أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

أيّ عناقٍ ذاك؟

السبت 14 تشرين الثاني , 2015 10:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 4,045 زائر

أيّ عناقٍ ذاك؟

المشهدية حقودة. الوقتُ حقود. القشعريرة حقودةٌ. ما عادت كلّها تستفزّ شعورًا قاسيًا. ما عادت النفوس تلين، ومع ذلك بدت لحظات حنوّ، يركع لها أبناء المكان المفجوع احترامًا لا خوفًا أو استسلامًا. قضى هو ونجا المئات. في الأمس اغتيلت الضاحية وما اغتيلت. في الأمس اغتيلت برج البراجنة وما اغتيلت. اغتال الإرهاب يوميات ناسها. اغتال سوقها الشعبي. اغتالَ أذرعًا تحمل صغارًا وكرسيًا نقالاً يحمل كبيرًا. اغتال حجرًا وحديدًا لا نفوسًا. هدّ جدرانًا وما هدّ عزائم. ليس مهمًا ما تخفيه أمهاتٌ عشرات، ولا تخدشنا مكابرتهنّ على ضلوعٍ خرجت منهن في الأصل كي لا تكون لهن. كي لا تؤمهنّ. لا يهمّنا ما سيفعلنه في فراشهنّ عندما يحضنّ أوسدةً مبللة. دموعهنّ لهنّ ليست لنا ولا لأحد. دموعهنّ لا تستحقّ أن نراها ولا أن نلمحها ولا أن نرث قليلاً منها. هي لهنّ، تسرح في دروبٍ فارغةٍ إلا من نعوش تعود الى جنوبها وبقاعها. تعود الى تراب لم يشتَق اليها في ربيعاتها العمرية إلا أنه لن يلفظ من في داخلها متى أبكروا اليه وغشوا في الميعاد. لن يلفظهم لأنهم بأجسادهم المكتملة أو أشلائهم المتراصفة منه واليه. لا يهمّ فارق التوقيت. لم يختاروا ذلك. ما كان يجدر بهذين الجسدين أن يلتحما. ما كان يجدر بحزامٍ أن يكون بينهما. لم يتناغم الجسدان. كيف للسماء أن ترتضي بهذا العناق الحرام؟ كيف للسماء أن تصفَح عن هذه الخطيئة الحلال؟ أيَّ شرفٍ منحه ذاك الرجل بجسدٍ فادٍ متعرّق رقيق لكتلة لحمٍ يلفها الحقد ويزنّرها القتل والتكفير؟ أيّ خطيئة تلك؟ أي قداسةٍ تلك؟ أيّ فعل ذاك الذي آمن به رجلٌ لم يكن من عناصر الزمان والمكان؟ أمِن الحكمة أن نتجاهل ما شعر به القاتل لحظة قرر أن يختال بين الناس بحزامه الناسف، لنحصر فكرَنا في ما شعر به ذاك الأبُ لحظة قرّر أن يعانق قاتله؟ أفعلُ صلاةٍ هو ذاك العناق؟ أفعلُ حبٍّ أبويّ رغم مرارة التيتّم هو ذاك العناق؟ أيّ رجل هو عادل ترمس؟

ربّما هي الخطيئة في عينها. أن نسمح لأنفسنا بالمقارنة. لن نمنحه ذاك الشرف. سنصلّي كثيرًا للجسد الآخر. سنصلّي لتلك الأصوات التي تناجينا من تحت التراب. لتلك التي تستجدي رحمةً ممن بقي فوق الأرض. تلك الرحمة التي ما عُدنا أبناءً لها ومع ذلك مع زلنا نستحقُّها. ما زلنا نستحقُّ قليلاً منها. ما زلنا نستحقُّ كثيرًا منها لأننا أبناءُ تفكير لا تكفير.

الياس قطار- صدى البلد

Script executed in 0.038620948791504