بعدما أشبع القاضي الألماني ديتليف ميليس الأخوين محمود وأحمد عبد العال، تشهيراً، وإساءة سمعة، واتهاماً بجريمة فظيعة أربكت البلد وقلبته رأساً على عقب، تذكّرهما القضاء اللبناني على أبواب استعداده لرفع يده عن ملفّ اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وإعلان عدم اختصاصه، تمهيداً لانتقال الملفّ إلى مدعي عام المحكمة الدولية الخاصة بلبنان القاضي الكندي دانيال بيلمار.
والسؤال الذي يطرح نفسه: لو لم يكن الأمر على هذه الحال، هل كان القضاء يبقيهما قيد التوقيف؟ ولو لم يكن القضاء مضطراً إلى تنفيذ التزاماته بنظام المحكمة وبطلب بيلمار المنتظر بدءاً من يوم الأحد في الأوّل من آذار 2009 لتسليمه كلّ الأوراق والوثائق والمستندات، فهل كان يتركهما مرميين في سجن رومية المركزي؟
أسئلة كثيرة مشروعة عن هذا التحوّل في مسار التوقيف والتحقيق والقضية برمّتها، استدعاها هذا الإخلاء الذي وجّه ضربة لتقريري ميليس الصادرين على التوالي في 20 تشرين الأوّل 2005، و12 كانون الأوّل 2005.
كما أنّ إخلاء السبيل يفتح باب مقاضاة ميليس علما ان هذه المقاضاة لا تسقط بمرور الزمن على ما يؤكّد أحد القانونيين، لأنّ إخلاء السبيل حصل في 25 شباط 2009، ويبدأ سريان مفعول الملاحقة القانونية لميليس منذ لحظة الموافقة على إخلاء السبيل.
التعليل ضروري
لإخلاء السبيل
بعد مرور 1213 يوماً على توقيف الأخوين عبد العال المنضويين في صفوف جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية «الأحباش»، بجريمة التدخّل في الاغتيال، بموجب مذكّرتي توقيف وجاهيتين قطعهما لهما المحقّق العدلي السابق إلياس عيد يوم الخميس الواقع في 27 تشرين الأوّل من العام 2005، وافق، أمس، المحقّق العدلي القاضي صقر صقر على إخلاء سبيليهما لقاء كفالة مالية مقدارها خمسمئة ألف ليرة لكلّ واحد منهما.
ولم يعلّل القاضي صقر الأسباب والدوافع الكامنة وراء هذه الخطوة، ومن دون معرفة الأسس التي ارتكز إليها لوضع هذا الإخلاء حيّز التنفيذ. فنصّ قرار إخلاء السبيل لم يتضمّن حرفاً واحداً يقول ما اعتاد القضاة على تسطيره في حالات مماثلة في ملفّات ودعاوى أخرى لتبرير هذا الإخلاء، فهل سقط سهواً أم عمداً؟ على حدّ استفسار قانوني محايد أكّد وجوب تعليل إخلاء السبيل من الناحية القانونية، لأنّ «المبدأ العام في قانون أصول المحاكمات المدنية يفرض تضمين الحكم تعليلاً، كما أنّ قرارات التوقيف بحكم قانون أصول المحاكمات الجزائية يجب أن تعلّل، وبالتالي فإنّه عملاً بمبدأ موازاة الصيغ وعملاً بالمبدأ العام المنصوص عليه في قانون أصول المحاكمات المدنية، فإنّ قرار إخلاء السبيل يجب أن يكون حكماً معلّلاً».
استفسارات
وتتوالد الأسئلة وتتكاثر، فما هي الأمور التي جعلت القاضي صقر يتمسك بهذين الموقوفين طوال هذه المدّة الزمنية الطويلة، ثمّ يلجأ فجأة، إلى إخلائهما ليعودا إلى عائلتيهما؟ وما الذي تغيّر في سياق التحقيق وفحوى الملفّ الضخم وأين هما من الاتهامات الثقيلة التي ساقها ضدهما ميليس؟ أم أنّ الاعتراف بإخلائهما يدحض ما ساقه «الثعلب الألماني» في تقريريه الشهيرين؟ وماذا عما سماه ميليس «الاتصالات المشبوهة» التي قاما بها فور اغتيال الرئيس الحريري؟ وطالما أنّ «الأدلّة غير صلبة» بحقّهما ، فلماذا أبقي عليهما موقوفين؟ وهل إخلاء السبيل أيضاً، هو خشية من استمرار الاعتقال التعسفي كما ورد في الاتهام المباشر الذي كتبته المفوضية العليا لمنظّمة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة الى القضاء اللبناني الذي لم يحرّك ساكناً للتصدّي لمقولة «الاعتقال التعسفي» على ما فيها من مهانة وتجريح لقرينة البراءة ومبدأ إحقاق الحقّ؟.
أوليس لافتا للانتباه ألاّ يعترض أحد من المدعين الشخصيين، أيّ من عائلات الضحايا الذين قضوا مع الرئيس الحريري في الاغتيال، على عملية إخلاء السبيل؟.
حركة قصر العدل
منذ ساعات الصباح الباكر بدت تحرّكات وكلاء الدفاع عن الأخوين عبد العال، المحامين خالد الزعني وعبد الحفيظ فوّاز وفادي غزّاوي في قصر عدل بيروت، غير مألوفة في متابعتهم لأعمالهم في المحاكم والأقلام، وجولاتهم عليها والتي شملت فجأة، الطابق الرابع حيث يستقرّ مكتب صقر، فزُفّت لهم بشرى إخلاء سبيل موكليْهم، وما إن صارت المذكّرة بأيديهم وفحواها يؤكّد «نقرّر إخلاء السبيل لقاء كفالة مالية ضامنة ما لم يكونا موقوفين لداع آخر»، حتّى سارعوا إلى دفع قيمة الكفالة وإنجاز إلإجراءات والمعاملات التي يستلزمها إخلاء السبيل، ثمّ توجّهوا إلى سجن رومية المركزي حيث أخرجوهما، وتولّى النائب السابق عدنان طرابلسي مع مسؤولين في جمعية «المشاريع» نقل الأخوين عبد العال إلى جهة آمنة.
وأكّد المحامي غزّاوي لـ»السفير» أنّ موكّليه كانا مريضين خلال فترة سجنهما وأصيبا بأمراض مختلفة ممّا يحتّم إخضاعهما للمعالجة الطبية التي يحتاجانها كثيراً.
وقال وكيل اللواء الركن جميل السيّد المحامي أكرم عازوري لـ»السفير» إنّ إخلاء سبيل الأخوين عبد العال طبيعي «وسبق لي أن توقّعته عبر صفحات «السفير»، مؤكّداً أنّ إخلاءهما ضربة لما قاله ميليس باشتراكهما في مؤامرة الاغتيال، ومستغرباً استحضار ميليس إعلامياً عند كلّ مفصل من مفاصل مسيرة التحقيق الدولي والمحكمة الدولية علماً أنّه في كلّ مرة يقول إنّها المرّة الأخيرة.
وأضاف عازوري أنّ «ميليس الذي هو بالنسبة لنا مدعى عليه في لبنان وفي فرنسا كذّبه القاضي دانيال بيلمار الذي أشاد بكفاءة الدفاع عن الضبّاط علناً في مجلس الأمن الدولي ردّاً على ما قاله ميليس في إحدى إطلالاته الإعلامية، كما أنّ ميليس ليس مطلعاً على أيّ عمل من أعمال التحقيق منذ 16 كانون الثاني 2006، وقد سبق لميليس أن شهّر علناً بأداء القاضي البلجيكي سيرج برامرتز الأمر الذي يشكّل خروجاً تاماً عن مناقبية القضاة والأمم المتحدة».
جرجورة
وبموازاة ذلك، وافق القاضي صقر على إخلاء سبيل الشاهد السوري إبراهيم ميشال جرجورة الموقوف بجرم إعطاء إفادة كاذبة منذ 1177 يوماً وتحديداً منذ 13 كانون الثاني من العام 2006، لقاء كفالة مالية مقدارها مئة ألف ليرة.
وعلم أنّه ليس لدى جرجورة محام، وبالتالي فإنّه لا يوجد طلب لإخلاء سبيله، فهل جاء قرار إخلاء سبيله من ناحية إنسانية؟ ومن يضمن عودة هذا الشاهد إلى المحكمة الدولية؟ ومن يضمن سلامته ومكان إقامته؟ ألا يخشى أن يصبح مصيره شبيهاً بمصير شهود الزور الكثر ومنهم على سبيل المثال محمّد زهير الصديق وهسام هسام؟.
وإذا كان جرجورة شاهداً كاذباً وفق ادعاء النائب العام العدلي القاضي سعيد ميرزا عليه واستجواب القاضي إلياس عيد له بإعطاء إفادة كاذبة تهدف إلى تضليل التحقيق فلماذا أخلي سبيله وبأي موجب؟ أليست حماية هذا الشاهد أفضل من تركه، وذلك لتبيان من دفعه وشجّعه لتضليل التحقيق؟. (السفير)
والسؤال الذي يطرح نفسه: لو لم يكن الأمر على هذه الحال، هل كان القضاء يبقيهما قيد التوقيف؟ ولو لم يكن القضاء مضطراً إلى تنفيذ التزاماته بنظام المحكمة وبطلب بيلمار المنتظر بدءاً من يوم الأحد في الأوّل من آذار 2009 لتسليمه كلّ الأوراق والوثائق والمستندات، فهل كان يتركهما مرميين في سجن رومية المركزي؟
أسئلة كثيرة مشروعة عن هذا التحوّل في مسار التوقيف والتحقيق والقضية برمّتها، استدعاها هذا الإخلاء الذي وجّه ضربة لتقريري ميليس الصادرين على التوالي في 20 تشرين الأوّل 2005، و12 كانون الأوّل 2005.
كما أنّ إخلاء السبيل يفتح باب مقاضاة ميليس علما ان هذه المقاضاة لا تسقط بمرور الزمن على ما يؤكّد أحد القانونيين، لأنّ إخلاء السبيل حصل في 25 شباط 2009، ويبدأ سريان مفعول الملاحقة القانونية لميليس منذ لحظة الموافقة على إخلاء السبيل.
التعليل ضروري
لإخلاء السبيل
بعد مرور 1213 يوماً على توقيف الأخوين عبد العال المنضويين في صفوف جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية «الأحباش»، بجريمة التدخّل في الاغتيال، بموجب مذكّرتي توقيف وجاهيتين قطعهما لهما المحقّق العدلي السابق إلياس عيد يوم الخميس الواقع في 27 تشرين الأوّل من العام 2005، وافق، أمس، المحقّق العدلي القاضي صقر صقر على إخلاء سبيليهما لقاء كفالة مالية مقدارها خمسمئة ألف ليرة لكلّ واحد منهما.
ولم يعلّل القاضي صقر الأسباب والدوافع الكامنة وراء هذه الخطوة، ومن دون معرفة الأسس التي ارتكز إليها لوضع هذا الإخلاء حيّز التنفيذ. فنصّ قرار إخلاء السبيل لم يتضمّن حرفاً واحداً يقول ما اعتاد القضاة على تسطيره في حالات مماثلة في ملفّات ودعاوى أخرى لتبرير هذا الإخلاء، فهل سقط سهواً أم عمداً؟ على حدّ استفسار قانوني محايد أكّد وجوب تعليل إخلاء السبيل من الناحية القانونية، لأنّ «المبدأ العام في قانون أصول المحاكمات المدنية يفرض تضمين الحكم تعليلاً، كما أنّ قرارات التوقيف بحكم قانون أصول المحاكمات الجزائية يجب أن تعلّل، وبالتالي فإنّه عملاً بمبدأ موازاة الصيغ وعملاً بالمبدأ العام المنصوص عليه في قانون أصول المحاكمات المدنية، فإنّ قرار إخلاء السبيل يجب أن يكون حكماً معلّلاً».
استفسارات
وتتوالد الأسئلة وتتكاثر، فما هي الأمور التي جعلت القاضي صقر يتمسك بهذين الموقوفين طوال هذه المدّة الزمنية الطويلة، ثمّ يلجأ فجأة، إلى إخلائهما ليعودا إلى عائلتيهما؟ وما الذي تغيّر في سياق التحقيق وفحوى الملفّ الضخم وأين هما من الاتهامات الثقيلة التي ساقها ضدهما ميليس؟ أم أنّ الاعتراف بإخلائهما يدحض ما ساقه «الثعلب الألماني» في تقريريه الشهيرين؟ وماذا عما سماه ميليس «الاتصالات المشبوهة» التي قاما بها فور اغتيال الرئيس الحريري؟ وطالما أنّ «الأدلّة غير صلبة» بحقّهما ، فلماذا أبقي عليهما موقوفين؟ وهل إخلاء السبيل أيضاً، هو خشية من استمرار الاعتقال التعسفي كما ورد في الاتهام المباشر الذي كتبته المفوضية العليا لمنظّمة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة الى القضاء اللبناني الذي لم يحرّك ساكناً للتصدّي لمقولة «الاعتقال التعسفي» على ما فيها من مهانة وتجريح لقرينة البراءة ومبدأ إحقاق الحقّ؟.
أوليس لافتا للانتباه ألاّ يعترض أحد من المدعين الشخصيين، أيّ من عائلات الضحايا الذين قضوا مع الرئيس الحريري في الاغتيال، على عملية إخلاء السبيل؟.
حركة قصر العدل
منذ ساعات الصباح الباكر بدت تحرّكات وكلاء الدفاع عن الأخوين عبد العال، المحامين خالد الزعني وعبد الحفيظ فوّاز وفادي غزّاوي في قصر عدل بيروت، غير مألوفة في متابعتهم لأعمالهم في المحاكم والأقلام، وجولاتهم عليها والتي شملت فجأة، الطابق الرابع حيث يستقرّ مكتب صقر، فزُفّت لهم بشرى إخلاء سبيل موكليْهم، وما إن صارت المذكّرة بأيديهم وفحواها يؤكّد «نقرّر إخلاء السبيل لقاء كفالة مالية ضامنة ما لم يكونا موقوفين لداع آخر»، حتّى سارعوا إلى دفع قيمة الكفالة وإنجاز إلإجراءات والمعاملات التي يستلزمها إخلاء السبيل، ثمّ توجّهوا إلى سجن رومية المركزي حيث أخرجوهما، وتولّى النائب السابق عدنان طرابلسي مع مسؤولين في جمعية «المشاريع» نقل الأخوين عبد العال إلى جهة آمنة.
وأكّد المحامي غزّاوي لـ»السفير» أنّ موكّليه كانا مريضين خلال فترة سجنهما وأصيبا بأمراض مختلفة ممّا يحتّم إخضاعهما للمعالجة الطبية التي يحتاجانها كثيراً.
وقال وكيل اللواء الركن جميل السيّد المحامي أكرم عازوري لـ»السفير» إنّ إخلاء سبيل الأخوين عبد العال طبيعي «وسبق لي أن توقّعته عبر صفحات «السفير»، مؤكّداً أنّ إخلاءهما ضربة لما قاله ميليس باشتراكهما في مؤامرة الاغتيال، ومستغرباً استحضار ميليس إعلامياً عند كلّ مفصل من مفاصل مسيرة التحقيق الدولي والمحكمة الدولية علماً أنّه في كلّ مرة يقول إنّها المرّة الأخيرة.
وأضاف عازوري أنّ «ميليس الذي هو بالنسبة لنا مدعى عليه في لبنان وفي فرنسا كذّبه القاضي دانيال بيلمار الذي أشاد بكفاءة الدفاع عن الضبّاط علناً في مجلس الأمن الدولي ردّاً على ما قاله ميليس في إحدى إطلالاته الإعلامية، كما أنّ ميليس ليس مطلعاً على أيّ عمل من أعمال التحقيق منذ 16 كانون الثاني 2006، وقد سبق لميليس أن شهّر علناً بأداء القاضي البلجيكي سيرج برامرتز الأمر الذي يشكّل خروجاً تاماً عن مناقبية القضاة والأمم المتحدة».
جرجورة
وبموازاة ذلك، وافق القاضي صقر على إخلاء سبيل الشاهد السوري إبراهيم ميشال جرجورة الموقوف بجرم إعطاء إفادة كاذبة منذ 1177 يوماً وتحديداً منذ 13 كانون الثاني من العام 2006، لقاء كفالة مالية مقدارها مئة ألف ليرة.
وعلم أنّه ليس لدى جرجورة محام، وبالتالي فإنّه لا يوجد طلب لإخلاء سبيله، فهل جاء قرار إخلاء سبيله من ناحية إنسانية؟ ومن يضمن عودة هذا الشاهد إلى المحكمة الدولية؟ ومن يضمن سلامته ومكان إقامته؟ ألا يخشى أن يصبح مصيره شبيهاً بمصير شهود الزور الكثر ومنهم على سبيل المثال محمّد زهير الصديق وهسام هسام؟.
وإذا كان جرجورة شاهداً كاذباً وفق ادعاء النائب العام العدلي القاضي سعيد ميرزا عليه واستجواب القاضي إلياس عيد له بإعطاء إفادة كاذبة تهدف إلى تضليل التحقيق فلماذا أخلي سبيله وبأي موجب؟ أليست حماية هذا الشاهد أفضل من تركه، وذلك لتبيان من دفعه وشجّعه لتضليل التحقيق؟. (السفير)