اذ و بعد اسبوعين من العمل العسكري الذي انتهى بالاخفاق ميدانياً و استراتيجياً ، و بعد اسبوع من حرب الابادة الجماعية لم تستطع اسرائيل ان تكسر ارادة المقاومة و لم تستطع ان تؤلب الشعب عليها ، و في المقابل احدثت يقظة شعبية عربية و اسلامية و دولية ضد وحشيتها و باتت في المنظور الاخلاقي و الشعبي محاصرة مرذولة في الوقت الذي كانت تريد من حصارها لغزه و حربها عليها ان تخنق المقاومة و تخرجها من المشهد الاستراتيجي و السياسي و الميداني من فلسطين و الشرق الاوسط . و في المحصلة بتنا الان امام المشهد التالي :
اخفقت اسرائيل تسلسلاً في المراحل العسكرية للحرب بالمفهوم العسكري العملاني ، بدءً من العملية الجوية مروراً بالتحضير للعملية البرية ثم في العملية ذالتها عند البدء بتنفيذها واضطرار الجيش المهاجم للتوقف عند اعتاب المدن و القرى خاصة في شمال غزة مربكاً ، و قد جد نفسه امام واقع يذكره بحرب لبنان 2006، و هو مشهد يؤرق قادته العسكريين كما السياسيين حيث ان التقدم الى الاماكن المبنية فيه من المخاطرة و الصعوبة ما يجعله اقرب الى الانتحار اذ يتطلب وقتاً لا يتوفر في الظروف الراهنة ، كما يستوجب تحمل خسائر لا يقوى المسؤولون على تحملها و هم على اعتاب الانتخابات ، من هنا نفهم موقف قائد الجبهة الجنوبية في اسرائيل في ذكره للمهلة التي تتطلبها مهمة احتلال المناطق السكنية و القول بانها سنة على الاقل و هو يقول ذلك ليعلم رؤساءه بشكل ضمني ذكي بان هذه المهمة مستحلية و ينبغي التفكير بسواها . و هنا يطرح السؤال ما هو المتاح بعد ذلك ، و في الاجابة نرى ان اسرائيل ملزمة بوقف العملية حيث وصلت و انتظار المساعي الديلوماسية لتحقق بها كعادتها تعويضاً عن الاخفاق بما يسمح لها بالانسحاب من غزة ، او توقف الاعمال الميدانية في عنوانها الرئيسي و الدخول في حرب استنزاف . و يبدو ان اسرائيل اختارت لعملها خطة تقوم على الاركان التالية .
- الامتناع عن دخول الامكان المبنية ، مع استمرار الحصار و تغطية القطاع بالنار بشكل دائم مستمر.
- ممارسة تكتيك الصدمة الكهربائية المزدوجة التأثير حيث تقوم من مراكز انتشارها و حصارها للقرى و المدن التي وصلت اليها بعمليات اغارة بالدبابات بشكل خاطف لمدة لا تتجاوز الساعتين من اجل منع تحول الجنود الى اهداف ثابتة ، و جعلهم في مواقع دفاعية تربكهم معنوياً من جهة و من جهة اخرى حرمان المقاومة من عنصر الطمأنينية و منعها من الاسترخاء و العمل بهدوء في مهاجمة القوى الاسرائيلية المتقدمة في القطاع خاصة في الاماكن المكشوفة .
- تحول وظيفة القوة النارية الاسرائيلية الى قوة تدمير و ابادة جماعية بحيث تحيل القطاع ارضاً محروقة و تجعل الحياة فيه بعد توقف العمليات العسكرية صعبة جداً بما يحمل السكان على احد امرين : اما مغادرة القطاع نزوحاً ، او الانقلاب على المقاومة التي ستكون سلطتها عاجزة كما تتوقع اسرائيل عن تحمل اعباء الدمار و قاصرة عن اعادة بناء ما دمرته الحرب ، او اعادة الحياة الطبيعية الى القطاع بمفردها ، بما يحملها على التراجع عن الاستفراد في حكم القطاع و يتسبب لاحقاً بخسارتها للانتخابات التشريعية و الرئاسية ان وقعت .
ان قراءة معمقة للسلوك العسكري الاسرائيلي الان ، و وفقاً لما اتضح من اركانه و عناصره يمكن من القول بان اسرائيل هزمت عسكرياً و لكن فازت في امتلاك الصفة الاجرامية البلغة الخطورة ، من حيث صنعها" لمحرقة غزة " لكن هذه المحرقة لم تصنع لاسرائيل انتصاراً ترجوه ، كما انها لم تعوض لها هيبة سقطت ، ولم تستعيد عبرها قوتها الردعية المهشمة ، و السبب في ذلك واضح و بكلا ثقة : المقاومة مستمرة في غزة و االصواريخ التي تتدعي اسرائيل انها تعمل لاسكاتها لم تسكت ، اما قول شمعون بيرز ان جيشه فعل في ايام ما لم تفعله دول عديدة في سنوات طويلة فانه في محله الواقعي ، و لكن ما الذي فعلته اسرائيل ؟ انها ارتكبت المجازر و صنعت المحرقة و الابادة الجماعية ، و بالمقابل لم تحقق هدفها الاستراتيجي و العسكري رغم انها لم تذهب الى الحرب الا بعد اعداد متقن و استفادة من دروس لبنان و تدريب على الخطة الموضوعة لاكثر من مرة ، و لجوئها الى قوة نارية غير مسبوقة في تاريخ الاعمال العسكرية ، و استعمالها للاسلحة المحرمة دولياً بما في ذلك الفسفور الابيض و الغازات السامة و القنابل الانشطارية و العنقودية و الارتجاجية و النابالم ، كل ذلك لم يصنع لاسرائيل نصراً ميدانياً تبتغيه ، و كل ما صنعته يعتبر لعنة تستوجب العار عبرما ارتكبته من مجازر و دمار.
اما النتيجية الفعلية و الاستراتيجية للحرب فهي جعل المقاومة الشعبية ، المستندة الى عقيدة ثابتة و ارادة راسخة ، و الممارسة على ارض يعرف اهلها كيف يحضرونها ، جعل هذه المقاومة هي السبيل الناجع المتاح امام الشعوب المهددة من قبل عدو يملك جيشاً كالجيش الاسرائيلي لمنعه من ممارسة الارهاب و الترهيب .
و يبقى السؤال الختامي متى تنتهي الحرب ،؟ هنا لا نجد كبير عناء في القول بانها في اسبوعها الاخير و لن تتعدى كما نرى نهاية الاسبوع الحالي و عندها سيكون المهتمون فعلاً بالقرار الوطني و القومي المستقل الراغبين صدقاً بمنع اسرائيل من تحقيق اهداف ابادتها الجماعية و محرقتها الوحشية ان يهبوا لنجدة غزة في توفير سبل الحياة في الحد الادنى اما مقاومة غزة فقد باتت شامة على جبين الاحرار في كل العالم بعد ان سجلت بثباتها و صمودها و عزيمة رجالها ملحمة بطولية ارخت مع اختها في لبنان لثالث انتصار على العدو الاسرائيلي في عقد واحد من الزمن .