أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

الفِراق يَقْظَةُ الحَواس

الأربعاء 09 كانون الأول , 2015 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 4,248 زائر

الفِراق يَقْظَةُ الحَواس

قصيدة الشاعر الأستاذ كامل بزي في رثاء صديق عمره ورفيق دربه الحاج فوزي بزي.  لطالما تمنيا أن يلتقيا في ربوع بنت جبيل ولكن شاءت الأقدار أن يَستقبل الشاعر صديق دربه مسجىً ليودعه الثرى قبل عودته إلى بلاد الإغتراب. 

 

(أبا كمال) :

أكتب عنك

وكلماتي مثلُ قلبي

تَقطرُ دماً

أبوح بِوجعي

فيبتلعُني بِئر حُزني

بيننا والصداقةِ

"عِشرَةُ عُمْر"

خمَّرها الزَّمن

وَجَوْهَرَتْها عَوَادي السِّنين

فَكُنْتَ الوفيَّ

لِعَراقَةِ الصداقةِ

كما كُنتَ 

مفتاح مَسَرَّةٍ للقلوب

 

الفِراقُ يقظةُ الحواسِّ

واستنفارُها

والشوقُ إليكَ 

يحرقُني بنارِ الفِراق 

والحرقةُ تشتدُّ 

كلّما تقادمتِ الأيّام

يتقدمُ رقمُ هاتِفِك

من ذاكرتي كالصبح الناعم

على مهلٍ يسألُني عنك

وتهجُمُ الأمكنةُ سِراعاً

هي الأخرى باحِثةً عنك

 

كم من مرةٍ

تقاسمنا الحُلمَ بالعودة

إلى المرابعِ الأليفة

إلى ربوعِ "بنت جبيل"

جئتَها محمولاً

عاشقاً أرضها

وأتيتُها قَبْلَكَ 

عاشقاً بساتينَ لُقياك

فأطلقْتَ حزني

ناشراً على الأمكنةِ السَواد 

وملأتَ كأسي بخمرِ الفجيعةِ

دَخَلَ الموتُ "دار البستان"

على طول خارطتِها

فضمّتْكَ بين حناياها

وتولّاها الْحُزْن 

 

لن تسمع عتبات الدارِ 

وقْعَ خُطواتِكَ بعدُ 

فراح النسيمُ يحمِلُ إليكَ

أريجَ عِطْرِ الحَبَق

وأزرارُ الوردِ

تتفتَّحُ أسرار طفولة

حزِنتِ الحساسين والبلابل

فعَزفت سيمفونيةَ الوداع

وتوارى القمر

بين غيوم الفَقْدِ

وغاب النجمُ سريعاً

من أحوال "الساحة"

مرتعِ الصِّبا

وأُمسيات الحبِّ والتجلّي

يسائل عن غيابك

مِثْلَ الصلاةِ الآتية من "الجامع الكبير"

في "الحاكورة"

 

المنزل الذي جفاهُ النوم

ولفَّهُ عُشبُ الحنين

يفيضُ من الحبِّ الذي تركْتَهُ

حبُّكَ الذي

ينِثُّ كما قطرات ندىٰ الصباح

الشجرةُ في الدار

المُغرَوْرِقةِ بالشوق

مُتَيَبِّسَةٌ لغيابِك

 

إيه "فوزي"

ذاك النهار

كان قاسياً جداً

كقَسوَةِ مِدْيةٍ فولاذيَّةٍ على العَظْم

كُنْتُ أحِسُّ ثِقلَ الدقائقِ

أُناجيها مرَّةً 

وأغيبُ فيها كالسَّديمِ مرات

 

صوتٌ يُحَشْرِجُ:

أينكَ "كامل"؟!

قلتُ:

تهيَّبْ أيُّها الموتُ مهلاً 

واجلسْ في طَرَفِ الغُرفة 

فمزَّقَ السكونَ بُكاؤه

وتبعثرَتْ منه كلماتٌ

لامستْ أُذُني

وأذابتْ قلبي:

أُذْكُرني..

عند المساء

وعند بداية كلِّ صباح

وها أنا اليومَ أعودُ إلى الديارِ 

وأقرأ أقداراً مخطوطةً

في دفترِ الفِراق:

ها أنتَ يا عِطرَ اللقاءات

وبهجةَ الروح

تغادرُنا 

فيجيبُ الفقْدُ: 

أنّ الفراغ مملوء

بما لا يناسبُ المعنىٰ

 

تغادرُنا يا "فوزي"

وقد شيَّعناك بالقلوب

وفي جِوارِكَ 

قامات الشهداء المطمئنين

تنتصِبُ إباءً وعنفواناً

 

سلامٌ لَكَ حيثُ ترقدُ بأمان 

في ديارك الأبدية

سلامٌ لذكراكَ الطيبة

 

أنا فيكَ المعزَّىٰ

عزائي للعائلة.

كامل بزي

Script executed in 0.044345140457153