غسان سعود - الاخبار
قد تكون خلفية زيارة الرئيس فؤاد السنيورة الأخيرة إلى مدينته صيدا بريئة. فالضيف المكرّم من نساء المستقبل أتى، في الذكرى الرابعة لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري، يستذكر «صديق طفولته» في المدينة التي ولدا وترعرعا بين أحيائها المتضامنة دائماً مع قضايا العروبة والمتعانقة مع الفقر والبؤس.
لكن عشية الانتخابات، وفي عزّ التصادم الكلامي بين السنيورة والرئيس نبيه بري، تحمل زيارة السنيورة إلى عاصمة التفاهم الانتخابي السابق الذي رعاه بري بين تيار المستقبل ممثلاً بالنائبة بهية الحريري والمعارضة ممثلة بالنائب أسامة سعد ورئيس بلدية صيدا عبد الرحمن البزري دلالات كثيرة، وخصوصاً أن الأقربين إلى تيار المستقبل قبل الأبعدين وضعوها في السياق الانتخابي، ملمّحين إلى احتمال كبير بأن يكون السنيورة مرشحاً في صيدا إلى جانب الوزيرة بهية الحريري، ما استدعى ردود فعل مستنكرة ومعترضة من الجماعة الإسلاميّة، التي ترشح مسؤول مكتبها السياسي علي الشيخ عمار في هذه الدائرة، كان لها إعلام المعارضة بالمرصاد فسارع إلى إخراجه وتضخيمه.
هكذا، بين تكثيف تيار المستقبل نشاطاته في المدينة لمناسبة ذكرى اغتيال الحريري وبدء التنظيم الشعبي الناصري الاستعداد لإحياء ذكرى محاولة اغتيال النائب معروف سعد وصولاً إلى ذكرى استشهاد الأخير، توفر روزنامة القوى السياسية الصيداوية شرعيّة الإطلالة للمعنيين بالمعركة الانتخابية التي كان يُعتقد أن الجميع يسعى إلى تلافيها، وإذا بانفجار بري ـــــ السنيورة يجعلها أمراً واقعاً.
وتشير المعلومات إلى أن النائب أسامة سعد عرف أن أجواء تيار المستقبل وحركته الميدانية لا تبشّر بتوافق يكرّر سيناريو 2005 فتُجنّب المدينة معركة نيابية تشبه المعركة البلدية عام 2004، فسارع إلى تكثيف اتصالاته بحلفائه وأصدقائه في صيدا وخارجها قبل أن يعلن باسم القوى التي يمثلها والمتحالف معها ترشّحه منفرداً.
بعدها، كان ينتظر رد فعل تيار المستقبل والنائب الحريري خصوصاً، فإما تعلن ترشحها منفردة فتتجنّب المدينة انتخابات قاسية وإما تعلن لائحة ثنائية ويذهب الجميع إلى الانتخابات.
لكن الحريري تجاهلت ترشح سعد منفرداً، فيما كان أنصار المستقبل يتناقلون «عبارة سر واحدة» مفادها أن الوسيلة الوحيدة لإقصاء سعد نهائياً تكون بترشح السنيورة حيث لم تعتد بوابة الجنوب أن تسقط رئيساً للحكومة، وطبعاً لا مجال لسقوط الحريري نظراً لما تمثله على أكثر من مستوى، بحسب أنصار المستقبل. وقد حرص السنيورة نفسه على إبقاء موقفه ضبابياً بشأن ما يتداوله أنصار المستقبل، فلم يعلق إيجاباً ولا سلباً، ما راكم علامات الاستفهام، وأعاد، دون شك، إشعال نار خفيفة تحت الأتون السياسي الصيداوي، وسط وجهة نظر تقول إن ترشح السنيورة أو عدم ترشحه لا يرتبطان برغبته الشخصيّة، بل برؤية تيار المستقبل عموماً لنتائج الانتخابات، وللوضع السياسي بعد الانتخابات. مع الأخذ في الاعتبار أن بعض المقربين من السنيورة يقولون إن الأخير كان طبعاً من أقرب الناس إلى الرئيس الحريري وأكثرهم تمتعاً بثقته، لكن الحريري رغم تقديره الكبير لمساعده، وخصوصاً في الحسابات المالية، كان يثق بأن لا علاقة لقدراته بالنيابة وأنه يشد أي لائحة يترشح بها نزولاً لا صعوداً نتيجة نظرة الناس إليه بصفته وزيراً للمال.
وفي النتيجة، يقول أنصار سعد والبزري وغيرهما من قوى المعارضة إن إقفال النائب الحريري للائحة بعدما راعت المعارضة الصيداوية توازنات المدينة واكتفت بترشيح سعد سينعكس سلباً على الحريري، وسيستفز المدينة التي تحسن عادة معاقبة مستفزيها.
وفي سياق كلام الأطراف السياسية، تبدو المدينة ـــــ البلدة من حيث عدد السكان، أكبر في الأهمية السياسية من حجمها الجغرافي والسكاني، ويسجل بعد سماع وجهات نظر كثيرة، 4 ملاحظات أساسية عن الانتخابات في صيدا:
1 ـــــ عدم التوافق على إبقاء التقاسم الحالي للمقعدين بين الحريري وسعد يعني التوجه إلى معركة سنيّة ـــــ سنيّة، ستخرج الحريري ممّا تصفه المعارضة بالاعتدال الموروث عن شقيقها الرئيس الحريري، وستدفع سعد إلى سحب تحفّظه على انتقادات كثيرة اقتصادية وسياسية توجهها المعارضة لتيار المستقبل وللرئيس الحريري، إذ سينضم إلى أقلية سنيّة لا تتردد في القول اليوم عن الرئيس الحريري ما كانت تقوله عنه قبل استشهاده.
2 ـــــ يفترض أخذ موقف الجماعة الإسلامية من المعركة في الاعتبار، فهي على حد قول مسؤولها السياسي في الجنوب بسام محمود لا ترشّح الشيخ عمّار بصفته مسؤول مكتبها السياسي في لبنان للمناورة، ولن تقبل بسحب ترشيحه. وهي في ظل ترشح سعد والحريري منفردين تراهن على أخذ الأصوات من مؤيدي الاثنين فيحل مرشحها محل أحدهما.
لكن إذا أقفلت الحريري لائحتها فالأمر سيضر مرشح الجماعة أولاً وأخيراً، وستجد الجماعة نفسها تنسّق، عن قصد أو عن غير قصد، مع سعد وحلفائه. وسيكون لذلك، تباعاً، انعكاس على كل الدوائر حيث توجد الجماعة الإسلاميّة.
3 ـــــ سيكرس حصول المعركة التوتر بين تيار المستقبل والرئيس نبيه بري الذي سيجد نفسه المعني الأول من خارج الدائرة بمعركتها، على اعتبار أن طبخة صيدا الخارجة من عباءة الزهراني نتيجة تقسيمات الدوحة كانت تعد عادة في منزله في المصيلح. وهو غالباً ما كان يخالف تمنيات الرئيس الحريري، فيلزم ناخبوه الاقتراع لسعد حتى لو كان للحريري مرشح مفضل آخر.
4 ـــــ تهدئة الأمور اليوم لا تعني أن لا معركة، إذ إن مساحة صيدا واحتشاد ناسها فيها وفي مناطق مجاورة لا يتطلبان جهداً كبيراً من الماكينات، ويمكن الإعداد لمعركة جديّة خلال أقل من 72 ساعة.
وخلافاً للخوف والقلق اللذين يسودان دوائر أخرى من المستوى الذي يمكن أن يصله التنافس، تُسمع في صيدا أصوات كثيرة تشجع على إجراء الانتخاب، ليفوز الأقوى. ويقول أنصار المعركة إن حصولها سيحدد الأوزان ويخرج المدينة من التجاذب المستمر منذ 15 سنة، فيعرف كل طرف حجمه ويحكم الأقوى.
وبحسب هؤلاء، فإنها لن تكون أول ولا آخر معركة، وقد أثبتت صيدا أنها تستطيع أن تتنافس ديموقراطياً. أما التسويق أن المدينة لا تحتمل انتخابات فهو ظلم لأهل المدينة التي رغم تعدديتها السياسية لا تشهد ولو مناكفات كلاميّة كالتي تشهدها مناطق وأحياء أخرى.
■ تاريخ من التوازن
بالعودة إلى أرشيف الانتخابات في دائرة رياض الصلح ومعروف سعد، يتبيّن أن التنافس قبل الحرب كان يقتصر على الثنائية الشخصية ممثلة بمعروف سعد ونزيه البزري اللذين ترشحا ضد بعضهما للفوز بمقعد صيدا اليتيم (كانت المدينة تمثَّل بنائب واحد حتى أضيف إليه آخر نتيجة تعديلات الطائف) في دورات 1957، 1960، 1964، 1968، و1972 ففاز الأول أربع مرات قبل أن يغلبه الثاني في المنازلة الانتخابية الرابعة بينهما. وبعد الطائف، دخل الرئيس رفيق الحريري عبر شقيقته النائبة بهية الحريري إلى المدينة التي يقول رئيس مجلسها البلدي عبد الرحمن البزري إن أهلها يمتلكون حسنات وصفات أهل البلدات، وخصوصاً في التفاف بعضهم حول بعض وتكاتفهم في الشدّة، مشيراً إلى أن وراثته وسعد الدور السياسي المستمر مع عائلتيهما منذ أكثر من نصف قرن لا علاقة له أبداً بانتمائهما إلى عائلتين سياسيتين بالمعنى الاقطاعي التقليدي للكلمة، لا بل يرتبط بأدائهما الشخصي وملازمتهما الناس في أكثر الأوقات شدة.
ويرى البزري أن المنعطف الأساسي في حياة صيدا السياسية بعد الطائف كان الانتخابات البلدية عام 2004. وإذ يكتفي البزري بهذا التوصيف، يقول أحد المقربين منه إن خسارة الرئيس رفيق الحريري الانتخابات البلدية في مدينته أعادت الاعتبار لزعامات حاول الحريري تذويبها بطريقة ألطف من طريقته في تذويب القيادات البيروتية. ولأن الانتخابات البلدية في صيدا يومها شهدت فرزاً عائلياً وسياسياً استثنائياً، يقول أحد المتابعين، يمكن رسم معالم الانتخابات المقبلة بناءً عليها.
فعملياً، ثمة 4 لاعبين انتخابيين أساسيين، هم بحسب الحجم: تيار المستقبل، التنظيم الشعبي الناصري، عبد الرحمن البزري، الجماعة الإسلامية، ثم قوى صغيرة متنوعة. وبالتالي فإن تكاتف التنظيم والبزري كالحال اليوم يحسم خسارة المستقبل إن ترشح منفرداً. أما إذا تحالف المستقبل والجماعة، فسيؤدي ذلك إلى توازن مع ثنائية التنظيم ـــــ البزري.
لكن، ما هو احتمال تفاهم سعد ـــــ الجماعة؟ لا يتمهل مسؤول الجماعة السياسي في الجنوب بسام محمود في التأكيد أن ذلك وارد، مؤكداً أن العلاقة جيدة وممتازة بين الطرفين اللذين يتمتعان أصلاً بتاريخ حافل من العمل المشترك. أما أثر خلفيّة سعد الناصرية فتجده الجماعة أمراً ثانوياً، وخصوصاً أن «خلفيات الأطراف المختلفة تختلف عن خلفيتنا».
مع العلم، يقول أحد المتابعين، بأن مقارنة الجماعة للنتائج المفترضة لتفاهمها مع المستقبل في هذه الدائرة مع النتائج المفترضة لتفاهمها مع سعد ستشجعها على التفاهم مع سعد، إذ إن قلق الحريريين من احتمال حلول مرشح الجماعة محل مرشحتهم في المجلس سيدفعهم إلى تشطيب حليفهم المفترض في آخر لحظة، فيما يرى أنصار سعد أن فوزهم محسوم ومعركتهم الأساسية هي لإقصاء الحريري وبالتالي سيضعون اسم عمار فوق اسم سعد في لوائحهم.
ختاماً، تجمع القوى السياسية الصيداوية، ما عدا تيار المستقبل على سلبية ترشح السنيورة في صيدا بالنسبة إلى تيار المستقبل على المستوى العام، وعلى مستوى التفاهم مع الجماعة الإسلامية.
ويخرج المستقبل من الاستثناء في الإجماع على أن طرح ترشح السنيورة جدي، وثمّة في دوائر المستقبل الانتخابية من يدرسه بعناية. وهو الترشح الذي سيدخل انتخابات صيدا في معركة جديّة.
تخيلوا السنيورة ممثلاً لأهل الجنوب؟ قد يكون ذلك أحد أعظم انتصارات الأكثرية في الانتخابات الآتية. وطبعاً سيسعد السنيورة بتحدٍّ ـــــ استفزاز جديد.
مدينة رؤساء الحكومة بعد الطائف
بنى تيار المستقبل لنفسه في صيدا هيكلية أكثر تنظيماً والتزاماً من المناطق الأخرى، نتيجة الإشراف المباشر لبهية الحريري على الصغيرة والكبيرة. لكن رغم ذلك، لم تتمايز بوابة الجنوب عن الجنوب كثيراً من حيث البؤس الإنمائي. ورغم تمثل المدينة برئيس حكومة طوال 14 سنة في العقدين الماضيين، لا يظهر مردود الأبوة لرؤساء الحكومات، وخصوصاً على صعيد المشاريع الكبرى، إذ يقارن الصيداويون بين ما قدمته الدولة لمدينتهم مقارنة بما قدمته لمدن أخرى. والعنوان الأبرز لهذا الكلام هو «مكب صيدا» الوحيد الذي ما زال واقفاً على قدميه بعدما عولجت كل المكبات الأخرى. وتُعد المعارضة الصيداويّة لوائح بما دَخل المدينة منذ حكومة الحريري الأولى، وصولاً إلى حكومة السنيورة الحالية لوقف متاجرة أنصار المستقبل بهذا الموضوع.
هدف من القانون: إقصائي
يأخذ رئيس مجلس بلدية صيدا عبد الرحمن البزري قضية منع رؤساء المجالس البلدية في مراكز الأقضية من الترشح للانتخابات إن لم يستقيلوا قبل سنتين بصورة شخصيّة. ويرى أن الهدف من وراء بدعة قانون الانتخاب هو إقصاؤه. ويقول إن ردَّ فعل تياره سيكون مدوياً في الانتخابات المقبلة، حيث سيرفع صوته ويحشد طاقاته احتجاجاً على المصرّين على إقصائه، منبهاً إلى أن معركته مع قانون الانتخاب لم تنتهِ بعد، ولم يستسلم، وهو يعد العدّة للذهاب إلى القضاء واستهلال مرحلة جديدة من المعركة المستمرة.
