كما في كلّ عام، يأتي موسم الحرائق باكرا، يسابق الوقت ليلتهم ما تبقى من أحراج لبنان، متخذاً من غياب استراتيجية وطنية لمكافحة الحرائق، جسرا لتقليص الرقعة الخضراء أكثر وأكثر، ورسم لوحات رمادية في اخضر لبنان، لوحات تتوسع رقعتها عاما بعد عام. فبعد ان كانت الغابات تشكل 74 في المئة من مساحة لبنان، تدنت لتصل إلى 13 في المئة وفق تقييم الموارد الحرجية والغابية للـ (الفاو) في العام 2010، علاوةً على أن "83 في المئة" من هذه النسبة الضئيلة "مهددة بخطرٍ عالٍ من الحرائق" أيضاً.
يمتد موسم الحرائق إجمالا من شهر أيار حتى شهر تشرين الأول، ولكن تشير الدراسات إلى أن الموسم قد يبدأ من شهر آذار ويستمر حتى كانون الأول في المواسم الشديدة الجفاف. وتتوزع الغابات بشكل رئيسي في جبل لبنان والشمال والجانب الشرقي من سلسلة جبال لبنان الغربية وتغطي حوالى 13 في المئة من الأراضي اللبنانية، كما وتغطي المساحات الخضراء غير الحرجية (حوالي 106,178 هكتارًا أي ما يساوي 11,5 في المئة).
مخاطر "وجودية"
وتتلخص المخاطر التي تهدد الغابات ووجودها بشكل عام بـ"الزحف العمراني، المرامل والكسارات، القطع الجائر، الرعي غير المنظم، الأمراض والحشرات، التغييرات المناخية، ضعف تطبيق القوانين المتعلقة بالأحراج، وحرائق الغابات"، التي تعتبر من أخطر وأهم أسباب تقلص المساحات الخضراء. وتجدر الاشارة الى ان معظم الحرائق السنوية، ليست بالحرائق الطبيعية إنما هي حرائق من صنع الانسان، والتي عادة ما تُسجل على ذمة (مجهول). فتشكل الرقعة الخضراء التي يضمها لبنان قيمة فريدة من نوعها ضمن المحيط البيئي القاحل في منطقتنا العربية، وبالرغم من ذلك نرى تقلصاً ملحوظاً في الرقعة الخضراء في لبنان اذ كانت الغابات تشكل حوالى 35 في المئة من مساحة لبنان لغاية 1960-1965، بينما نجد اليوم وحسب آخر الدراسات، أن هذه النسبة قد تراجعت إلى أقل من 13 في المئة في العام 2006، وإذا احتسبنا الأحراج الصغيرة فقد ترتفع النسبة إلى 21 في المئة.
المعدل السنوي للحرائق
وتختلف نوعية الحرائق ومسبباتها وحجم أضرارها فـ"ليست كل الحرائق الحرجية متشابهة لأن لكل منها معطيات تتعلق بالطقس وسرعة الريح وطبيعة المكان. وفي كثير من الأحيان تحصل عدة حرائق لا تلتهم النيران فيها مساحات واسعة من الغابات في حين أن حريقاً واحداً تكون الأجواء الطبيعية مساعدة ليمتد إلى مساحات شاسعة" ويتراوح المعدل السنوي للحرائق بين 1000 و 2000 هكتار، وفي مسح للمساحة المتضررة من حرائق الغابات منذ عام 2012 تبين أن اقضية عاليه، عكار وصور هي الأكثر تضرراً تليها أقضية الشوف ، البقاع الغربي وبنت جبيل. بينما أكثر من 90 في المئة من الحرائق تبدأ من الاراضي الزراعية وجوانب الطرقات. وتختلف مساحة الأراضي الحرجية المتضررة من عام لآخر، وعلى سبيل المثال لا الحصر (زادت عن الألف هكتار في الاعوام 1999 و 2006 ، وانخفضت الى ما دون الـ200 في عام 2011).
مسؤولية المكافحة
تقع مسؤولية مكافحة الحريق بشكل فعّال على تعاون كل من قوى الأمن الداخلي والجيش وموظفي البلديات ومأموري الأحراج والجمعيات الأهلية، فضلاً عن سكان المنطقة نفسها التي يحصل فيها الحريق. بينما تقع المسؤولية الأكبر على الجنود المجهولين الذين في كل نائبة لهم الحصة الأكبر في المواجهة، وهم عناصر الدفاع المدني، فما هي التدابير التي اتخذتها المديرية العامة للدفاع المدني لاستقبال موسم حرائق هذا العام، وما هي التحديات التي يواجهها الدفاع المدني وتحول دون الجهوزية التامة لمواجهة الحرائق؟
يؤكد مدير عام الدفاع العميد ريمون خطّار في حديثٍ لـ"البلد" أن المديرية العامة للدفاع المدني وضعت كافة المراكز والعناصر العملانية والمتطوعين في أعلى درجات التأهب والجهوزية لمواجهة خطر اندلاع الحرائق ضمن الإمكانات المتوفرة بالتنسيق مع الجيش والبلديات.
وعلى كبر حجم مسؤولياتها تعاني المديرية من نقص حاد في التجهيزات "من خراطيم ومادة الفوم وغيرها من المواد الضرورية، كما أن كافة الآليات قديمة العهد وبحاجة إلى التجديد لتلبية الحاجات ومواكبة التطور أسوةً بباقي الدول".
في انتظار التجهيزات
وعن الاجراءات التي قامت بها المديرية لأجل تحسين وتحصين امكاناتها في وجه موسم الحرائق الذي تشير التقديرات إلى "احتمال ان تتخطى الحرائق المتوقّعة لهذه السنة معدلاتها المعهودة مقارنة مع العام الماضي نظراً لما تشهده الطبيعة من تغيّر مناخي" يقول خطّار: "لقد أنجزنا تحضير كافة الملفات تمهيداً لسدّ الحاجة وفقاً للأصول، وإنما التجهيزات لا تزال عالقة ضمن الروتين الإداري المتبع". علما ان الدفاع المدني لا يزال في انتظار صدور التطبيقات المتعلقة بتثبيت العاملين والمتطوعين في المديرية إضافة إلى الهيكلية الإدارية الجديدة "التي تعتبر حاجة ضرورية".
الوقاية من الحرائق
وفي سبيل التوعية والتي تعتبر ايضاً سلاحاً في مواجهة اندلاع الحرائق، يصدر الدفاع المدني على موقعه الالكتروني يوميا نشرة تفصيلية عن قابلية الحرائق في مختلف المناطق اللبنانية لايام ثلاثة مقبلة، وتجدر الاشارة الى ان نشرة 16 حزيران، تضع كل المناطق اللبنانية دون استثناء في دائرة خطر اندلاع الحرائق، خلال عطلة نهاية الاسبوع لا سيما يوم الاحد 18 حزيران الجاري.
بالإضافة إلى تذكير المواطنين بإرشادات الوقاية من الحرائق والتي تتركز على عدم حرق الأعشاب اليابسة عند تنظيف الأراضي الزراعية وجوانب الطرق "لأنها تشكل وقوداً سريع الاشتعال خصوصا عند وجود هواء قوي"، عدم رمي أعقاب السجائر من نوافذ السيارات نحو الأحراج، احترام شروط المحافظة على البيئة عند قضاء عطل نهاية الأسبوع في الغابات لناحية جمع النفايات والتأكد من إطفاء مخلفات مواقد الشواء بالماء أو ردمها بالتراب قبل المغادرة، عدم استعمال المفرقعات خصوصا بالقرب من الغابات او الاعشاب الجافة، والإتصال على رقم الطوارئ 125 للتبليغ عند مشاهدة أي حريق "لأن الابلاغ المبكر عن الحريق يوفّر مجهوداً كبيراً لمكافحته لاحقاً".
موسم "حار"
إذاً، موسمٌ حار ينتظر أحراج لبنان، بدأ في جعيتا ولا نعلم اين ومتى سينتهي، وتشير التوقعات الى انه سيكون أكبر من قدرة الدفاع المدني بتجهيزاته التقليدية وامكاناته المتواضعة، بينما تستمر الدولة اللبنانية بمناكفاتها السياسية على كرسي هنا ومطمر هناك... فهل بات اليوم الذي سنروي فيه لأطفالنا حكايات عن "لبنان اللي كان أخضر…" قريباً...؟!
نهلا ناصر الدين - البلد