وأولئك المدنيون هم أهالي القرى والبلدات والمدن الذين تقصفهم إسرائيل وتدمر منازلهم ومدارسهم ومقرات عملهم، وهم أهل الأمكنة ووارثوها، صناع الحياة فيها وشكلها وطريقتها، حيث يتواجدون.
لم نر في صيف ٢٠٠٦ صوراً لأسر لبنانية تقيم في ملجأ، كما كان حال أسر الاسرائيليين، وهم ليسوا أهل الامكنة ولا وارثوها. هناك، تجهز السلطات الإسرائيلية الملاجئ، في مواجهة بضعة صواريخ، وهنا، نكتفي بالشعور بالقهر لرؤية صور الملاجئ المرفهة، فيما ناسنا يهرعون إلى الطوابق السفلى، وهي عبارة عن مستودعات أو مواقف سيارات، لا علاقة لها بالملاجئ لا من قريب ولا من بعيد.
في ذلك الصيف، أظهرت أجوبة الخبراء العسكريين أو المهندسين المعنيين بالمنشآت أنه لا يمكن تأمين ملاجئ مدنية محصنة تحمي السكان من الدمار الهائل الذي تحدثه القنابل والصواريخ الإسرائيلية الحديثة، ومن بينها الصواريخ الموجهة التي استهدفت طوابق تحت الأرض ودمرتها، وكان يختبئ فيها سكان مدنيون، وإنما يمكن تأمين ذلك جزئياً من خلال الحصون العسكرية تحت الأرض.
لكن تبين أيضا أنه ليست كل الصواريخ والقنابل التي ألقتها إسرائيل ذكية وشديدة التدمير، فمن بينها قنابل وصواريخ يمكن الاحتماء منها، ومع ذلك دمرت مباني ومنازل غير مؤهلة لتلقي قوتها التدميرية.
ذلك كان الوضع في لبنان، فكيف هو حاليا في غزة، حيث لا يقتصر الامر على عدم وجود ملاجئ وإنما على عدم وجود أماكن يلجأ السكان إليها، فينتقلون من حي إلى آخر، أو إلى المدارس، ليس لأنها أكثر تحصينا طبعا ، وإنما لأنها معروفة بوصفها مراكز تربوية، وليست عسكرية، وبالتالي فهي تشكل مراكز حماية معنوية لهم، ليس إلا.
قصف الجيش الاسرائيلي عدداً من تلك المدارس، لأن إسرائيل تقتل السكان، تقتلهم في أي حرب تخوضها حالياً وسوف تخوضها في المستقبل، فوجد أولئك السكان أنفسهم، إما أشلاء، وإما في العراء، في العراء بكل ما للكلمة من معنى.
يثير وضعهم وصورهم النقمة والغضب والقهر... لكنه يثير سؤالا غاضبا ملحا، كيف لم تستدع كل تلك الحروب مع إسرائيل، بناء أماكن حماية لهم؟ ولا هي تستدعي حتى الآن، على الأقل، أماكن حماية من القنابل العادية؟
من بين تلك الأسئلة، هل فعلا السلطات في لبنان كما في غزة وفي أي مكان عربي آخر، غير معنية بتأمين أماكن الحماية؟ هل فعلا المقاومة غير معنية بتأمين أماكن حماية؟ أم أن عدد الشهداء هو وسيلة ضغط أيضاً على الرأي العام من أجل إظهار وحشية إسرائيل؟
لماذا يحفر المقاومون الأنفاق مثلا للقتال، ولا يؤمن مثلها للسكان؟ ما دمنا نعرف أن إسرائيل ستقصفهم وتقتلهم، وستستخدم أحدث الاسلحة في قتلهم، وإلا لماذا اشترتها أصلا. نعدد الاسلحة الاسرائيلية ونوعيتها وقوتها التدميرية، لكننا لا نفكر في كيفية تأمين وسائل حماية جزئية منها؟
يخوض أهل غزة حرباً وهم في العراء، فكيف يمكن تجهيز وسائل قتال، ولا يمكن تجهيز وسائل لحماية الناس في الحرب؟ أليس هؤلاء أهل الأرض والمقاومة؟
المتربعون في مراكز القرار الدولي يجدون فينا أرقام ضحايا، تتحول الحياة عندهم، التي هي من لحم ودم، الى معادلات سياسية وعسكرية وأمنية، لكننا نحول أنفسنا أيضا إلى أرقام. الأطفال هم الآتي، لكن ذلك الآتي يمضي حالياً قوافل إلى المقابر، أي معنى أصعب من ذلك المعنى؟ صورة طفل حي من غزة هي التي أصبحت تثير الاستغراب، أي مشاعر أصعب من تلك المشاعر؟
لم يعد ممكناً خوض حرب من دون تأمين الحماية لسكاننا، لا يمكن الحديث فقط عن الوحشية الاسرائيلية، لأنها معروفة، ما يجب معرفته هو ما يترتب على المعنيين عندنا القيام به، أن يتم تأمين الحماية بأقصى الوسائل المتاحة وليس أقلها، وإلا فلتتأجل الحروب، نعم. إن أفظع ما تواجهنا به المجتمعات الاوروبية والاميركية هي في جعل ضحايانا أرقاماً. طفل يقتل في مدينة أوروبية أو اميركية يهزها من اقصاها إلى اقصاها. من يسعى لكي لا نبقى أرقاماً؟ من يسعى لأن يكون لكل مواطن، وهو يحمل حجرا أو شعارا أو بندقية، مكانا لاحقا في الحياة؟ من يسعى لكي يبقى اولاً على قيد الحياة؟ اسرائيل تسعى إلى قتلهم، ونحن ماذا نفعل لنقطع عليها الطريق؟ (السفير)
لم نر في صيف ٢٠٠٦ صوراً لأسر لبنانية تقيم في ملجأ، كما كان حال أسر الاسرائيليين، وهم ليسوا أهل الامكنة ولا وارثوها. هناك، تجهز السلطات الإسرائيلية الملاجئ، في مواجهة بضعة صواريخ، وهنا، نكتفي بالشعور بالقهر لرؤية صور الملاجئ المرفهة، فيما ناسنا يهرعون إلى الطوابق السفلى، وهي عبارة عن مستودعات أو مواقف سيارات، لا علاقة لها بالملاجئ لا من قريب ولا من بعيد.
في ذلك الصيف، أظهرت أجوبة الخبراء العسكريين أو المهندسين المعنيين بالمنشآت أنه لا يمكن تأمين ملاجئ مدنية محصنة تحمي السكان من الدمار الهائل الذي تحدثه القنابل والصواريخ الإسرائيلية الحديثة، ومن بينها الصواريخ الموجهة التي استهدفت طوابق تحت الأرض ودمرتها، وكان يختبئ فيها سكان مدنيون، وإنما يمكن تأمين ذلك جزئياً من خلال الحصون العسكرية تحت الأرض.
لكن تبين أيضا أنه ليست كل الصواريخ والقنابل التي ألقتها إسرائيل ذكية وشديدة التدمير، فمن بينها قنابل وصواريخ يمكن الاحتماء منها، ومع ذلك دمرت مباني ومنازل غير مؤهلة لتلقي قوتها التدميرية.
ذلك كان الوضع في لبنان، فكيف هو حاليا في غزة، حيث لا يقتصر الامر على عدم وجود ملاجئ وإنما على عدم وجود أماكن يلجأ السكان إليها، فينتقلون من حي إلى آخر، أو إلى المدارس، ليس لأنها أكثر تحصينا طبعا ، وإنما لأنها معروفة بوصفها مراكز تربوية، وليست عسكرية، وبالتالي فهي تشكل مراكز حماية معنوية لهم، ليس إلا.
قصف الجيش الاسرائيلي عدداً من تلك المدارس، لأن إسرائيل تقتل السكان، تقتلهم في أي حرب تخوضها حالياً وسوف تخوضها في المستقبل، فوجد أولئك السكان أنفسهم، إما أشلاء، وإما في العراء، في العراء بكل ما للكلمة من معنى.
يثير وضعهم وصورهم النقمة والغضب والقهر... لكنه يثير سؤالا غاضبا ملحا، كيف لم تستدع كل تلك الحروب مع إسرائيل، بناء أماكن حماية لهم؟ ولا هي تستدعي حتى الآن، على الأقل، أماكن حماية من القنابل العادية؟
من بين تلك الأسئلة، هل فعلا السلطات في لبنان كما في غزة وفي أي مكان عربي آخر، غير معنية بتأمين أماكن الحماية؟ هل فعلا المقاومة غير معنية بتأمين أماكن حماية؟ أم أن عدد الشهداء هو وسيلة ضغط أيضاً على الرأي العام من أجل إظهار وحشية إسرائيل؟
لماذا يحفر المقاومون الأنفاق مثلا للقتال، ولا يؤمن مثلها للسكان؟ ما دمنا نعرف أن إسرائيل ستقصفهم وتقتلهم، وستستخدم أحدث الاسلحة في قتلهم، وإلا لماذا اشترتها أصلا. نعدد الاسلحة الاسرائيلية ونوعيتها وقوتها التدميرية، لكننا لا نفكر في كيفية تأمين وسائل حماية جزئية منها؟
يخوض أهل غزة حرباً وهم في العراء، فكيف يمكن تجهيز وسائل قتال، ولا يمكن تجهيز وسائل لحماية الناس في الحرب؟ أليس هؤلاء أهل الأرض والمقاومة؟
المتربعون في مراكز القرار الدولي يجدون فينا أرقام ضحايا، تتحول الحياة عندهم، التي هي من لحم ودم، الى معادلات سياسية وعسكرية وأمنية، لكننا نحول أنفسنا أيضا إلى أرقام. الأطفال هم الآتي، لكن ذلك الآتي يمضي حالياً قوافل إلى المقابر، أي معنى أصعب من ذلك المعنى؟ صورة طفل حي من غزة هي التي أصبحت تثير الاستغراب، أي مشاعر أصعب من تلك المشاعر؟
لم يعد ممكناً خوض حرب من دون تأمين الحماية لسكاننا، لا يمكن الحديث فقط عن الوحشية الاسرائيلية، لأنها معروفة، ما يجب معرفته هو ما يترتب على المعنيين عندنا القيام به، أن يتم تأمين الحماية بأقصى الوسائل المتاحة وليس أقلها، وإلا فلتتأجل الحروب، نعم. إن أفظع ما تواجهنا به المجتمعات الاوروبية والاميركية هي في جعل ضحايانا أرقاماً. طفل يقتل في مدينة أوروبية أو اميركية يهزها من اقصاها إلى اقصاها. من يسعى لكي لا نبقى أرقاماً؟ من يسعى لأن يكون لكل مواطن، وهو يحمل حجرا أو شعارا أو بندقية، مكانا لاحقا في الحياة؟ من يسعى لكي يبقى اولاً على قيد الحياة؟ اسرائيل تسعى إلى قتلهم، ونحن ماذا نفعل لنقطع عليها الطريق؟ (السفير)