هي 5 دقائق فقط أعطاها رئيس المحكمة العسكريّة العميد الرّكن خليل ابراهيم إلى أحمد سليم ميقاتي الذي بقي ساكتاً طوال فترة اعترافات الموقوف س. الفري، ثمّ ما لبث أن طلب الكلام ليردّ على ما يقال، وخصوصاً على إفادة فري الذي أكّد منذ أن اقترب من قوس المحكمة أنّه يريد قول الحقيقة من دون زيادةٍ أو نقصان.
وبـ5 دقائق فقط، لم يردّ «أبو الهدى» سائله خائباً، فأجاب على الكثير من الأمور. منها ما كان قد قاله في اعترافاته السّابقة بأنّه خلال اشتداد المعارك في طرابلس، وتحديداً في شهر رمضان 2014، نسّق «خطاب» الاتصال الذي جرى بين ميقاتي و «والي دمشق» أبو أيّوب العراقي.
وبعد أيّام قليلة، كان مبلغ الـ25 ألف دولار أميركي المرسل من «داعش»، في جيب «أبو الهدى».
لماذا؟ يملك الرّجل، ذو التّاريخ الحافل بالتّهم الإرهابيّة من انتمائه إلى «القاعدة» وحتى «داعش»، إجابات تبسيطيّة لما حصل. فهو يؤكّد أنّه لم يبايع «الدولة»، وفق ما يصرّ على وصف «داعش»، وإنّما كلّ ما في الأمر «أنني مسلم، وإذا رأيتُ مسلماً يحتاج المال وأنا مقتدر، فإنني سأعطيه».
هكذا يحاول ميقاتي الإيحاء بأنّ التنظيم الإرهابي الذي يسفك الدّماء ليس إلا «جمعيّة خيريّة» توزّع الأموال على من يحتاجها. ينفي أن يكون مبلغ الـ25 ألف دولار هو الدّفعة الأولى لإنشاء خليّة ظهرت بالعين المجرّدة إثر اعتقال ميقاتي في الضنيّة، وليس بهدف إنشاء «ولاية» تربط القلمون السوريّ بالسّاحل اللبناني، كما روى العديد من الموقوفين.
يصرّ «أبو الهدى» على أنّ أبو أيوب العراقي زوّده بالمال «لإيواء نفسي وإيواء الأشخاص (الذين شاركوا في أحداث طرابلس)، بعدما تخلّى المشايخ والسياسيّون عنهم، وهؤلاء (أي المشايخ والسياسيون) هم من من افتعلوا هذه الأحداث».
أمّا أبرز ما قاله ميقاتي فهو الرّبط بينه وبين سجى الدّليمي. لم يتأخر ردّه كثيراً عندما سأله العميد ابراهيم عن طلب أبو أيوب العراقي بإيواء امرأةٍ سوريّة آتية بشكلٍ غير شرعي مع طفليها من سوريا. سريعاً، اتّصلت طليقة البغدادي بميقاتي بعدما أعطاها العراقي رقم هاتفه، وأمّن لها منزلاً كان قد استأجره سابقاً، مشيراً إلى أنّه لم يكن يعرف هويّتها «بل كان طلباً إنسانيّاً».
لميقاتي دليل أنّه لم يعرف أنّها طليقة البغدادي، لأنّه لو عرف هويّتها الحقيقيّة لما كان انتهى بها الأمر في السّجن، «بل كنتُ رفعت مستوى الحراسة عليها»، ملمّحاً إلى أنّه كان يضع فريق حراسة حولها باعتبارها «غريبة».
وعليه، فإنّها قد تكون المرّة الأولى التي يفصح فيها «أبو الهدى» علناً عن طلب «داعش» إيواء الدّليمي، برغم معرفة الأمنيين بهذه المعلومة حتى قبل توقيف ميقاتي الذي يلفت الانتباه إلى أنّه تلقّى اتصالاً في حينه من مخابرات الجيش في الهرمل ليؤكّد لهم أنّه لا يعرف عنها شيئاً سوى أنّها استأجرت منزله في صغبين.
وهذا ما يشير إلى أنّ ما أدلت به «طليقة أمير المؤمنين» بأنّ لا علاقة لها بـ «داعش» يفتقر الى الدقّة، وإلّا فكيف استطاع أبو أيوب العراقي تأمين التّواصل بينها وبين «أبو الهدى»؟
وخلال استجوابه، أمس، نفى ميقاتي إعطاءه الدروس الدينيّة لعدد من الأشخاص، وأشار إلى أنّه «رجل أميّ وغير مؤهّل لإعطاء الدروس».
عمر ميقاتي و«الدّولة»
وإذا كان «أبو الهدى» قد أنكر أن يكون قد بايع «داعش»، بعكس الكثير من إفادات الموقوفين التي تؤكّد عكس ذلك، فإنّ ابنه عمر لا يخجل بانتمائه، بل يتحدّث عن كيفيّة التحاقه بـ «الدّولة».
الكثير من الأسئلة التي وجّهت إلى ابن الـ19 عاماً، الذي كان ينفي أو يؤكّد ما كان يحصل في جرود عرسال خلال وجوده هناك. إجابة النّفي الأولى حينما سئل الموقوف إذا ما كان «المقنّع» (أكّد ميقاتي في إفادته الأوليّة أنه قتله بسكين في الزبداني) هو نفسه مساعد عرابة ادريس، لم تقنع العميد ابراهيم، لينهي «أبو هريرة» الحديث بالقول: «أنا كنت فوق بالدّولة وأعرف الأمور كلّها».
المتّهم بتصوير عمليّة ذبح العسكريّ الشهيد عباس مدلج وتنفيذ حكم الإعدام بـ3 سوريين، ينكر الأمر، ويقول «لستُ إعلاميّا كي أصوّر». يبدو الشاب، الذي يروى عنه أنّه يحاول وراثة خالد يوسف المعروف بـ «أبو الوليد» في تزعّم سجن رومية وإعادة «زمن الإمارة»، ذكيّا جداً. ما إن يسمع اتّهامه بالقتل والتصوير حتى يجيب «لا دليل على أنّني صوّرت أو حتى قتلت»!
يذهب «أبو هريرة» حدّ «تطهير» نفسه والإيحاء بأنّه ملاك، مشيراً إلى أنّه هو من كان يتواصل مع أهالي العسكريين لدى «داعش» ويرسل لهم صور أبنائهم، وذلك ليس بهدف تهديدهم بل للاطمئنان، مشدّداً على أنّه لم يعد يعرف أي شيء عنهم منذ حوالي العام ونصف.
ويحاول ميقاتي أن يخفّف من وطأة وصفه بـ «القاتل المتسلسل» الذي عمل على «اصطياد» العديد من العسكريين والطرابلسيين من غير الطائفة السنيّة، ليشير إلى أنّه ليس كلّ ما اتّهم به صحيحاً «بعضها صحيح وبعضها غير صحيح».
نفى «أبو هريرة» إفادته الأوليّة التي اعترف فيها بأنّه أطلق النّار على أحد أبناء جبل محسن وأصابه برجله، فيما استطاع العميد ابراهيم أن يحرجه في الأسئلة حتى اعترف بأنّ واحدة من هذه العمليّات صحيحة.
أنكر جرح أحد الأشخاص، ليعترف بأنّه حينما كان برفقة «أبو خليل المقلعط» على دراجة ناريّة وشاهدا سيارة جيب يقودها عسكري في قوى الأمن الداخلي، أطلق حوالي الـ15 طلقة ناريّة باتجاهه، ما أصاب محرّك السيارة التي تدهورت نحو نهر أبو علي، وقتل الدركي بطرس البايع.
في المقابل، روى الموقوف الفري كيف غرّر به عدد من المشايخ ومن بينهم سالم الرّافعي، الذين كانوا يدعون الشبّان إلى الجهاد ويؤكّدون أن «من يقتل علوياً يدخل الجنّة ويحظى بـ72 حوريّة»، ويكفّرون من لا يصلّي، قبل أن يبتعد الفري عنهم.
السفير