشمس عن الخلائق ، كان يطأ الأرض بإستعلاء وها هو بلا حراك وفجأة أودعوه التراب وعادوا وكأنه ما عاش ولا كان .

نعم رأيتُ الله في كل صبح وكل مساء وقد علمتُ أن ليس لي ولا لغيري شأن في البزوغ والمغيب.

رأيته في كل نجم في السماء وحبة رمل تطأها الأقدام وقد علمتُ أني والأعظم مني أعجز عن معرفة أسرار هذا وتلك.

رأيته في كل زهرة فاح جمالها قبل عطرها وسلبت مني البسمة وأنا لا أدري .

رأيته في كل جبل شامخ ووادٍ راسخ وعلمت أن هذا من ذاك ولست أنا من أعلى ومَهّد .

رأيته لمّا رأيتُ الحياة في قطرة ماء كلما أصابني ظمأ وقد علمتُ أن الشمس والسحاب وطيات الأرض كلها تظافرت حتى نلتُ ما أروي به عطشي .

رأيته في كل حكمة ، في كل علم ، في كل عظيم لمّا علمتُ أني وكل البشر أمثالي أعجز وأجهل وأصغر من كثير من جمادات وبهائم حولنا

ومع ذاك لولا أنها لم تكن لأجلي ما بقيتُ لمحة بصرٍ .

نعم رأيت الله في كل صغيرة وكبيرة وشاردة وواردة وصُعقتُ لمّا قرأت قول زين العابدين (ع) 

( أن لله في كل حركة حكم ) .

وقرأت أنه أيضاً هناك : عند كل مريض ، عند كل جائع ، عند كل مظلوم ، عند كل تائه في وسع الأرض وقد ضاقت عليه منافذها .

وصُعقت أكثر لمّا نظرتُ في شرق الأرض وغربها ورأيتُ أناساً في صفوف كثيرة يُصلوُن إلى بيت الله ويذبحون عباد الله والذكرُ على ألسنتهم.

رأيتُ الله وقد أعطى كل زاحف لا يُرى رزقه

ورأيتهم كلما دخلوا قريةً جعلوا عاليها سافلها وأعزة أهلها أذلةً .

لكني علمتُ أن الله أيضاً هناك وأيضاً لله في كل حركة حكمٌ .

بقلم فضيلة العلامة المحقق الشيخ ابراهيم فواز

Script executed in 0.043000936508179