أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

«أحلى إنسان بالعالم»... نوح زعيتر

الجمعة 29 كانون الثاني , 2016 09:01 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 18,420 زائر

«أحلى إنسان بالعالم»... نوح زعيتر

 

 
يطلب تمام بليق من ضيفه أن ينظر في المرآة، ويصف ما يرى. يردّ نوح زعيتر: «أنا أحلى إنسان بالعالم»، ويضيف: «أنا قمر». أذهلت نرجسيّة زعيتر المتضخّمة مشاهدي حلقة «بلا تشفير» أمس الأوّل وجذبتهم، فتصدّر اسمه لائحة أكثر العبارات المتداولة لساعات على «تويتر»، مرفقاً بعبارات التحيّة والتقدير لـ «بو علي نوح»، كما يلقّبه محبّوه.
قبل بثّ الحلقة على قناة «الجديد»، كان كثرٌ يرون الرجل قاطع طرق يهوى ارتداء زيّ «الكاوبوي»، وقائد عصابة سليط اللسان، مدجّجا دوماً بالسلاح والمواكب المصفحّة. شكّلت الحلقة فرصة ثمينة لينحت زعيتر لنفسه تمثالاً، ويدعو المشاهدين للانحناء أمامه. فهو، كما يمكن أن نستخلص من الحوار، «روبن هود» بعلبك، ومزارع الحشيشة المضطهد بلقمة عيشه، وسند المقاومة وحصنها، وابن العشيرة «القبضاي والحمش»، والطافر المظلوم. على امتداد ساعة ونصف ساعة، كرّر زعيتر الرسالة ذاتها بأكثر من طريقة، أنّ الناس لا يعرفونه على حقيقته ويكتفون بما يشاع عنه من أفكار مغلوطة، وأنّه ليس زعيم مافيا، وأنّ السجن ليس لأمثاله بل لزعماء المافيا الحقيقيين، من سياسيين ومسؤولين، بحسب تعبيره.
يُفهم من سياق الحلقة، أنّ زعيتر هو من طلب إجراء المقابلة، وأنّ بليق لبّى الدعوة بكلّ وفاء لنهجه بالبحث عن الفضيحة بأيّ ثمن. صحيح أنّ المذيع كاد يهوي أرضاً من الفزع حين تهجّم عليه أحد مرافقي زعيتر، اعتراضاً على مقارنته بين نوح و «الدواعش»، إلا أنّه خرج من الحلقة بابتسامة المنتشي بالنصر وبالقدرة على «استفزاز الضيف، وإثارة توتّره». والحقيقة أنّنا لم نرَ زعيتر مُستفَزّاً، إذ أمضى الحلقة يضحك على بعض أسئلة المذيع، وينتقدها، إلى أن ختم اللقاء بالقول: «أسئلتك مش مزبوطة يا خييّ».
اختار بليق أن يواجه نوح زعيتر، بذات الأسئلة التي يواجه بها ضيوفه الآخرين، وبخلطته المعتادة الجارحة والفجّة: «هل أنت مريض نفسي؟ هل أنت حرامي؟ هل أنت تاجر مخدّرات؟ هل نهايتك ستكون سوداء؟». لا نعرف من كذب على بليق وأقنعه أنّ تلك الأسئلة تصنّف في خانة الجرأة، حتّى بات يكرّرها في كلّ حلقة، ومع كلّ الضيوف، ولا نعرف كيف صدّق أنّ برنامجه يمكن أن ينسب إلى أيّ خانة من خانات الإنجاز المهنيّ تلفزيونيّاً. فهناك شبه إجماع يسود مواقع التواصل بعد عرض كلّ حلقة من «بلا تشفير» على شتم المذيع والبرنامج. الجميع مستاؤون، معظم الصحافة المختصّة كتبت تنتقد الأسلوب الضحل والصيغة المبتذلة. المشاهدون لا يصدّقون ما يسمعونه في معظم الحلقات. لكنّ تمام مصرّ على مواصلة المحاولة، غير عابئ بكلّ الانتقادات والاعتراضات، منذ حلقته الشهيرة مع العميل فايز كرم. الفرق في حلقة نوح زعيتر، أنّ بليق، بفضل كلّ تعاسته المهنيّة، نجح بمنحنا ساعتين من الكوميديا (السوداء؟) الخالصة، إذ لم يوفّر الضيف أحداً من سخريته، لا نفسه، ولا المذيع، ولا السياسيين.
لم يخشَ زعيتر القول إنّه يشجع ابنه على تعاطي الحشيشة، وطالب بـ «لفّ صواريخ للنوّاب»، لتسهيل انتخاب رئيس. يسأله المذيع: «لو كنت أشرف ريفي ماذا كنت تفعل؟ لو كنت سعد الحريري... لو كنت حسن نصرالله... لو كنت...» فيردّ: «بعد في الله». يسأله: «لو كنت عاصي الحلاني ماذا كنت تفعل؟» فيردّ: «كنت بغنّي». يسأله: «بتخاف من الليل؟»، فيردّ: «أنا ابن الليل».
بموازاة تشكيكه بالدولة، واحتمائه بأهل عشيرته، وتأكيده أنّه «لا يأكل البشر»، يقول إنّه يشبه راجح في فيلم «بيّاع الخواتم» للأخوين رحباني. يتهمّ الإعلام بأنّه يأخذ محلّ القضاء، ويسخر من الدولة الغائبة. في الوقت ذاته، يخرج شخصيّة «الماتشو» الضروريّة لاستمالة الجمهور اللبناني، المرحِّب دوماً بأيّ نكتة كارهة ومهينة للمرأة. مرّة، يستخدم لفظ «لوطي»، ومرّة يصف مذيعة «بالجلموقة وأم سيقان». لبرهة، تخلّى زعيتر عن قناع الحمل الوديع، وأخرج وجه «الذكر»، «رجل العصابة»، ليهزّئ المذيعة ديما صادق، ويهدّد «بتشقيفها»، اعتراضاً على نمط «ستّة وستّة مكرّر» في الإعلام، لناحية اختراع «مجرم شيعي» مقابل كلّ «إرهابيّ سنّي»، بحسب تعبيره. ملاحظة زعيتر «الدقيقة» لنقد نهجٍ تلفزيونيّ بات معتمداً منذ تحويل أحمد الأسير إلى نجم، استُخدِمت لتوجيه إهانة ذكوريّة ومبتذلة لصادق. بليق اعتذر من زميلته أمام المشاهدين، لكنّه عاد واتصل بها، للمزيد ربما من «الإثارة والتشويق»، أو ربّما كي ينبّه من فاته المشهد، أنّه نجح في حثّ «رجل مافيا» على تهديد سلامة إعلاميّة، وعلناً، وعبر برنامجه.
معلّقون على «تويتر»، أحالوا إلى سياقات متشابهة بين مقابلة بليق مع زعيتر، ومقابلة الممثل الأميركي شون بن مع رجل المافيا المكسيكي الشهير إل تشابو مطلع الشهر الحالي. بعد نشر المقابلة في مجلّة «رولينغ ستون»، ألقت السلطات المكسيكيّة القبض على التاجر، وأعادته إلى السجن الذي هرب منه. لاحقاً أعلن شون بن أنّه نادم على المقابلة وما تبعها، في حين زاد الطلب على شراء قمصان تشبه قميص إل تشابو الزرقاء المرقّطة. أثيرت ضجّة إعلاميّة كبيرة حول اللقاء، وحول شخصيّة إل تشابو، «روبن هود» المكسيك، المنتفض في وجه الفقر المفروض من نظام اقتصادي عالميّ جائر. ورأى بعض المعلّقين أنّ إل تشابو مجرم صغير في سلسلة المستفيدين الكبار من الاتجار بالممنوعات. في اللقاءات الصحافيّة برجال المافيا الكبار أو القتلة المتسلسلين أو رجال السياسة المستبدّين، يذهب الإعلام أحياناً نحو إظهار «الوجه الآخر للوحش»، في نزعة هوليووديّة لتمجيد «البطل المضاد»، الشرير الذي لم يكره البشريّة إلا لأنّه عاش طفولة قاسية، أو قصّة حبّ فاشلة... هكذا يُصوَّر لنا الجوكر، وبابلو إسكوبار، ومايكل كورليوني، أولئك المطرودون الحزانى من «عالم الأخيار». في هذه المنطقة، حاول نوح زعيتر أن يموضع نفسه. ربما يدعو تمام بليق يوماً لمساعدته في كتابة مذكراته.
 
نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2016-01-29 على الصفحة رقم 8 – صوت وصورة
 

Script executed in 0.17043495178223