أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

من فوق جناح غيمة.. (بقلم الزميلة الراحلة زينب ياغي)

الأحد 31 كانون الثاني , 2016 06:20 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 4,913 زائر

من فوق جناح غيمة.. (بقلم الزميلة الراحلة زينب ياغي)

 

في الصباح ترغب بأن تكون الحياة عادية، لكنها ليست كذلك، تجرّب كتابتها على الورق، فقد اختلطت عليها عاداتها لأنها تتغير، يأخذ المزيج بين الحياة العادية والافتراضية بعداً آخر أو مكاناً آخر. الوقت هنا واسع وطويل، تحاول تجزئته؛ عليها أن تسعى أولاً لتأمين القدرة الجسدية على تلبية حاجاتها اليومية، مثل تناول الطعام والاستحمام وتغيير الملابس. وبعد ذلك تذهب إلى النظر في أمور أخرى. تنسى في لحظات ما المرض ثم تنتبه سريعاً إلى أنها شخص لا يعيش حياة طبيعية ولن يعيشها إلا إذا حصلت معجزة إلهية. الفكرة نفسها ستحوز الموقع الرئيسي في حياتها، تتراجع التوقعات. كانت تعدّ جلسات الكيميائي، في انتظار نهايتها، والآن تتمنى أن تكون هينة عليها، لأنها ربما لن تنتهي إلا مع نهاية حياتها.
كانت تلك المرأة تضجّ بالحركة، فما بالها تسكن في الصمت والتأمل والتفكير. يطلبون منها عدم التفكير، تناول أدوية تحجب التفكير.هي ليست من ذلك النوع، فمازالت تحلم بأن تكون متيقظة حتى آخر يوم في حياتها. كما كانت تحلم بالحياة الجميلة لجميع الناس.
أخذ الجمال عقلها، وبحثت عنه في النفوس البشرية، قضت حياتها تبحث عنه، تقول لها صديقتها: بعد أن مرضت تعلمت منك كيفية صناعة الحياة من أدنى المقومات المتاحة، هي ليست امرأة عادية لكي يُطلب منها تناول أدوية تحجب الحزن الذي تشعر به.
كلما انتقل المرض من عضو إلى آخر في الأحشاء تقول في نفسها: لقد مرضت حيث الشعور بالفرح أو الانقباض. وما زال الجسد النحيل قادراً على الحركة، لكن تغيّرت حاجاته، أصبحت البيجامات أكثر سماكة بعدما كانت لا تطيق سوى القطنية منها، والجوارب لا تفارق قدميها إلا في أيام الحر. والشال الصوفي يلازم الكفين، فتسأل نفسها مرة جديدة: أين ذهبت تلك الحرارة؟ وكيف حلّ البرد الدائم مكانها؟
في الحياة العادية، كانت تستيقظ كل صباح، ترتّب المنزل وتعدّ الطعام، ترتدي ثيابها وتذهب إلى عملها. تقرأ ما تستطيع، تشاهد من برامج التلفزة ما تستطيع، تلتقي أصدقاءها قدرَ ما تستطيع. وفي السادسة تقريباً تكون في منزلها.
لم يكن الأمر يحتاج إلى الكثير من الفلسفة، لكنها بدأت تكتشف مع مرضها كيف كانت تبثّ من خلال حياتها أفكاراً عن معنى ما نعيشه، وهي أفكار بقدر ما كانت بسيطة كانت عميقة في الوقت نفسه، القدرة على تأمين مقومات الحياة من أجل صناعتها. العلم والعمل والصحة والخدمات اليومية.
مارست إنكار الذات في أبهى تجلياته، لم تطلب منصباً، ولا منزلاً ولا حتى سيارة، ولم تنسَق إلى المظاهر، التقت أثرياء وفقراء، لكن لم تُغْرها حياة الأثرياء وانحازت دائماً إلى الفقراء.
كل صباح يتخذ الغيم أشكالاً جديدة، فتتمنى لو أنها غيمة، أو ترتفع على جناح غيمة.

نص وجدتْه عائلة الزميلة الراحلة زينب ياغي وهو النص الأخير الذي كتبته قبل رحيلها.

 نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2016-01-30 على الصفحة رقم 4 – محليّات 

Script executed in 0.17589998245239