صحيح أن السجل الوطني لمرضى السرطان لم يتم تحديثه منذ 11 سنة (حُدث للمرة الأخيرة في العام 2005) ولكن ارتفاع معدلات الإصابة بالسرطان بطريقة لافتة وتستحق الوقوف عندها في لبنان مثبت وواضح وضوح الشمس. يكفي على سبيل المثال لا الحصر، أن وزارة الصحة وحدها ترسل يومياً ما بين 10 إلى 15 عينة (خزعة) لزراعتها في الخارج، بالإضافة الى المصابين الذين يعالجون على حساب الصحة، هذا ولم نتطرق بعد إلى الذين يرسلون الخزعات الطبية والعينات عبر مستشفيات خاصة أو الذين يتعالجون على حساب هيئات ضامنة أخرى غير الوزارة او على حسابهم الشخصي. كل ذلك يعني أن لبنان أصبح يعاني من نسبة انتشار لمرض السرطان تصل حد ان البلاد تعج بنسب الإصابة بالسرطان. وتصل النسبة وفق وزير الصحة وائل أبو فاعور إلى 205 مصابين كل 10 آلاف مواطن لبناني، بينما تبدأ في الدول العربية من 185 لكل 10 آلاف شخص وينخفض الرقم. وأعطى أبو فاعور، في المؤتمر الصحافي الذي عقده مع وزير الزراعة أكرم شهيب، حول المبيدات الزراعية، مثل سرطان المثامي (سرطان المبولة) حيث يعد لبنان ثاني بلد في العالم يعاني من هذه المشكلة». واعتمد وزير الصحة على ما أسماه الدراسات والاستنتاجات العلمية في كلامه، ليؤكد أن هناك «عملاً جارياً منذ خمسة أشهر لتحديثه للوصول الى الارقام الحقيقية».
وورد كلام وزير الصحة في إطار الحملة التي تقودها وزارتي الصحة والزراعة لضبط المبيدات الزراعية المسرطنة والمسموح استعمالها عالميا وتلك غير المسموحة والتي يتم إدخالها إلى لبنان، وكيفية تطبيق المعايير الصحية التي من شأنها الحد من ضررها وترسباتها في الخضار والفواكه على صحة المواطنين.
وسمى أبو فاعور 45 مبيدا زراعيا من بينها تسعة سوائل، تسمى شوائب، (وهي التي يتم مزج المبيد بها) مسببة للسرطان وللتشوهات الخلقية وتؤثر على الحوامل والأجنة.
ولكن ما قصة المبيدات الزراعية اليوم، وكيف كان يتم التعامل مع إدخالها ولماذا يوجد في لبنان 45 مبيداً برغم عمل الوزارات المختصة قبلاً وتشكيل لجان وتوظيف خبراء وإجراء دراسات وابحاث عدة؟ وأين اللجنة العلمية المختصة التي كانت في وزارة الزراعة لمراقبة المبيدات؟
وفي إطلالة على عمل اللجنة المختصة التي تسمى لجنة المبيدات، والتي قال أبو فاعور انها تضم ممثلين لاصحاب الشركات المستوردة للمبيدات، «أي من يفترض ان يُراقَب يقوم بالمراقبة»، وفق وزير الصحة نفسه.
وعليه، ولدى التدقيق في عمل اللجنة وآليته، وهي تضم بالإضافة إلى ممثلي شركات المبيدات، ممثلا لوزارة الصحة وثلاثة ممثلين لوزارة الزراعة وممثلا لوزارة البيئة وآخر لمعهد البحوث الصناعية، ويكفي ان نستشهد بكلام وزير الصحة عن فعاليتهم في اللجنة حيث قال أبو فاعور: «عددهم اقل من ممثلي الشركات، وصوتهم خافت، وصوت المال أقوى وتتلعثم امامه الالسن والعقول والضمائر»، في تلميح مباشر إلى دور المال في اتخاذ القرارات المناسبة لمصلحة التجار. ليقول: «لذا يجب اعادة النظر باللجنة».
تمرير عشر مبيدات مخالفة خلال عام
وعلمت «السفير» من آلية عمل اللجنة التالي: صوت التجار في الاجتماعات قوي جداً داخل اللجنة. أحد مندوبي الوزارات المختصة لا يحضر الاجتماعات، فيما يتم تقسيم الأدوار في اللجنة خلال البحث في أي ملف بطريقة يكون فيها صوت ممثلي الشركات موحداً دائماً، وكما قال أبو فاعور: «تتلعثم الألسن أمام صوت المال». ولذا كان القرار بين القطاعين العام والخاص في معظم الأوقات موحداً، فيما تفيد بعض المحاضر لعمل اللجنة باعتراض وتحفظ مندوبة وزارة الصحة التي تم تعيينها قبل عام، وهو رفض لم يكن يؤثر في عدم تمرير القرارات.
وعلمت «السفير» من خلال مضمون بعض المحاضر أنه تم تمرير عشرة مبيدات على الأقل غير مطابقة للمواصفات والمعايير.
وإثر تقديم مندوبة وزارة الصحة في لجنة المبيدات، رئيسة دائرة الاستيراد والتصدير في وزارة الصحة الدكتورة ميسلون قانصو استقالتها من اللجنة، طلب وزير الصحة جردة بالمبيدات المسموح ادخالها إلى لبنان ولديها تأثير سلبي على صحة المواطنين.
تقول قانصو إنها اعتمدت خلال المقارنة على لوائح المبيدات في أعلى وكالات مختصة ومعتمدة رسمياً لتسجيل المبيدات في أوروبا واميركا. وعليه تبين انه يوجد في لبنان 36 مبيداً زراعياً من الفئة الخطرة جدا والمسرطنة على صحة الإنسان، ومن ضمن هذه اللائحة، (أي لائحة الـ 36 مبيداً مسرطناً) هناك لائحة ضمنية تحتوي على مبيدات تشكل تحديداً خطراً على الأجنة. وهذا يعني ان تناول المرأة الحامل لخضار وفاكهة ملوثة بهذه المبيدات وتحتوي على الترسبات بمعدلات غير مسموح بها من هذه المبيدات فسوف يصاب الجنين بتشوهات خلقية إذا لم يجهض قسرياً، أي يموت في بطن الأم خلال فترة الحمل. وبعض هذه المبيدات من ضمن لائحة الـ 36 توقف تسجيله في اوروبا وأميركا، ولم يعد مسموحا استعماله إلاّ في لبنان وبعض الدول التي تستخف بصحة مواطنيها.
وردا على بعض الذين قالوا بورود أسماء مبيدات مسرطنة في لبنان ما زالت مستعملة في أوروبا، أكدت قانصو أن هذه المبيدات موضوعة تحت تصنيف «مقيّد الاستعمال»، وهذا يعني ان المبيد ليس بيد المزارع، ولكن يتم استعماله و «رشه» على الخضار من قبل الوزارة المعنية بالطريقة العلمية اللازمة وعبر خبراء مختصين يحملون شهادات علمية مختصة. وبعد رش هذه المبيدات يأخذون عينات من التربة والمياه والمحصول للتأكد من استقرار رواسب المبيد على المعدلات المسموح بها والتي لا تضر بالصحة.
اما اللائحة الثانية التي تم تحديدها خلال المؤتمر الصحافي المشترك لوزيري الصحة والزراعة، فتضم المبيدات التي تم سحبها من لبنان في فترات زمنية سابقة، وتم التأكيد عليها مجدداً لتفعيل مكافحتها في التهريب عبر الحدود بعد ورود معلومات عن وجودها في لبنان بطريقة غير شرعية.
وتحتوي اللائحة الثالثة على ما يسمى بالشوائب، وهي السوائل التي يتم فيها تذويب بعض المبيدات، وهي سوائل خاصة بالمبيد، وهذه، وفق قانصو، «مسموح استعمالها شرط التأكد من رواسب السائل المستعمل في المنتج النهائي (خضار أو فاكهة) قبل تسويقه لاستهلاكه من قبل المواطنين. ويتم تذويب المبيد بالسائل في بلد المنشأ، وعليه، تقول قانصو: «يجب على السلطات المعنية ان تفحص الشوائب الموجودة في هذه المبيدات للتأكد من انها ضمن المعدلات المسموح استعمالها عالميا. واشارت قانصو إلى أن هذا الأمر لم يكن يحصل قبلاً، وقد اتخذت وزارتا الصحة والزراعة قراراً لمراقبة الشوائب، بالإضافة إلى قرار آخر يقضي بإخضاع المنتج الزراعي اللبناني للفحوصات اللازمة لفحص نسب رواسب المبيدات والشوائب قبل السماح بتسويقه للاستهلاك. وتم في هذا الإطار، تشكيل لجنة مختصة مشتركة ولكنها لن تبدأ عملها قبل وضع آلية للمراقبة والتنفيذ، وسميت هذه اللجنة «اللجنة المشتركة لمراقبة الإنتاج المحلي».
اللحوم أيضاً..
وبالإضافة إلى القرارات المتعلقة بالمبيدات الزراعية والخضار، تبين أن بعض الأطباء البيطريين يقومون باستيراد لقاحات بيطرية للحيوانات ويبيعونها لمؤسسات ومسالخ غير متعاقدة مع طبيب بيطري، مما يشكل خطرا على تحديد الفترة التي يصبح فيها مسموحاً ذبح الحيوان قبل خروج اللقاح او الدواء من جسمه. مما يعرضنا كمستهلكين لخطر تناول هذه الأدوية واللقاحات في اللحوم والدواجن. ويتسبب تناول لحوم ملوثة بالمضادات الحيوانية واللقاحات مقاومة جسم الإنسان على المضادات الحيوية، حيث يصبح شفاؤه من أي التهاب يلحق به شبه مستحيل لأن جسده يكّون مناعة ضد أدوية الالتهابات. وبناء عليه، أشارت قانصو إلى صدور قرار مشترك بين الزراعة والصحة لتشكيل لجنة لمراقبة التزام الطبيب البيطري مسؤوليته الكاملة عن وصف وعدم ارسال الحيوان للذبح قبل خروج الدواء من جسمه، وكذلك عدم منح الدواء لمؤسسات تربي دواجن ومواشي من دون أن يكون لديها طبيب بيطري لبناني مختص. ويجب ان يكون الطبيب لبنانياً لأن الطبيب غير اللبناني غير حائز على إذن بمزاولة المهنة، وبالتالي لا يحاسب أمام الدولة اللبنانية.
سعدى علّوه
السفير بتاريخ 2016-06-18 على الصفحة رقم 4 – محليّات
http://assafir.com/Article/499335