أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

حكاية "فورد"..الشركة التي احتضنت الاف المهاجرين اللبنانيين والعرب في ميشيغن

الجمعة 27 تشرين الثاني , 2015 03:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 8,477 زائر

حكاية "فورد"..الشركة التي احتضنت الاف المهاجرين اللبنانيين والعرب في ميشيغن

في الطريق الى المصنع الأقدم لشركة «فورد» في «ديكس افنيو» احدى ضواحي ديربورن، المنطقة التي شهدت بدايات هجرة العرب واللبنانيين اليها بحكم وجود المصنع الاكبر لشركة «فورد موتور كومباني» والذي ضم الآلاف منهم، تتخيل حبات العرق المنسابة على جباه سمراء، تكاد تصبح نهرا من حكايات وعذابات ونجاحات، وتخال أنك تسمع صدى لأصوات وضجيج عمال عرب خرجوا للتو من عملهم في المصنع، فرحين بحصاد ذلك اليوم الطويل، يعدون الدولارات التي بحوزتهم عن أجر يوم عمل طويل، لعل خطأ ما وقع في الحساب، قبل ان يرسلوها للأهل في لبنان، أو ربما قبل ان يدفعوا قسطا جامعيا، وكأنك تلمح شابا في مقتبل العمر يخط بدموعه رسالة الى الاهل يضمنها كل مشاعر الشوق والحنين، فيعدهم بمستقبل أفضل وبقرب قدومهم للعيش معا في تلك البلاد البعيدة لبناء حياة جديدة!!

هنا ديربورن العام 1896... هنا قرر هنري فورد الابن الأكبر لأسرة ايرلندية مهاجرة ان يصنع أول تجربة لسيارة خشبية تعمل على محرك بالوقود. ذلك الاختراع لقي الإعجاب، فأنتج أول نموذج من ثلاث سيارات بيعت جميعها، فأنشأ مصنعا صغيرا على قطعة أرض في ديربورن، ليبدأ بتحقيق حلم لطالما راوده وهو كيف تعمل الآلات والماكينات؟ فكانت اول دفعة من السيارات بلغ عددها 25 سيارة ينتجها المصنع العام 1903 حملت الشعار(أ).

فورد مقصد العرب

عمل فورد على ابتكار طريقة اخرى للتصنيع، وهي عبارة عن خط إنتاج متحرك لكي يتاح له صنع مئات السيارات في الوقت نفسه، وذلك بأن تقوم مجموعة من العمال بإضافة أجزاء على السيارة أثناء مرورها على خط الإنتاج المتحرك.

هذا الأمر احتاج الى يد عاملة، فاستقدم الرجل عمالا كان معظمهم من العرب المهاجرين.

وصلت أخبار هنري فورد وصناعة السيارات في تلك البلاد البعيدة الى بلاد الشام، وخاصة متصرفية جبل لبنان، أثناء الحرب العالمية الأولى التي كانت البلاد خلالها تعاني من المجاعة الكبرى بين عامي 1915 و1918وتشهد هجرة كثيفة لأبنائها الى حيث مركز صناعة السيارات أو ما عرف حينها بالثورة الصناعية.

لم تكن ديترويت حينها وجهة العديد من المهاجرين العرب، لكن العديد منهم حولوا وجهتهم إليها بعد انتشار خبر عرض «فورد» لأجر يبلغ خمسة دولارات في الساعة يوميا، وهو مبلغ كبير في تلك الايام، فاستقبل المصنع أعدادا هائلة من المهاجرين العرب الذين زاد عددهم بعد دعوة الأهل والأصدقاء للعمل معهم في الشركة.

سكن هؤلاء في منطقة هايلاند بارك حيث بنى فورد مصنعه الأول لإنتاج السيارات. وتذكر الوثائق أن الجالية العربية أنشأت أول مسجد في أميركا العام 1919. في ما بعد توسعت الهجرة بعدما بنى فورد مصنع «ريفر روج» في ديكس الذي كان اكبر مجمع صناعي استقطب حوالي 90 الف عامل، كانت النسبة الكبيرة منهم من العرب، لبنانيين وسوريين ويمنيين، سكنوا في جنوب ديربورن بالقرب من المصنع، وهي منطقة ما زالت نسبة 90 في المئة من سكانها من العرب.

بدأ العمال اللبنانيون يحققون استقرارا ماليا، فعملوا على استقدام عائلاتهم من لبنان في الثلاثينيات والاربعينيات، وتتالت هجرة اللبنانيين بسبب الحروب والأزمات المتلاحقة، لتأتي بعدها ثورة 58 ونكسة 67، وبلغ ذروته ابان الحرب الاهلية في لبنان في السبعينيات، وليستمر تدفق المهاجرين واستيعابهم ضمن مصانع فورد، لا سيما من جنوب لبنان الذي كان يعاني أبناؤه من الحرمان ومن الحرب اللبنانية والاحتلال الاسرائيلي لجزء كبير من القرى، والقصف المستمر للعدو الاسرائيلي آنذاك للقرى المحاذية للشريط الحدودي، ما ساهم بتهجير عدد كبير من الشبان بحثا عن مورد عيش، لا سيما من قرى تبنين وبنت جبيل.

في ذلك الوقت تطور العمل وكثرت مصانع السيارات من «فورد» الى «كرايزلر» الى «جنرال موتورز»، إضافة لآلاف المصانع التي كانت تعمل لمصلحة تلك الشركات، واستطاعت إنتاج طبقة وسطى من العمال والموظفين، لا سيما في الخمسينيات والستينيات، أو ما عُرف بفترة الازدهار والتي لم تعد موجودة اليوم في ظل ما يحكى عن أزمة اقتصادية جدية وعميقة في الولايات المتحدة الاميركية نتيجة الخلل في تركيبة الاقتصاد الوطني، ما دفع الى إعلان ديترويت إفلاسها وتسريح اكثر من 700 الف عامل بين عامي 2000 و2010.

يقول د. محمد بري وهو أحد الموظفين الكبار في فورد منذ العام 93 وأستاذ محاضر في جامعة ميشيغن مهمته رسم الإمدادات الكهربائية للنظام الكهربائي للسيارات: «بدأت الشركة تستوعب أعدادا كبيرة من العمال القادمين، وطبعا لم يكونوا كلهم عمالا، بل كان بينهم مهندسون وكهربائيون، وكان بينهم المتعلمون وأصحاب الشهادات. هناك مجموعات عملت في المكاتب والمصانع والادارة وكانت نسبة اللبنانيين مرتفعة جدا. وهناك لبنانيون تبوأوا مواقع ومراكز حساسة في الادارة كمدراء تنفيذيين، وكانوا من أصحاب القرارات في فورد، وبعضهم كان مسؤولا عما يقارب 600 موظف».

وبين التقنيين اللبنانيين العاملين في شركة «فورد» خبراء في السلامة، وفي نظم إدارة المحركات، وفي مجالات التصميم والتسويق والأبحاث.. ومنهم د. عماد مكي، ويعمل في حقل أبحاث نظم إدارة المحركات في قسم الهندسة المتقدمة في الشركة.. وقد استحق مكي وفريقه جائزة هنري فورد للتكنولوجيا، وهي أعلى جائزة تقدمها الشركة لتكريم الإنجازات التقنية. كذلك د. مازن حمود يعمل في قطاع تطوير المحركات ونظم إدارتها والتحكم بها. وقد وضع العديد من المؤلفات الفنية والابتكارات التي سجلت الشركة براءات اختراع لها. وثمة آخرون أيضا كانت لهم يد في تطوير الشركة.

واللافت أن اللبنانيين لعبوا دورا بارزا في شركة «فورد» منذ أوائل القرن العشرين، وهناك العديد من الجيلين الثاني والثالث الذين عمل آباؤهم وأجدادهم في الشركة. وفي الوقت نفسه شعر العديد من المهاجرين الأوائل بالامتنان الشديد لهنري فورد وتوجهه نحو تعيين المهاجرين والأقليات في شركته، وقد اجتهدوا في المقابل كثيرا في عملهم وقدموا كل طاقتهم في خدمة الشركة التي وفرت لهم الاستقرار والمعيشة الجيدة والأمان الوظيفي.

ريميال نعمة 

- السفير 

Script executed in 0.036802053451538