بينهم من شاخ هنا، كالعم سمعان وزوجته، ولم يكن يتوقع أن يلجأ إلى بيوت الآخرين، ولو كانوا إخوة، في آخر العمر. أمس كان منظر البيت مؤثراً، بعدما انتهك الانهيار أسراره، مشرعاً كل ما داخله لعيون المارّة. (الأخبار)
انهيار بيت في الجميزة يهدد ثلاثة بيوت
مهى زراقط - الاخبار
يطل مكوث صورة غادة عبد المسيح في ثوب زفافها طويلاً على جدار منزلها الزوجي. فبعد أقلّ من عامين على زواجها، وجدت غادة نفسها تنتظر عمال نقل الأثاث أسفل المنزل، ليخرجوا لها الصورة في صندوق من الكرتون. ليست الصورة وحدها التي وُضّبت في صندوق ستعود به إلى منزل أهلها في الدكوانة، بل كلّ أثاث البيت الذي هبط صباح أمس، ونجت منه غادة ورضيعها رافايل (7 أشهر) بفضل العناية الإلهية. البيت الذي يقع في أحد أحياء طلعة البرباري في شارع الجميزة، يعود إلى عام 1920، وفق ما يؤكد أهالي الحي. استأجر حبيب عبد المسيح الطبقة الأولى منه، التي وقعت، منذ السبعينيات، كما يقول. أما الطبقة الأرضية فغير مأهولة.
المكان الذي تجمّع فيه الجيران يخلو من أي أثر لدمار، لأن المنزل وقع من الجهة الثانية. عناصر قوى الأمن الداخلي منعت الاقتراب منه خوفاً على سلامة المواطنين. وحدهم عمّال نقل الأثاث كانوا يصعدون وينزلون الدرج الحديدي القديم الذي لا يزال سليماً والموصل إلى الجزء غير المنهار من المنزل. كانوا يسيرون محمّلين بصناديق العفش في زواريب ضيقة، جميلة، ليصلوا إلى أقرب مكان استطاعت شاحنة النقل أن تصل إليه، أي حيث كانت أشرطة الكهرباء تحترق لتقطع الكهرباء عن الحي لحظة دخولنا إليه. تراقب غادة العمال مبدية خشيتها عليهم. ثم تعود وتروي الحادثة. تقول إن البيت وقع عند العاشرة إلا خمس دقائق صباحاً. كانت قد تلقّت اتصالاً من عملها الذي لم تذهب إليه لكي تبقى مع ابنها المريض. استغلّت العطلة للقيام ببعض أعمال التنظيف، فنقلت سرير رافايل من غرفة النوم التي وقعت إلى غرفة الجلوس «لكي يبقى قربي وأسمع صوته إذا بكى». لكنّ الصوت الذي سمعته غادة، في المطبخ، كان أقوى بكثير من صوت بكاء طفل رضيع. لم تفكر في ما قد يكون، فالفراغ الذي حدث فجأة أفقدها صوابها: «ولا شي... قشط البيت. لم يبق منه إلا غرفة الجلوس والممرّ».
لحظات لا تحسن غادة استعادتها، وهي تفكر كيف تخرج بابنها، وخصوصاً بعدما سمعت صوت انهيار ثان. بداية، حاولت الاتصال بزوجها لتطمئنه إلى أنها بخير. لكن الهاتف لم يعمل، فأعطت الرقم لجارتها عبر شباك المطبخ. الأخيرة كانت قد اتصلت بالدفاع المدني قبل أن تتوجه إلى مكان الصوت «ولم أتوقع أن يكون بيت حبيب، كنت أعتقد أنها البناية الجديدة التي تُبنى».
ليست رينيه وحدها من لم يتوقع أن يكون هذا هو البيت الذي وقع. يذكر الجيران أنه عندما تزوجت غادة وانتقلت إليه «وفرشته أحلى فرش»، كان كلّ من يزورها يسألها مقايضته بشقة جديدة فترفض «لأن بيتي قديم، وسقفه يرتفع أربعة أمتار» تقول ساخرة. اليوم، لا أحد يحسدها، كما لا يحسد جيرانها (ثلاث عائلات) الذين منعوا من النوم في منازلهم القديمة بعدما تبلّغوا من موفد المطرانية التي تتبع لها بيوتهم أنها «غير صالحة للسكن». يكرّرون العبارة متسائلين إن كان هذا الموفد مهندساً أم لا، لأن مصيرهم بات يتوقف على كلمة منه.