أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

هل يحقّ للإعلام أن يفرض علينا صور الجثث؟

الإثنين 30 تشرين الثاني , 2015 05:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 5,387 زائر

هل يحقّ للإعلام أن يفرض علينا صور الجثث؟

 أصبح بإمكان اللبنانيين الاطلاع فوراً على صور الضحايا من خلال هاتفهم. فالأولوية للسبق اليوم، بغض النظر عن نوعية الخبر وتأثيره على الرأي العام. يترك تطبيق الخبر العاجل هامشاً من الحرية. يمكن للمعني تجاهل الخبر. لكنّ الخيار ذاته غير متاح لمن يشاهد نشرة الأخبار. تعرض الصور وفريق تحرير الأخبار غير معنيّ بتحذير المشاهد من محتوى التقرير. اعتاد الإعلام اللبناني على نقل الموت إلى داخل المنازل فبات لا يطلب إذناً ولا يترك للمتلقّين خياراً.

يكاد لا يمضي يوم من دون أن يحمل خبراً عن جريمة قتل أو حادث سير. أضحى الموت جزءا من يومياتنا. لكن هذا الأمر لا يمنح الإعلام الحق بانتهاك حرمة الموتى وذويهم من جهة، والجمهور من جهة أخرى. تستحوذ هذه المسألة على حيّز كبير من النقاش الدائر اليوم حول التغطية الإعلامية للأحداث الدامية، وعلاقتها باضطراب ما بعد الصدمة أو ما يعرف بالـ PTSD. والاضطراب في هذه الحالة ناجم عن وقوع حادث مفاجئ، أدّى إلى وفاة أو إصابة فرد من العائلة أو صديق. يتذرع البعض بأن التعامل مع هذا النوع من الـ «تروما» يتفاوت بين بلد وآخر، نظراً لاختلاف الثقافات ولارتفاع نسبة أعمال العنف في مجتمعاتنا العربيّة خلال السنوات الأخيرة. لكن دراسات عدّة تثبت أنّ ردّ الفعل العاطفيّ تجاه حوادث من هذا النوع شبيهة جداً لدى الجميع. فألم الخسارة والحاجة للحداد والحزن والتأقلم مع الواقع الجديد يفرضه علينا الموت أينما حلّ وكيفما حلّ. وبالتالي، تفرض هذه الإشكالية مسؤولية كبيرة على الإعلام خلال تغطيته للخبر. فعلى سبيل المثال، يمتنع عدد من القنوات الإخبارية في الغرب عن عرض صور ضحايا قضوا في حوادث فردية بسبب امتعاض الرأي العام بعد نشر المادة، سواء حوادث السير، أو المداهمات، أو الجرائم. آخر الأمثلة على ذلك حجب صور المراسلة الأميركيّة أليسون باركر وزميلها المصوّر آدم وورد اللذين قتلا خلال بثّ مباشر في آب الماضي. كما تلجأ بعض وسائل الإعلام إلى تحذير القراء والمشاهدين من محتوى الخبر قبل بثه. وفيما يستمرّ البحث عن تطوير التغطية الإعلامية للأحداث الدامية، يرفض بعض الإعلام في لبنان مناقشة هذه المسألة حتى.

من الأمثلة حديثة العهد، تغطية الإعلام اللبناني مثلاً لجنازة الممثل عصام بريدي، حيث صوّرت جثّة الراحل، وعرضت مراراً وتكراراً على الشاشات ومواقع التواصل الاجتماعي. يومها، حاول المعنيون تبرير سلوكهم بالقول إنّ ما قاموا به، يهدف إلى «توعية الرأي العام على خطورة حوادث السير». إستراتيجية «ناجعة» بالفعل، خصوصاً إن عدنا إلى التقارير اليومية لغرفة التحكم المروري: لا يمرّ يوم من دون حوادث سير، والإعلام غائب... إلا عن صور الجثث.

كما يربط «بعض» الإعلام نشره للصور برغبة عند جمهور برؤية الجثة بهدف التأكد من الخبر ولمس فظاعته. وبالفعل، لا يمكن تجاهل انجذاب البعض لهذه الصور والبحث عنها. لكنّ هذا الأمر لا يبرِّر نشر المادة في «النيوزفيد» كما فعل موقع «ليبانون ديبايت» مثلاً، الأسبوع الماضي. عرض الموقع عبر صفحته صور ثلاثة قتلى قضوا في زحلة وجنّة وفي مستشفى في البقاع. لم يخيّر متابعي الصفحة بين الضغط على الخبر أو عدمه، لأنّ الصورة تظهر على جدار الموقع من دون استئذان. هل يحق لأي «منبر» إعلامي أن يفرض علينا صور الموتى؟ ماذا عن حق المستخدم باختيار ما يريد مشاهدته؟ بالطبع، تسقط تلك الاعتبارات أمام الحسابات الإعلانية والطمع بالربح السريع بصرف النظر عن احترام أبسط أخلاقيّات المهنة.

وبعيداً عن الجمهور، ماذا عن عائلات الضحايا؟ في نيسان الماضي، قضت انيتا رشدان يونس في حادث سير على أوتوستراد الفيدار. انتشر الخبر بسرعة قياسية على الصفحات الإخبارية. وسرعان ما بدأ تداول صورة جثة الضحية المشوّهة. علمت الابنة بخبر وفاة والدتها من خلال «فايسبوك». رأت امها جثة هامدة في سيارة محطمة. لم يستأذنها أحد. لا يهم ما أصاب العائلة والأصدقاء لمجرد سماعهم الخبر. لم يكترث الإعلام لهول الكارثة التي وقعت عليهم لدى رؤيتهم الصور. لا تدخل هذه الاعتبارات في الصراع الدائر للحصول على «السكوب». هذا الصراع الذي يدفع بعض وسائل الإعلام إلى شراء تلك الصور والفيديوهات بأسعار مرتفعة لكسب نقطة إضافية في السباق الدائر. يفقد الميت مكانه كجزء من المجتمع، مرتبط به بشكل وثيق. الحدث «مشوّق»: والدة تركت ثلاث بنات وزوجا. الميت هنا مجرد خبر، يجرّد من إنسانيته. يستغله الإعلام فيحصل على منتج جذاب جاهز للبيع.

يتجاهل بعض الإعلام أن صور الجثث تعود لأشخاص «حقيقيين»، لهم عائلات وأقارب. فهل يدرك الإعلام حجم الأذيّة التي يلحقها بأهل الضحايا وبالرأي العام عندما ينشر صور جثث ضحايا حوادث السير والجرائم على صفحاته وشاشاته؟ هل يعلم أنّ صورة أمّ مشوّهة جراء حادث سير هي آخر ما سوف تذكره ابنتها عنها؟ ماذا عن الأب الذي لن يتذكر ابنه الا مضرجاً بالدماء؟ انتهاك خصوصية تلك اللحظة، خرج عن حدود المألوف. لم يعد أسلوب الوداع قراراً يتخذه الأهل. يقتحم الإعلام مساحتهم الخاصة ويعممها بأفظع الوسائل. يسرق منهم حتى الصورة التي يريدون الاحتفاظ بها. أصبحت صور الجثث معرضا لحصد «اللايكات». الاعتراض على الاستباحة المستمرة لحرمة الموت بات ضرورياً في زمن تستباح فيه إنسانيتنا يومياً.

جويل بطرس - السفير

Script executed in 0.034312009811401