وإلى ما قبل أيام قليلة، كان العماد عون يؤكد في مجالسه الخاصة حرصه على تجنب الوصول الى نقطة اللاعودة مع ميشال المر، برغم الخلاف بينهما. وقد لفت انتباه زوار الرابية مؤخرا ان الجنرال كان يستخدم لهجة إيجابية في معرض كلامه عن وزير الدفاع، ما أعطى انطباعا بان الامور قابلة للّملمة، ولا سيما ان الاخير بدا بدوره مهتما بعدم كسر الجرّة مع عون، وفق الاجواء التي كان يعكسها الاصدقاء المشتركون.
وهناك في أوساط التيار الوطني الحر من يعتقد ان ميشال المر لمس ان زيارة ابنه الى سوريا، قد انعكست استرخاء في صفوف قاعدته وأثارت لديها تساؤلات حول حقيقة الخيارات الانتخابية لآل المر، والمآل الذي ستنتهي اليه، ما دفعه الى ان يضرب ضربته، ليعيد شد العصب حوله وتعبئة مؤيديه، لان بقاءهم في المنطقة الرمادية او الضبابية ربما يؤثر سلبا على جهوزيتهم التي يسعى ابو الياس الى رفدها بكل عناصر القوة منذ الآن، كما تبين من إطلاقه المبكر لماكينته الانتخابية.
وكان لافتا للانتباه في الطروحات الاخيرة للمر، انه استبدل شعار اللائحة الوسطية او المستقلة بمصطلح «الاعتدال المسيحي»، الذي يملك قدرة أكبر على دغدغة مشاعر الرأي العام المسيحي، وخصوصا الجزء الذي يقف على مسافة من قوى «8 و14 آذار»، وأصبح بحاجة الى خيار آخر يأوي اليه ويستظل به. إلا ان المقربين من التيار الوطني الحر يعتبرون ان واحدة من المفارقات المدوية ان يقرر المر خوض معركته ضد عون تحت شعار الاعتدال، كأن الجنرال يمثل التطرف، علما بأن من أبرز مآخذ خصومه عليه انه ذهب بعيدا في اعتداله الذي قاده الى التفاهمم مع «حزب الله» وزيارة سوريا وإيران.
وبينما كانت مواقف المر تتفاعل، فإنه اضاف اليها أمس إعلانه الرسمي عن تحالفه مع حزب الكتائب، فيما أشارت معلومات مستقاة من مصادر متنية موثوقة، الى انه يخوض أيضا مفاوضات في اتجاهات عدة لاستمالة عائلات متنية عريقة، تمهيدا لتركيب لائحة او نواة لائحة، ومن بين الشخصيات التي وصلتها «عروض التحالف» رجل الاعمال وليد ابو سليمان ذو الميول العونية، وهو ابن أخي النائب السابق والرئيس السابق للرابطة المارونية المرحوم شاكر ابو سليمان.
ولا يخفي البعض في المعارضة حيرته حيال خطوات «ابو الياس» التي جعلته أقرب الى أمين الجميل من ميشال عون، وأكثر قدرة على تقبل مزاج مرشح الكتائب سامي الجميل، بعدما ضاق ذرعا بـ«مزاج» عون، علما بأن زيارة الامين القطري لحزب البعث فايز شكر الى المر تحمل دلالات عدة، لعل أهمها ما يعكس حرص سوريا وأطراف في المعارضة على عدم «التفريط» به ودفعه الى الارتماء في أحضان «قوى 14آذار»، وذلك سعيا الى الحد من أضرار خلافه مع زعيم التيار الوطني الحر.
وإذا كانت «تحولات» المر تخضع بطبيعة الحال لاجتهادات عدة، منها ما يعتبر ان استعادته «القرار المستقل» هو أمر طبيعي ومفهوم بالنسبة الى من يعرفه جيدا، بعدما تحمل كثيرا أعباء الذوبان في وعاء تكتل التغيير والاصلاح خلافا لطبيعته.. إلا ان المقربين من التيار الحر يعتقدون ان افتراقه عن عون واقترابه من الجميل يعودان الى الاعتبارات الآتية:
ـ ان ميشال المر يريد إثبات وجوده وتظهير حجمه استنادا الى «قواه الذاتية»، لاسباب تتعلق برغبته في إرضاء «الانا» السياسية لديه، وخصوصا انه ظل لسنوات طويلة يُصنف رقما صعبا في المعادلة السياسية الداخلية.
ـ ان المر والجميل يجمعهما شعور مشترك بان عون هبط فجـأة عام 2005 على ملعبهما التقليدي في المتن، ونجح في استمالة الجمهور نحوه، وبالتالي فإن مصالح الرجلين تقاطعت عند نقطة السعي الى تحجيم الجنرال واستعادة الحجم المفقود.
ـ ان إصرار المر على خوض معركته ينطوي ضمنا على رسالة لرئيس الجمهورية مفادها انه لن يتخلى عنه حتى لو تخلى هو عن دعم الوسطيين او المستقلين.
ـ ان المر يعرف المتن جيدا ولعله يملك c.v. شخصي لكل ناخب، بفعل مرحلة طويلة من تراكم الخدمات والعلاقات خلال فترة توليه وزارة الداخلية، وبالتالي فهو يظن انه يملك من «المخزون الشعبي» ما يكفي ليخوض مواجهة متكافئة، بعد استكمال إنجاز «خطوط الإمداد» عبر التحالفات التي يعمل على نسجها حاليا.
وإزاء هذه المعطيات، تشدد أوساط التيار على ان المطلوب من المعارضة ان تتعاطى مع الاستحقاق الانتخابي بما يستحقه من جدية، وعدم الاكتفاء بالاطمئنان الى نتائج استطلاعات الرأي التي تظهر ان وضع المعارضة مريح، لافتة الانتباه الى ان هجوم المر استفز جمهور التيار الجاهز لإثبات فعاليته، وتبقى هناك حاجة الى ان تحسن القيادة اختيار المرشحين الذين يملكون مناعة ضد احتمالات التشطيب والخرق.