في الثالث والعشرين من الشهر الماضي حدد وزير الأشغال العامة والنقل، غازي العريضي، التعرفة الجديدة للنقل (السرفيس) بألف وخمسمئة ليرة داخل بيروت، بعدما خفضها من ألف وسبعمئة وخمسين ليرة، ودعا المواطنين إلى تسجيل رقم السيارة التي لا تتقيد بهذه التعرفة والاتصال فوراً بوزارة النقل.
وفي وقت لاحق، أشار العريضي إلى أن القرار المذكور صدر بالاتفاق مع النقابيين والمعنيين، لافتاً إلى أنه تلقى اتصالات، تؤيد القرار، من رئيس الاتحاد العمالي العام وهيئات نقابية ومصلحة حماية المستهلك. كما أكد أن هذا القرار يجب أن يطبق، وكل من يخالف ستنفذ في حقه ما تفرضه القوانين المرعية الإجراء.
ورغم مرور نحو ثلاثة أسابيع على قرار الوزير، ما زالت التعرفة المتداولة ألفي ليرة. وهي «تعرفة الأمر الواقع» نفسها التي رفعها السائقون خلال العام الماضي، بعدما لامس سعر صفيحة الوقود الثلاثين ألفاً، ثم حددها في وقت لاحق وزير النقل السابق محمد الصفدي في الأول من حزيران العام نفسه. أي أن الصفدي كان قد «لحق» السائقين بقرارهم.
إشارة إلى أن العريضي كان قد خفض التعرفة، في الحادي والثلاثين من تشرين الأول الماضي، من ألفي ليرة إلى ألف وسبعمئة وخمسين ليرة، وهذا التخفيض لم يعمل به أيضاً، لأن أحداً وقتها لم يكن ليطلب المئتين وخمسين ليرة من السائق. وقد ربط العريضي التخفيض بـ«الأوضاع المعيشية للسائقين». وفي تلك الفترة كان سعر صفيحة البنزين 22800 ليرة (95 أوكتان)، و23500 ليرة (98 أوكتان).
لكن اللافت أن العريضي، عندما عاد وخفض التعرفة إلى ألف وخمسمئة ليرة، كانت أسعار المحروقات على حالها (أي 22800 ليرة و23500 ليرة) لأن وزارة الطاقة والمياه كانت قد ثبتتها، فما الذي تغير بالنسبة لـ«أوضاع السائقين المعيشية» ليتخذ الوزير قراره؟ وما الذي تبدل خلال هذين الشهرين والأسابيع الثلاثة؟
وهل نتوقع أن يعود الوزير لرفع التعرفة (رسمياً على الأقل) بعدما عادت أسعار البنزين للارتفاع في الأسبوعين الأخيرين؟
يتوقف سائق سيارة الأجرة البيضاء على جانب الطريق، فتصعد السيدة الأربعينية وتجلس في المقعد الخلفي، وراء مقعد السائق مباشرة. إلى جانبها سيدة أخرى، متأنقة بشكل واضح. تنطلق المرسيدس من شارع الحمراء، لكن السائق لن «يلتقط» سوى هاتين السيدتين خلال رحلته إلى منطقة برج أبي حيدر، والتي ستطول بسبب ازدحام السير. هي وجهة السيدة الأنيقة، أما السيدة التي صعدت بعدها فستنزل في منطقة زقاق البلاط.
يثير موضوع تعرفة النقل العمومي الجديدة استفزاز السائق، كما الراكب. يقول السائق، «أبو طارق»، إن رسم الألف وخمسمئة ليرة، وهي تعرفة النقل الجديدة التي حددها وزير النقل، لا تكفي السائق بسبب ارتفاع أسعار البنزين. ويشير أيضاً إلى ارتفاع أسعار قطع غيار السيارات، ورسوم فحص الميكانيك، وزيوت السيارات التي تضاعفت كلفتها. ولا ينسى ذكر غلاء الإطــارات، بمناسبة أنه يحتاج إلى تغيير الإطارين الأماميــين لســيارته، كل سنة ونصف السنة، «لأن سيــارة المرسيــدس تتوقف من الأمام مما يزيد مــن سرعة اهترائهما. كل هذا ولم نتكلم عن صيانة السيارة بعد».
تنقد السيدة المتأنقة «أبو طارق» ورقة نقدية من فئة العشرة آلاف ليرة. تطلب منه أن يرجع لها ستة آلاف فقط. تريد بهذا أن تدفع التعرفة مضاعفة. أما السيدة الثانية فتنقده ورقة نقدية من فئة الدولار الأميركي الواحد مع قطعة حجرية من فئة الخمسمئة ليرة لبنانية. لقد دفعت ألفي ليرة أيضاً.
تضحك هذه الأخيرة عند سؤالها عن سبب دفع ألفي ليرة، بدل تعرفة الدولة: «ليت الدولة تراقب سعر قنينة زيت القلي. لماذا يتركون المحال التجارية ويستقوون على السائقين العموميين؟». هنا، تظهر بوادر الارتياح على وجه «أبو طارق» للمرة الأولى منذ صعد الجميع إلى السيارة. وتسترسل السيدة: «سعر العدس تضاعف ثلاث مرات. سعر كيلو اللحمة يكاد يسبق سعر كيلو السمك. حتى لو خفضوا التعرفة إلى ألف وخمسمئة ليرة سأستمر بدفع ألفين!». ثم تطلب من السائق أن يركن السيارة إلى اليمين لتنزل.
المهنة الأساسية لـ«أبو طارق»، الستيني، والذي يتحدر من منطقة عرمون، هي نجار «موبيليا». وقد سافر خلال فترة من حياته للعمل في الخارج وعندما عاد الى بيروت «انقلب دولابي إلى الوراء». يستخدم هذه العبارة التي يبدو أن لها رابطاً قوياً بمهنته الحالية، ليقول إنه خسر كل ما جناه خلال حياته ولم يقبل أحد بتشغيله، فاضطر رب العائلة عندها للعمل سائقاً عمومياً.
«ادفع الباقي»
تتولى السيدة الأنيقة الكلام. هي لبنانية مغتربة تعيش في اليونان. تحضر بين الفينة والأخرى لزيارة والدتها في بيروت لفترة لا تتجاوز الأسبوعين. الزيارة الأخيرة كانت منذ عامين. تلفت إلى أنها كلما استقلت سيارة عمومية دفعت الأجرة مضاعفة مرتين أو ثلاث، «لأن البلد حالتها تعبانة». لقد وصلت الآن إلى العنوان الذي تقصده في منطقة برج أبي حيدر. يودعها «أبو طارق»: «الله معك مدام».
يشير «أبو طارق» إلى أن الراكب، عندما ينقده ألفاً وخمسمئة ليرة، يأخذها منه ولا يطالبه بالمزيد، أما إذا نقده ألفي ليرة فلا يعيد له الباقي إلا إذا طلب منه الزبون ذلك.
على عكس «أبو طارق»، يقول السائق العمومي منذ أكثر من ثلاثين عاماً علي ح. إنه يطلب من الراكب الذي يدفع ألفاً وخمسمئة ليرة فقط أن يدفع الخمسمئة المتبقية. يفترض علي أنه اذا كان في السيارة ركاب آخرون، وقد دفعوا الألفين كاملتين، فستعتبر موافقته على ألف وخمسمئة ليرة غير لائقة بحقهم، عدا عن أنها غير كافية.
ورث ابن قرية الشرقية الجنوبية المهنة عن والده، وكان يتدرب على قيادة سيارته الـ«180» (مرسيدس) قبل أن يتم الثامنة عشرة من عمره. يمضي والد العائلة المؤلفة من ستة أشخاص، إلى جانب الزوجة، أكثر من اثنتي عشرة ساعة يومياً في سيارته العمومية.
وهو أيضاً يعترض على ارتفاع أسعار المواد الغذائية لدى سؤاله عن التعرفة المخفضة. يقول إن منقوشة الصعتر قفزت إلى الألف ليرة «فلماذا لا تعود إلى السعر الذي كانت عليه سابقاً؟». ويتساءل عن خطة وزير النقل لمحاسبة السائقين الذين يقودون سيارات بلوحات عمومية مزورة. السائقون العموميون «الطارئون على المهنة» هم أكثر من يغضبونه، فـ«هؤلاء مجموعة من الموظفين المتقاعدين اشتروا سيارات ولوحات عمومية لتحسين راتبهم التقاعدي. وهم يخرّبون خطوط النقل، إذ يوافقون على نقل ركاب من وإلى مناطق متباعدة. كما أن هناك سائقين يتلفظون بعبارات نابية أمام الركاب. هذه المهنة هي واجهة البلد وهي أول ما يراه السائح عندما يخرج من المطار...».
يذكّر علي بأن سائقي «التاكسي» في الماضي كانوا يشلّون البلد إذا ارتفع سعر صفيحة الوقود، «أما اليوم فالمهنة ضائعة بين نقابات عدة...».
بدون إحراج
تذهب الصبية فاطمة شعلان، وهي معلّمة في إحدى مدارس منطقة السان تريز (الحدث)، يومياً الى المدرسة من منزلها في منطقة الشياح، وتعود اليه بالسرفيس. تدفع فاطمة كل مرة ألفي ليرة «لأني أشفق على السائقين»، ولا تطالب بالخمسمئة ليرة إلا إذا أعادها السائق من تلقاء نفسه. أما شقيقة فاطمة، سماح، وهي طالبة إدارة أعمال في الجامعة العربية المفتوحة، فعندها «خطة» أخرى. سماح لا تطالب بالخمسمئة ليرة إلا في حالة واحدة: عندما تكون في السيارة العمومية مع مجموعة من أصدقائها، عندها تتفادى غضب السائق عليها عبر حماية نفسها بـ«عدد» الأصدقاء.
يبتسم الشاب الجامعي، طه الصوص، وهو يقف بالقرب من الهدية الكبيرة التي اشتراها تواً من محلات «قدموس» للألعاب، في منطقة الكولا، والتي تعتبر موقفاً للسائقين العموميين في العاصمة. ينتظر طه الصبية التي ستأتي لتقله، والتي ستكون الهدية من نصيبها. يغادر طالب الطب، في جامعة بيروت العربية، خلال بضعة أيام إلى مصر لعدة أسابيع من أجل إنهاء تدريب في الاختصاص الذي يدرسه في سنته الأخيرة. يعيش طه في مدينة صيدا، ويتنقل بينها وبين بيروت بسيارة والده، وقد يضطر أحياناً إلى التنقل بسيارات «السرفيس».
في إحدى المرات، مؤخراً، كان ينتقل من منطقة إلى أخرى، داخل بيروت، برفقة صديقته. نقد السائق ثلاثة آلاف ليرة فصرخ السائق به غاضباً ورفض تقاضيها. وعندما نبهه طه إلى التعرفة التي حددها وزير النقل، طلب منه السائق أن يسجل رقم لوحة السيارة ويبلغها إلى الوزير! هكذا، حاول طه أن يلتزم بتسعيرة وزارة النقل فوقع في الإحراج أمام صديقته. كانت هذه هي المرة الوحيدة التي نقد فيها السائق التعرفة التي حددتها وزارة النقل. لاحقاً سأل أحد أصدقائه «المطلعين»، فأفاده الصديق أنه عند الإبلاغ عن السائق الذي لا يلتزم بالتعرفة، يفتح تحقيق بالموضوع، ثم يستدعى السائق، ومن بعده يُستدعى الراكب، من أجل الإدلاء بإفادتيهما.
يؤكد طه أنه من الخاضعين للقانون، «لكن، ليس منطقياً أن يتبهدل الشخص في التحقيق من أجل خمسمئة أو ألف ليرة». لذلك، لا يتوقع أن يهتم أحد من الركاب بملاحقة السائقين.
بعد هذه الحادثة صار طه ينقد السائق ألفي ليرة، في كل مرة، ولا يطلب الباقي بل ينتظر أن يعيده السائق من تلقاء نفسه. ويرى أن أغرب قرار كان التخفيض، الذي سبق التخفيض الأخير، وكان من ألفي ليرة إلى ألف وسبعمئة وخمسين ليرة.
يضحك مطولاً قبل أن يتمالك نفسه ليعلق: «هذا عيب!». (السفير)
وفي وقت لاحق، أشار العريضي إلى أن القرار المذكور صدر بالاتفاق مع النقابيين والمعنيين، لافتاً إلى أنه تلقى اتصالات، تؤيد القرار، من رئيس الاتحاد العمالي العام وهيئات نقابية ومصلحة حماية المستهلك. كما أكد أن هذا القرار يجب أن يطبق، وكل من يخالف ستنفذ في حقه ما تفرضه القوانين المرعية الإجراء.
ورغم مرور نحو ثلاثة أسابيع على قرار الوزير، ما زالت التعرفة المتداولة ألفي ليرة. وهي «تعرفة الأمر الواقع» نفسها التي رفعها السائقون خلال العام الماضي، بعدما لامس سعر صفيحة الوقود الثلاثين ألفاً، ثم حددها في وقت لاحق وزير النقل السابق محمد الصفدي في الأول من حزيران العام نفسه. أي أن الصفدي كان قد «لحق» السائقين بقرارهم.
إشارة إلى أن العريضي كان قد خفض التعرفة، في الحادي والثلاثين من تشرين الأول الماضي، من ألفي ليرة إلى ألف وسبعمئة وخمسين ليرة، وهذا التخفيض لم يعمل به أيضاً، لأن أحداً وقتها لم يكن ليطلب المئتين وخمسين ليرة من السائق. وقد ربط العريضي التخفيض بـ«الأوضاع المعيشية للسائقين». وفي تلك الفترة كان سعر صفيحة البنزين 22800 ليرة (95 أوكتان)، و23500 ليرة (98 أوكتان).
لكن اللافت أن العريضي، عندما عاد وخفض التعرفة إلى ألف وخمسمئة ليرة، كانت أسعار المحروقات على حالها (أي 22800 ليرة و23500 ليرة) لأن وزارة الطاقة والمياه كانت قد ثبتتها، فما الذي تغير بالنسبة لـ«أوضاع السائقين المعيشية» ليتخذ الوزير قراره؟ وما الذي تبدل خلال هذين الشهرين والأسابيع الثلاثة؟
وهل نتوقع أن يعود الوزير لرفع التعرفة (رسمياً على الأقل) بعدما عادت أسعار البنزين للارتفاع في الأسبوعين الأخيرين؟
يتوقف سائق سيارة الأجرة البيضاء على جانب الطريق، فتصعد السيدة الأربعينية وتجلس في المقعد الخلفي، وراء مقعد السائق مباشرة. إلى جانبها سيدة أخرى، متأنقة بشكل واضح. تنطلق المرسيدس من شارع الحمراء، لكن السائق لن «يلتقط» سوى هاتين السيدتين خلال رحلته إلى منطقة برج أبي حيدر، والتي ستطول بسبب ازدحام السير. هي وجهة السيدة الأنيقة، أما السيدة التي صعدت بعدها فستنزل في منطقة زقاق البلاط.
يثير موضوع تعرفة النقل العمومي الجديدة استفزاز السائق، كما الراكب. يقول السائق، «أبو طارق»، إن رسم الألف وخمسمئة ليرة، وهي تعرفة النقل الجديدة التي حددها وزير النقل، لا تكفي السائق بسبب ارتفاع أسعار البنزين. ويشير أيضاً إلى ارتفاع أسعار قطع غيار السيارات، ورسوم فحص الميكانيك، وزيوت السيارات التي تضاعفت كلفتها. ولا ينسى ذكر غلاء الإطــارات، بمناسبة أنه يحتاج إلى تغيير الإطارين الأماميــين لســيارته، كل سنة ونصف السنة، «لأن سيــارة المرسيــدس تتوقف من الأمام مما يزيد مــن سرعة اهترائهما. كل هذا ولم نتكلم عن صيانة السيارة بعد».
تنقد السيدة المتأنقة «أبو طارق» ورقة نقدية من فئة العشرة آلاف ليرة. تطلب منه أن يرجع لها ستة آلاف فقط. تريد بهذا أن تدفع التعرفة مضاعفة. أما السيدة الثانية فتنقده ورقة نقدية من فئة الدولار الأميركي الواحد مع قطعة حجرية من فئة الخمسمئة ليرة لبنانية. لقد دفعت ألفي ليرة أيضاً.
تضحك هذه الأخيرة عند سؤالها عن سبب دفع ألفي ليرة، بدل تعرفة الدولة: «ليت الدولة تراقب سعر قنينة زيت القلي. لماذا يتركون المحال التجارية ويستقوون على السائقين العموميين؟». هنا، تظهر بوادر الارتياح على وجه «أبو طارق» للمرة الأولى منذ صعد الجميع إلى السيارة. وتسترسل السيدة: «سعر العدس تضاعف ثلاث مرات. سعر كيلو اللحمة يكاد يسبق سعر كيلو السمك. حتى لو خفضوا التعرفة إلى ألف وخمسمئة ليرة سأستمر بدفع ألفين!». ثم تطلب من السائق أن يركن السيارة إلى اليمين لتنزل.
المهنة الأساسية لـ«أبو طارق»، الستيني، والذي يتحدر من منطقة عرمون، هي نجار «موبيليا». وقد سافر خلال فترة من حياته للعمل في الخارج وعندما عاد الى بيروت «انقلب دولابي إلى الوراء». يستخدم هذه العبارة التي يبدو أن لها رابطاً قوياً بمهنته الحالية، ليقول إنه خسر كل ما جناه خلال حياته ولم يقبل أحد بتشغيله، فاضطر رب العائلة عندها للعمل سائقاً عمومياً.
«ادفع الباقي»
تتولى السيدة الأنيقة الكلام. هي لبنانية مغتربة تعيش في اليونان. تحضر بين الفينة والأخرى لزيارة والدتها في بيروت لفترة لا تتجاوز الأسبوعين. الزيارة الأخيرة كانت منذ عامين. تلفت إلى أنها كلما استقلت سيارة عمومية دفعت الأجرة مضاعفة مرتين أو ثلاث، «لأن البلد حالتها تعبانة». لقد وصلت الآن إلى العنوان الذي تقصده في منطقة برج أبي حيدر. يودعها «أبو طارق»: «الله معك مدام».
يشير «أبو طارق» إلى أن الراكب، عندما ينقده ألفاً وخمسمئة ليرة، يأخذها منه ولا يطالبه بالمزيد، أما إذا نقده ألفي ليرة فلا يعيد له الباقي إلا إذا طلب منه الزبون ذلك.
على عكس «أبو طارق»، يقول السائق العمومي منذ أكثر من ثلاثين عاماً علي ح. إنه يطلب من الراكب الذي يدفع ألفاً وخمسمئة ليرة فقط أن يدفع الخمسمئة المتبقية. يفترض علي أنه اذا كان في السيارة ركاب آخرون، وقد دفعوا الألفين كاملتين، فستعتبر موافقته على ألف وخمسمئة ليرة غير لائقة بحقهم، عدا عن أنها غير كافية.
ورث ابن قرية الشرقية الجنوبية المهنة عن والده، وكان يتدرب على قيادة سيارته الـ«180» (مرسيدس) قبل أن يتم الثامنة عشرة من عمره. يمضي والد العائلة المؤلفة من ستة أشخاص، إلى جانب الزوجة، أكثر من اثنتي عشرة ساعة يومياً في سيارته العمومية.
وهو أيضاً يعترض على ارتفاع أسعار المواد الغذائية لدى سؤاله عن التعرفة المخفضة. يقول إن منقوشة الصعتر قفزت إلى الألف ليرة «فلماذا لا تعود إلى السعر الذي كانت عليه سابقاً؟». ويتساءل عن خطة وزير النقل لمحاسبة السائقين الذين يقودون سيارات بلوحات عمومية مزورة. السائقون العموميون «الطارئون على المهنة» هم أكثر من يغضبونه، فـ«هؤلاء مجموعة من الموظفين المتقاعدين اشتروا سيارات ولوحات عمومية لتحسين راتبهم التقاعدي. وهم يخرّبون خطوط النقل، إذ يوافقون على نقل ركاب من وإلى مناطق متباعدة. كما أن هناك سائقين يتلفظون بعبارات نابية أمام الركاب. هذه المهنة هي واجهة البلد وهي أول ما يراه السائح عندما يخرج من المطار...».
يذكّر علي بأن سائقي «التاكسي» في الماضي كانوا يشلّون البلد إذا ارتفع سعر صفيحة الوقود، «أما اليوم فالمهنة ضائعة بين نقابات عدة...».
بدون إحراج
تذهب الصبية فاطمة شعلان، وهي معلّمة في إحدى مدارس منطقة السان تريز (الحدث)، يومياً الى المدرسة من منزلها في منطقة الشياح، وتعود اليه بالسرفيس. تدفع فاطمة كل مرة ألفي ليرة «لأني أشفق على السائقين»، ولا تطالب بالخمسمئة ليرة إلا إذا أعادها السائق من تلقاء نفسه. أما شقيقة فاطمة، سماح، وهي طالبة إدارة أعمال في الجامعة العربية المفتوحة، فعندها «خطة» أخرى. سماح لا تطالب بالخمسمئة ليرة إلا في حالة واحدة: عندما تكون في السيارة العمومية مع مجموعة من أصدقائها، عندها تتفادى غضب السائق عليها عبر حماية نفسها بـ«عدد» الأصدقاء.
يبتسم الشاب الجامعي، طه الصوص، وهو يقف بالقرب من الهدية الكبيرة التي اشتراها تواً من محلات «قدموس» للألعاب، في منطقة الكولا، والتي تعتبر موقفاً للسائقين العموميين في العاصمة. ينتظر طه الصبية التي ستأتي لتقله، والتي ستكون الهدية من نصيبها. يغادر طالب الطب، في جامعة بيروت العربية، خلال بضعة أيام إلى مصر لعدة أسابيع من أجل إنهاء تدريب في الاختصاص الذي يدرسه في سنته الأخيرة. يعيش طه في مدينة صيدا، ويتنقل بينها وبين بيروت بسيارة والده، وقد يضطر أحياناً إلى التنقل بسيارات «السرفيس».
في إحدى المرات، مؤخراً، كان ينتقل من منطقة إلى أخرى، داخل بيروت، برفقة صديقته. نقد السائق ثلاثة آلاف ليرة فصرخ السائق به غاضباً ورفض تقاضيها. وعندما نبهه طه إلى التعرفة التي حددها وزير النقل، طلب منه السائق أن يسجل رقم لوحة السيارة ويبلغها إلى الوزير! هكذا، حاول طه أن يلتزم بتسعيرة وزارة النقل فوقع في الإحراج أمام صديقته. كانت هذه هي المرة الوحيدة التي نقد فيها السائق التعرفة التي حددتها وزارة النقل. لاحقاً سأل أحد أصدقائه «المطلعين»، فأفاده الصديق أنه عند الإبلاغ عن السائق الذي لا يلتزم بالتعرفة، يفتح تحقيق بالموضوع، ثم يستدعى السائق، ومن بعده يُستدعى الراكب، من أجل الإدلاء بإفادتيهما.
يؤكد طه أنه من الخاضعين للقانون، «لكن، ليس منطقياً أن يتبهدل الشخص في التحقيق من أجل خمسمئة أو ألف ليرة». لذلك، لا يتوقع أن يهتم أحد من الركاب بملاحقة السائقين.
بعد هذه الحادثة صار طه ينقد السائق ألفي ليرة، في كل مرة، ولا يطلب الباقي بل ينتظر أن يعيده السائق من تلقاء نفسه. ويرى أن أغرب قرار كان التخفيض، الذي سبق التخفيض الأخير، وكان من ألفي ليرة إلى ألف وسبعمئة وخمسين ليرة.
يضحك مطولاً قبل أن يتمالك نفسه ليعلق: «هذا عيب!». (السفير)