أحمل كلّ أسئلتي وأسير متّجهاً إلى الهدف. الهواجس الفلسفية تتجمّع لتخرج على شكل كلمات، كلمات ليست كمصطلحات دكتور في جامعة أو واعظ في مسجد. فالهدف هنا ليس مكاناً لمحاولة البحث عن أجوبة شافية. الهدف هنا هو ملعب كرة القدم في النبطية الفوقا، أمّا مهمتي فهي التعليق على الدورات الشعبية التي تُقام فيها.
تتحرّك الكرة مع الكلمات. اللاعب علي غندور ألقبه بـ "زلاتان" فهو طويل القامة، عصبي، يلعب الكرة بطريقة التايكواندو. كلّما سمّيته باسم النجم السويدي يمشي في الملعب كأنّه في أوروبا بأوشام كثيفة ومعجبين كُثر. تسديداته تحقق الكثير من الأهداف، وفي بعض الاحيان تصل الى سطح الحاج امين حوماني فيختلط الكشك بالكرة .
أما حمادة قبيسي، فقد حدّثني في أوّل لقاء بيننا عن غرفته المليئة بصور رجل واحد، هو كريستيانو رونالدو. يمتلك والده محل "إكسبريس" في زبدين يسلّمه عند كلّ مباراة لزوجته ويذهب لتشجيع ابنه. بدايةً لم أطلق عليه أيّ اسمٍ لأنّه لا يشبه إلا نفسه: مهاري، وسريع، ومشاكس. لكن وبسبب إصراره صرت أسمّيه "كريستيانو".
محمد طفيلي، ألقّبه بسبارتاكوس. ينزل إلى الملعب كأنّه شاهد فيلم "300" قبل المباراة مباشرة. يلعب كمدافع وكمهاجم وكصانع ألعاب.
محمد بوطو حوماني القبه بغاريث بايل. لا يحضر الى المباراة الا برفقة والده وسيجارة المالبورو. ابو حسين "الوراق " يعشق الكرة فهي تشكل وسيلة عبور من هموم العمل الى لذة الأهداف. يشجع ابنه بحماس و ينتقد الحكم بشدة في حال عدم احتسابه الأخطاء. ولا تنتهي المباريات معه بصافرة الحكم، فهي ستستمر مع مباريات الدوري الانكليزي والاسباني ليلا .
فيما ألقّب حبيب غندور بـ "حبيب غندوريان" على وزن المهاجم وارطان غازاريان، خاصةً أنّه سبق وأن لعب مع نادي "الهومنمن". في يوم المباراة تغلق والدته محلّها وسط الضيعة وتأتي لتشجعيه. تحمل أم حبيب أفكاراً تحرّرية وتدافع عن حقوق المرأة وكأنها أحلام مستغانمي النبطية. تأتي إلى المدرجات مصطحبةً معها الفتيات، ويشكل حضورها مع كتيبتها إلى الملعب "أوكسجيناً" هامّاً، فهي تتفوّق على الذكور في التشجيع. أما أبو حبيب فهو مشجع أصيل لنادي "النجمة" وإداري سابق في نادي "التضامن نبطية". لا يجلس على المدرجات بل يقف بالقرب من مرمى الفريق الخصم حاملاً سيجارته الـ "سيدرس"."
بينما ينتظر المدرّب "زوزو" جمّول كل صيف قدوم اللاعب إبراهيم الحاج أحمد ليحرس مرماه. إبراهيم، المعروف بهيما، فينادى باسم الحارس الألماني "نوير"، فهو مقاتل أشقر يلعب كحارس مرمى، وكمدافع إن لم تسعفه يداه. لا تحب والدة هيما كرة قدم، فهي تقضي الوقت بغسل ثيابه المتّسخة بالرمل بلا فائدة، لكنّ ابنها يُمتع جمهوره، وخاصة "الجنس اللطيف"، بتصدّياته وتسريحته الجذابة. من جهة أخرى فإنّ والده جعفر مشجعٌ كروي من الطراز الرفيع، فهو مواظب على شراء الجريدة لمتابعة الأخبار الرياضية، وهو "نجماوي" عتيق أيضاً. كانت بطاريات "ريوفاك" تصاحبه دائماً مع الراديو ليتمكن من متابعة المباريات في حال انقطاع الكهرباء.
أما عائلة حدرج فلها تاريخها مع كرة القدم. هي عائلة منتجة للمدافعين الشرسين، عائلة ايطالية بامتياز. ابنها مازن هو "مالديني الضيعة" وشقيقه علي هو "غاتوزو الحارة". يأتي جميع أفراد العائلة إلى الملعب بفان الوالد أبو محمد، كأنّهم ذاهبون إلى عرس واحدٍ منهم.
عائلة جمول تشكل العلامة الفارقة في المنطقة . الأب والأبناء والأحفاد يحترفون كرة القدم . الوالد أبو زوزو أمضى حياته متنقلا بين الملاعب وما زال يطير في الهواء بحركات أكروباتية بالرغم من بلوغه الستين . أما ابنه البكر فهو الملهم لأبناء الضيعة وكأن زوزو جمول هو زيزو زيدان بالنسبة للأطفال الحالمين بالإحتراف، فهو يدير أكاديمية لتطوير المواهب. ويتنقل "بفان" اللاعبين في كل مناطق الجنوب.
لآل بيومي "نكهتم الخاصة"، فهم راقصو السامبا في النبطية الفوقا. ألقب علي بـ "فابيو" وحيدر بـ "نيمار ". ملامحهم برازيلية، اللون الأسمر والشعر المجعّد. يملك الشقيقان أحلاماً تعبر الأماكن وتنطلق بالكرة الشعبية إلى أقصى القمم.
تبدو كرة القدم أشبه بـ "كزاناكس" شعبي مجاني للجميع. عندما يسجل المهاجم هدفاً حاسماً لفريقه ينتفض الجمهور بأكمله. يجتاح المشجعون الملعب، ويعانق القريب الغريب. في تلك اللحظة، عندما أكرّر كلمة "غول"، وبالرغم من قوّة صوتي مع جودة مكبرات الصوت، يعلو صوت أم المهاجم فوق صوتي. في تلك اللحظة تحديداً يبدو ملعب كرة القدم كمكانٍ "خلاصي" لجميع مَن فيه.
تشكّل فترة الاستراحة بين الشوطين فرجاً كبيراً، ليس للّاعبين أو للجمهور أو لأحد المتفرّجين الذي ينتظر دخول الحمام، بل للأطفال. ترى في الملعب خمسة عشر طفلاً باسم ميسي، وعشرة باسم كريستيانو. لم يشاهد هؤلاء الأطفال الكابتن ماجد أو رابح، بل ريال مدريد وبرشلونة. جميع هؤلاء الأطفال مهاجمون، لا يوجد بينهم حارس مرمى واحد، فالكل يريد تسجيل الأهداف.
في حال امتدت المباريات إلى ضيع مجاورة تتحرّك الآليات لنقل الجمهور. أبرز هذه الآليات هو "بيك - أب" أبو علي برجاوي. الـ "بيك - أب" الذي يشحن به أثاث المنازل والحطب يتحوّل إلى آلية تشبه الباصات المفتوحة التي تنقل اللاعبين المحتفلين بالفوز. يحمل الجمهور فيه الزمامير والدربكة والطبل ويسير مع كل فوز محتفلاً. هنا ترى التعطش للفرح. مهما كان الفوز بسيطاً فإنّ الاحتفال كبير. ولو شارك سيغموند فرويد شخصياً في تلك المسيرة الجماهيرية سيتوقّف عن تحليل النفس البشرية ويدخل في حالة اللاوعي الجمعي محتفلاً.
تشكّل الكرة الشعبية مسرحاً لأحلام اللاعبين والجمهور ولي أنا. أحلم بأن انتقل كمعلق إلى الشاشة، ويدعم طموحي رأيُ الجماهير بأدائي. تحملني متعة التعليق إلى عقل المخرج وودي آلن. ذلك الخليط من كرة القدم وفلسفة السعادة والحقيقة والوهم، تتجسّد بمفهوم واحد هو التشتيت. يقول آلن: "...هذا ما أقوم به. أشتّت نفسي وصناعة الأفلام هي تشتيت رائع. الممثلات يأتين لمكان التصوير. إن لم يفعلن ذلك فسوف يبقين في منازلهن، أو يجلسن على الشاطئ ويفكّرن: يا إلهي، ما معنى هذه الحياة؟ سوف أتقدّم في العمر، سوف أموت، من أحبهم سوف يموتون، هل سأصاب بالصلع؟ ما الذي سيحدث لي؟ ... لذلك اذهب إلى السينما، أشاهد فيلماً لفريد استير وهو يرقص لمدة ساعة ونصف، فأتوقّف عن التفكير بالموت وبجسدي المتعب وبأنّني سوف أكون عجوزاً يوماً ما، في المستقبل البعيد".
عباس جعفر الحاج أحمد - بنت جبيل.أورغ












