أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

»مؤتمر عاشوراء«: دعوة لإدخالها في الرواية والمسرح والسينما

الجمعة 30 كانون الثاني , 2009 06:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 6,027 زائر

»مؤتمر عاشوراء«: دعوة لإدخالها في الرواية والمسرح والسينما
شن المشاركون في مؤتمر »عاشوراء ـ النص والوظيفة وإمكانيات التعبير« أمس، ما يشبه حملة انتقادية على نصوص عاشوراء، باعتبارها تخضع في جزء كبير منها، إما إلى الإضافات المفبركة، أو للعاطفة المجانية التي تستدر الندب والبكاء من دون إعطائها بعدها الملحمي التاريخي، أو إلى الخرافة المستندة الى المبالغات في سرد الوقائع.
وتعرض المشاركون عبر ثلاث جلسات عقدت في مطعم »الساحة«، الى الوظائف التربوية والثقافية للثورة الحسينية، والصناعة الإعلامية لهذه الثورة. وأجمعوا على ربط المناسبة التاريخية بالواقع، لتشكل محركاً لإصلاح وتطوير المجتمعات الراهنة. كما قدم كل من المخرجين جواد الأسدي وسايد كعدو رؤيتهما لمسرحة وقائع عاشوراء، او التعبير عنها سينمائياً بما يعطيها أبعاداً إضافية غير استهلاكية.
وكان المؤتمر قد افتتح مساء امس الاول، برعاية السيد محمد حسين فضل الله، الذي القى كلمة اكد فيها على أن »المشكلة هي في تطييف عاشوراء وحبسها في قمقم عاداتنا وتخلفنا الذي ليس فيه أي قضية، وانطلقنا مع الإمام الحسين الشخص وليس الحسين القضية، وعلّبنا الشخصية الكربلائية حتى باتت شخصية باردة«. وشدد على إسلامية عاشوراء وإنسانيتها وانفتاحها على الإنسان والرسالات، داعياً الى إدخالها في الرواية والمسرح والفن الهادف، وإخراجها من ميادين التخلف والجهل والخرافة، التي يتحرك فيها الكثيرون.
وحذر فضل الله من التصفيق للرئيس الأميركي الجديد، »فلا يكفي ان تكون للرجل اصوله وجذوره الشرقية حتى يصبح مخلصاً لقضايانا، وهو الذي ارسل دعمه لإسرائيل فور تسلمه الحكم، ومشكلتنا كعرب أننا نطرب للكلمات ونتخدر بها. اما اسرائيل فلا تطلب الا المواقف ولا ترضى بغير التأييد مشفوعاً بالحركة الميدانية«.
النصوص الأصلية تكفي بلا إضافات
ترأس الجلسة الأولى نائب الأمين العام »لحزب الله« الشيخ نعيم قاسم فأكد على ضرورة »اعتماد نصوص الأحداث التاريخية، من دون ان نحذف منها ما لا ينسجم مع رؤيتنا وفهمنا، طالما انها منسجمة مع القواعد الأصولية. فلا نتعامل معها كأحداث قابلة للإلغاء إذا لم تعجبنا مداليلها«. ولفت الى اهمية التفريق بين الدراسة العقلية للنص والدعوة الى عقلنة النص.
وقال: »يكفي نصوص عاشوراء الصحيحة وتاريخها المحقق لإعطائنا كامل الصورة عما جرى، ولاستخلاص الدلالات والعبر الكاملة. فيأتي الوضّاعون لإضافة ما يضيف الى القصة او يستدر الدمعة او يدفع الى الغلو او يعظّم من بعض الاحداث، بحجة استكمال حجة ومكانة المناسبة، وهي حجة واهية مضللة«.
وعرض السيد محمد ترحيني لمصادر النص العاشورائي، فأشار الى انه لم يصل الينا مما كتب في القرن الثاني الا خبر عمّار الدهني عن الإمام الباقر، »وأول من كتب في مقتل الإمام الحسين هو الأصبغ بن نباتة«. وقال: »كل المصادر لم تستوف جميع وقائع النهضة الحسينية، لأنها نقلت ما وقع تحت مرأى ومسمع الناس، ونقلت ما كشف عنه الأئمة. ولم تتكلم هذه المصادر عما جرى داخل البيوت، وبين الإمام وأصحابه، مما لم يسمعه سامع ولم يره شخص«.
وأعلن ترحيني أنه في القرن السابع بدأ »الإسلوب الإثاري، القائم على السجع واستدرار الدمع، وتحريك العواطف في عرض وقائع النهضة الحسينية«.
وقدم الدكتور إبراهيم بيضون إعادة قراءة لحركة الإمام الحسين، فاعتبر أن كربلاء أسقطت الحكم السفياني، ولم تكفّ تداعياتها عن إرباك الحكم المرواني الذي انهار أيضاً امام ثورة العباسيين. وأشار الى ان »الحركة اعطت جرعة لحركة ابن الزبير بصموده تسعة اعوام مناوئاً للحكم الأموي، ولكن قائدها لم يكن رجل المرحلة، ولم يتميز خطابه عن سياسات خصومه، ما أتاح لهؤلاء إعادة إنتاج نظامهم المنهار«.
ولفت بيضون الى ان »الثورة أكدت على أنها ثورة الكوفة، حيث شهدت الأخيرة تكوّن تيار التشييع. كما ان الكوفة لم تخذل الحسين، بل ظلت وفية لقضيته، ومن دونها كان الإسلام الأموي المستمد نفوذه من العصبيات قد ساد بالمطلق، وقضى على البقية الباقية التي تنازل من اجلها الحسين«. وشدد على أن ثورة الحسين ظلت في الوعي التاريخي للأجيال، حافزاً للتغيير من واقع الظلم والاستغلال الى آخر تسوده الحرية والعدالة.
من جهته، تحدث محمد الحسيني عن الشائعات والروايات غير المبررة في بعض الكتب، مستشهداً بأحد الكتب الذي يشير الى ان »الحسين قتل ألفاً و٩٥٠ رجلاً، وجرح آخرين«، فيما كتاب آخر يفيد بأن »عدد افراد جيش ابن زياد بلغ ٧٠ ألف فارس، وثالث يشير الى سحق جسد الإمام الحسين!«. فأكد ان معظم روايات المجلس العاشورائي لا يستند الى مصادر أصلية، وربما يعتمد بعضها على معايير مزاجية، باستثناء النصوص التي رواها الإخباريون (طبقة سبقت المؤرخين كأبي مخنث)، وهي تغني عن الروايات المرسلة، والأخبار التي يتناقلها الناس من دون وعي«.
الميديا في الذاكرة الشعبية
ترأس الجلسة الثانية الشيخ حسن الصفار، وتحدث فيها الشيخ شفيق جرادي فقال: »النظر الى التاريخ ليس منفصلاً عن الحاضر وطموحات المستقبل، وهو يحتاج الى مراجعة دائمة، لأنه تكمن فيه الشخصية العقائدية او المكافحة، التي ينبغي تحصينها من كل انحراف او تزييف لواقعها«. واعتبر ان كتابة التاريخ لطالما تمت وفق منطق السلطات الحاكمة، »وتم بذلك إقصاء تاريخ الجماعات التي كانت السبب في صنع الأحداث والوقائع (...) اما الالتقاء مع النهضة الحسينية فيضعنا أمام حقيقة الجماعات الصانعة للتاريخ، وسيرة المثال الأعلى الذي يتماهى مع الإنسان في كل عناصر قوته وضعفه وانتصاراته وانكساراته وحياته وموته«.
وتساءل الزميل رفيق نصر الله: »هل صحيح أن هناك ما يمكن تسميته »بإعلام عاشوراء« ليكون لهذا البطل (الإمام الحسين) إعلام؟«، ورد إيجاباً، »لأن الخط البياني الذي ظهر منذ سفك دم الحسين أنتج نوعاً من الميديا في الذاكرة الشعبية، لأنها انطلقت اولاً من مفهوم الاستشهاد. وهذا الاستشهاد طاول بطلاً، ومن حول البطل أهل البيت، ومن هذا البيت خرجت الرسالة السماوية، وهذا المشهد البطولي تحول الى بيان تأسيس لفكرة هي مقاومة الظلم بنهج استشهادي«.
وقال: »يجب ألا نحيي المناسبة تراثاً او فلكلوراً شعبياً، بل نقترب من مفهوم البطولة في قياساتها المختلفة، لأنها لم تكن بطولة حالة محددة في زمن محدد، بل جاء المصرع ليشكل انقلاباً من الزمن نحو أيديولوجيا غير منغلقة تتجاوز الزمن«.
ورأى محمد محفوظ أن حاجتنا الى عاشوراء تنطلق من حاجتنا الدائمة الى »إصلاح أوضاعنا، وتطوير واقعنا. ومهمتنا المعاصرة هي أن نحول عاشوراء الى مناسبة مجتمعية وإنسانية لتعميق قيم الإصلاح والحريات الدينية والفعل الإصلاحي المتواصل، الذي يتجه الى طرد أسباب الانحراف والخروج من الجادة«.
وأهاب بالخطباء تعميق هذه المفاهيم في نفوس الناس، وأن تكون محاضراتهم »في سياق صيانة كرامتنا ونيل حريتنا وتطوير الواقع«.
وأكد الشيخ نجف علي ميرزائي على أن القليل ممن يحيون الشعائر الحسينية درسوا طبيعة هذه الشعائر، او وضعوا إطاراً محدداً لها. واستغرب انصراف دلالات الشعائر في مخزونها الشعبي والعلمائي الى المأتم وإقامة العزاء.
وقال: »فاعلية عاشوراء في بعدها الملحمي لا تنفصل عن الجانب المأساوي، أي أن مفهوماً مركباً من المأساة والملحمة معاً يحول القضية العاطفية الجياشة التي تختزنها المأساة الى ثورة عارمة تتبنى أهداف النهضة الحسينية«. واستشهد في هذا الاطار بالثورة الإسلامية الإيرانية والمقاومة الإسلامية في لبنان وفلسطين.
»العاطفة وحدها تعمي وتصم وتحجب الرؤيا«
ترأس الجلسة الثالثة الدكتور وجيه فانوس، وتحدث خلالها المخرج جواد الأسدي فقال: »بينما كنت اعيد التفكير باستعادة ميثولوجيا عاشوراء وشخصية الحسين، انتابني خوف مريب، بين فكرة تجديد وانبعاث هذه الشخصية الفذة في دفاعها عن الحق، وما تكتنزه الجموع الشعبية من إرث غريزي ميلودرامي يجر شخصية الحسين، وما يحيط بها من بطولات ملحمية، الى قعر ندبي، ملحمي، جوهره اللطم والضرب بالسيوف وتجريح الجسد بالشفرات وضرب الرؤوس بالسيوف، لدماء تسيل في الشوارع لهدف فحولي، غريزي وعاطفي، استعراضي اكثر منه رغبة في تكوين احتفالية جمالية عقلانية وبصرية ونصية، بما يقدم الى العالم ثمرة ملحمية جديدة«.
ورأى ان هذه الشخصية بقيت سجينة »التقاليد الشعبية العاشورائية التي تشهد سنوياً انفجاراً عاطفياً، يعبر عنها بشكل ديني، وأحياناً سياسي«.
ومن جهته، قال المخرج سايد كعدو: »لأن الثورة الحسينية محطة أساسية في الوعي الشعبي، ومولدة للدلالات والرموز، وبسبب ما لحقها من أحاديث وروايات، وبسبب قدرات اللغة في نقل المعاناة الإنسانية، وبسبب وجودنا في عصر تتحكم فيه الصورة، تستطيع السينما إعادة إبراز هذه الحادثة بكل أبعادها الإنسانية والفكرية بما تملكه من قدرات تقنية هائلة«.
وأشار كعدو الى ان تكثيف زمن الرواية لتحويلها الى عمل سينمائي، »من خلال ما ندعوه تقنية كتابة السيناريو او الفيلم على الورق، يشكل إحدى اصعب القضايا في إعادة صياغة الرواية«.
وتحت عنوان »الصناعة الإعلامية« اعتبر نايف كريم ان اكثر الفضائيات المتخصصة بالشعائر الحسينية »لم تستطع تقديم صورة جاذبة للتعرف على النهضة الحسينية، وبعضها ترك انطباعات سلبية اكثر من الإيجابية«. ولفت الى ان »بعض الاعمال الدرامية الخاصة بالأطفال، على قلتها، هي اعمال تصلح للكبار اكثر من الصغار، من حيث مستوى الكلام والجمل المستخدمة«.
وأشار الى ان الإمكانات المالية عائق اساسي امام إنتاجات درامية عن النهضة الحسينية بمستوى عالمي، ونوه بتجربة فيلم الرسوم المتحركة »ارض الطف«، »الممولة من الاموال الشرعية، التي حققت ارباحاً بنسبة تتجاوز ١٠٠٪«. ولفت الى منع تصوير اعمال عن عاشوراء في الدول العربية، فضلاً عن رفض فضائيات عربية اخرى عرض أي من الإنتاجات الخاصة بالنهضة الحسينية.
وفي الختام، استغرب الشيخ حسين الخشن »لكون الثورة الحسينية التي رفعت راية الإصلاح، ودفعت الثمن غالياً في هذا السبيل، اصبحت بحاجة هي نفسها الى الإصلاح في بعض جوانبها، بسبب تشوه أصابها، جراء طغيان المنحى العاطفي، او الغلو العاطفي، في قراءة الحدث، والتفاعل مع الحدث، وأساليب إحياء الذكرى«.
ورأى »ان التاريخ لا يُقرأ بعاطـفة، وإنمـا وفق ضوابط المنهج العلمي التاريخي النقدي، لأن العاطفة وحدها تعمي وتصم وتحجب الرؤيا، وتضيّع الحقائق«.
(السفير)

Script executed in 0.18673706054688