أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

التسوّل... بين نظرة الشارع و نظرة القانون

الإثنين 14 كانون الأول , 2015 03:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 21,395 زائر

التسوّل... بين نظرة الشارع و نظرة القانون

واقع و بؤس 

إن ظاهرةَ التسولِ في لبنان ليست طارئةٌ وإنما مستفحلةٌ في صلبِ المجتمع اللبناني كغيرها من الظواهرِ العالقة، وهذا ما أشارَت إليه الّلجنة الوطنيّة لعمّالةِ الأطفال ومنظَّمة العملِ الدوليّة إذ أثبتَت أن لبنان يكادُ يشكِّلُ النسبة الأعلى في العالمِ للأطفالِ العاملين بين سنِّ ال15 وال 17، أضف إلى ذلك وفود أكثر من مليون وخمسمئةِ نازحٍ إلى الأراضي اللبنانية بحسبِ تقريرِ المفوضيّة الساميّة للأممِ المتحد-شؤون اللاجئين بتاريخ 30 أيار 2013 ليلقى السواد الأعظم منهم نفسه يعملُ بأدنى مستوى للأجورِ أو يعيشُ على المساعداتِ الخجولةِ التي تقدّمها الجمعياتِ المعنيّة وإما مشردا" يستغيثُ ميسوري الحال، والجدير بالذكر ِأنه غالبا" ما يتمُّ إستغلالِ الأطفالِ بطريقةٍ أو بأخرى من خلالِ دفعِهم لبيعِ السلع البسيطةِ في الشوارع و تحريضِهم على التسوّلِ إما من قبل ذوِيهم أو غيرهم باعتبارهم الفئة الأكثر جذبا" للإستعطافِ والصدقة حتى يتحولُ التسوّل عند هذه الشريحة ِإلى عادةٍ يوميّة ثم إلى مهنةٍ مُربحة بظلِ انعدامِ الدور الفعال الذي يلعبونه في المجتمع.

إجتماعياً

تتباينُ المواقفِ في أوساط ِالمجتمعِ اللبناني، فمنهم من يتعاطَف بقوّة وبساعد ُقدر المستطاع ومنهم من يُحايد متحفّظا" عن أيِّ مبادرةٍ في الإحسانِ أو البغض، أما بعضهم الآخر فيذهبُ أبعد َمن ذلك ليبدو فظّا" في التعاملِ وقاسيا" بالتعاطي لا سيَّما مع صغار المتسوّلين، وفي الحالاتِ الثلاثة التباسٌ تامٌ عن ظروفِ هذه الظاهرة.

إذا سلّمنا جدلا" أن المتسوّل يعيشُ ضائقةً ماليةً ولابدّ لمن ترسّى في أعماقهِ بعضا" من الإنسانية ِأن يبادرَ للمساعدة، ولكن أبوسعِ أحدُنا أن يُحصي عدد َالمتسوّلين الذي يقابلَهُ يوميا"؟ ماذا لو لبّينا نداءَ الجميع ماذا سيحلُّ بالدّخل اليومي؟ هذا من جهة، ومن جهةٍ أخرى لا يتموضَعْ المتسوّلون في مكانٍ واحدٍ وإنّما باتوا يتوجهون نحو مراكزِ العمل والمنازل لا بل اعتدنا على سماعِ الجرائم التي تُرتكبُ بحقِّ المساهمين، إذاً فإنّ الطارئ على هذه الظاهرة أشدُّ مصابا" من الظاهرة نفسها، وعلى حد تعبيرِ المثل اللبناني " فات الصالح بعزا الطالح " أي أنّ روادَ الإستغلالِ توغّلوا في رداءِ التسوِّل من أجلِ بلوغِ منافع ذاتية شخصية بحت ضحيّتها الأطفال.

أسباب وعوامل

يشكّلُ عاملُ النزوح واحداً من أهمِ الأسباب التي خلّفت ورائِها أعداداً كبيرةً من المتسوِّلين بفعلِ الوفودِ غير المنظّم من مختلفِ الدول العربيةِ إلى بلدٍ يتلفّظ أنفاسه ِالإقتصادية الأخيرة، ليقعَ النازحون بدوامةِ البطالة التي تؤدّي بدورها الى الفقرِ والعوز ِوبالتالي العجز عن تعليم ِالأطفالِ والتحوّل عن دروبِ تحصيل العلمِ والثقافة بُغية تأمينِ الحاجةِ الجسديةِ7 الأساسية دونَ الإكتراثِ بالحاجاتِ الفكرية والنفسيّة التي يجدرُ بالجمعيّات الإنسانية والثقافية والوزاراتِ المَعنيّة تسليط أضواء الرقابةِ عليها واعتمادِ الخططِ والسياساتِ التنمويةِ منذُ الصغر كي تكفَّ ولادةُ الكوارثِ من رحمِ الأزمات. 

في المقابل يقتصر دور الدولة والجهات المعنية على التوقيع والتصديق على إتفاقيات حقوق الطفل التي تعترف بحقوقه وحمايته من الإستغلال الإقتصادي أو القيام بأي عمل يكون ضارا" بصحته الجسدية والنفسية.

قوانين مع وقف التنفيذ : 

من المعهود أن السبيل لنجدة المستضعفين (الأطفال المتسولين) وإيقاف المُجرمين الذين يستغلّوا هذه الفئة لمنافعٍ شخصيةٍ، يكتمن بنصوصِ الدّستور فما هو رأي الدّستور اللبناني بهذه الظاهرة؟ 

تنصُّ المادة 613 من قانونِ العقوبات على حبسِ المتسوّل الذي يقومُ باصطحاب ِولدٍ غيرَ ولدِه دون السابعة من العمر إلى العمل. 

تنصُّ المادة 617 على معاقبِة والدَي القاصرِ المشرّد بالحبسِ لفترٍة زمنية لا تقل عن 6 أشهر ودفع غرامة مالية. 

تنصُّ المادة 618 على حبسِ من حفّز ودفعَ قاصرا" إلى التسوّلِ لمنفعةٍ شخصيّةٍ بالحبسِ من 6 أشهرٍ حتى السنتين ودفعِ غرامة مالية. 

إذا" قانونيا" تُحفظُ حقوقَ الأطفالِ المشرّدين إستنادا" إلى مبدأِ حبر على ورق وليس من مبدأِ التنفيذ، كون القانون اللبناني منكفأً على نفسه حتى إشعارٍ آخر في مختلفِ القضايا والظواهر الإجتماعيةِ والمدنيةِ والسياسية وغيرها، على أملِ إستيقاظ المعنيّين قبل استفحالِ كرةَ الثلجِ لتشملَ أعدادا" أكبر وتولدُ كوارثَ أعظم، وما على الرسولِ إلا البلاغ.

في المحصّلة، لا شيء يبررُ للمعوزين اللجوءِ إلى التسولِ مهما بلغت الحالةُ الإجتماعية قساوة، والشخص الذي إمتهنَ التسوّل سينجبُ فيما بعد أولادا" ثم يدفعهُم نحو ذلك وهم بدورِهم سيعيدون الكرّة لينتهي الحالُ بقبائلٍ من المتسوّلين لذا لا بدّ من لجمِ انتشار هذه الظاهرة و تحفيزِ سالكي هذا الدرب على الإنعطافِ نحو دروبٍ أجدى نفعا" وأصلح َعملا".

زينب فرحات - بنت جبيل.أورغ


Script executed in 0.039360046386719