أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

كمال مدحت... رجل فتح الذي بقي في الظلّ طويلاً

الثلاثاء 24 آذار , 2009 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 5,340 زائر

كمال مدحت... رجل فتح الذي بقي في الظلّ طويلاً

صيدا ـ خالد الغربي
لم تمر لحظات على خروجه من الارض الرسمية لمخيم المية ومية حتى اغتيل أحد رجال الظل في حركة فتح كمال مدحت، المعروف بكمال ناجي، بتفجير سيارته في المنطقة الفاصلة ما بين حاجز الكفاح المسلح وحاجز الجيش اللبناني. وكمال مدحت هو واحد من قلّة من رجال فتح وضبّاطها الذين بقوا في لبنان خلال أعوام التسعينيات من القرن الماضي حين احتدمت الخلافات بين سوريا ورئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات، وهو من أدّى العديد من الادوار في الدبلوماسية السرية التي شاركت فيها منظمة التحرير، ما بين الأطراف اللبنانية، وما بين سوريا والحركة نفسها.
وبعد مجيء عباس زكي الى الممثلية الفلسطينية في بيروت، خرج كمال مدحت الى العلن وسط ظروف شديدة التعقيد داخل حركة فتح وبينها وبين الاطراف الفلسطينية الاخرى. وفي المرحلة الاخيرة، كانت الاجواء تنذر بالأسوأ وخاصة داخل مخيم عين الحلوة، حيث سادت توقعات سلبية حيال مستقبل العلاقات الفلسطينية ـــــ الفلسطينية، وهي مساحة تركت فسحة امنية رمادية سمحت لمن نفذوا الاغتيال بالاستفادة من العلاقات الفلسطينية البينية المتوترة والعدائية، فكان مقتل كمال مدحت امس.
«هي ضربة مؤلمة». عبارة ذكرها أمس مسؤولون فلسطينيون من مختلف الفصائل لوصف عملية اغتيال كمال مدحت، مساعد ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان. اختار القاتل مكانه على طريق يسودها فراغ أمني على مدخل المخيم الواقع شرقي مدينة صيدا، وغير البعيد عن «عاصمة الشتات الفلسطيني»، مخيم عين الحلوة المتروك لصراعات أمنية وسياسية تتقاطع عندها الأبعاد المحلية والإقليمية والدولية. ويقع مكان اغتيال مدحت وثلاثة من مرافقيه في منتصف الطريق تقريباً بين حاجز للجيش اللبناني وآخر للكفاح المسلح. وعملياً، لا تخضع المسافة الفاصلة بين الحاجزين لسلطة أيّ من الطرفين الأمنيين.
أما الزمان، فهو أيضاً حمّال أوجه. منظمة التحرير الفلسطينية وحركة فتح تحاولان ترتيب أوضاعهما الداخلية في لبنان، وكان مدحت من أبرز الوجوه التي أدّت دوراً هاماً في عمل المنظمة وحركتها القائدة خلال السنوات الثلاث الماضية. وفي الوقت عينه، تسعى الفصائل في الخارج إلى لمّ شملها في حكومة وحدة وطنية لترميم ما بدّدته خلافات الأعوام الماضية.
وعند التقاطع بين العاملين، اغتيل مدحت الذي كان عائداً لتوّه من حفل تأبين لمسؤول اللجان الشعبية رائف نوفل الذي قتل في حادث فردي قبل أيام قليلة. كان مدحت وسيطاً بين العائلتين اللتين اشتبك أفراد منهما نهاية الأسبوع الفائت في المخيم، وشدد خلال لقائه مع الطرفين على ضرورة الوحدة والحفاظ على المخيمات الفلسطينية والابتعاد عن لغة السلاح في معالجة الأمور. وعند مغادرته مخيم المية ومية، حيّا أفرادَ الكفاح المسلح المتمركزين عند الحاجز على مدخل المخيم. وبعد دقائق قليلة من مرور موكبه المؤلف من سيارتين على الحاجز، وبالتحديد عند الثانية وعشر دقائق من بعد الظهر، دوّى الانفجار الذي سمع في منطقة صيدا. بعد دقائق، تبيّن أن عبوة ناسفة استهدفت موكب مسؤول فلسطيني قرب مخيم المية ومية. قيل في البداية إن المستهدف هو ممثل منظمة التحرير في لبنان عباس زكي، أو أمين سر فصائل المنظمة سلطان أبو العينين، فهما كانا في الحفل التأبيني ذاته الذي كان فيه مدحت، وقد غادر زكي المخيم قبل دقائق من وقوع الانفجار. لكن حقيقة الأمر عرفت سريعاً.
اتفق الأمنيون المعاينون لمكان الانفجار على أن العبوة متقنة ومن عمل أشخاص محترفين. فهي مزروعة على بعد أمتار قليلة من منعطف يحتّم على السيارات التخفيف من سرعتها. قذف عصف الانفجار سيارة مدحت عشرات الأمتار بعيداً عن الطريق العام، بعد إصابتها مباشرة، وهي من نوع مرسيدس ML تحمل الرقم 141843/ص، سوداء اللون، فيما استقرت سيارة المواكبة (مرسيدس «أم عيون» كحلية اللون تحمل الرقم 268040) في حفرة كبيرة أحدثها الانفجار، قطرها نحو خمسة أمتار وعمقها نحو مترين. واندلعت النيران في حطام السيارة التي كان يستقلّها مدحت، والتي تناثرت أجزاءً متفحّمة في منخفض قريب. استشهد مدحت على الفور مع ثلاثة من مرافقيه هم عبد الحميد شحادة وأكرم ضاهر، وهو مسؤول الشباب والرياضة في فتح، والسائق خالد ضاهر، وارتفعت سحب الدخان الأسود الكثيفة من المكان وتناثرت أشلاء الضحايا وتطاير بعضها مسافة عشرات الأمتار من المكان. وأصيب في السيارة الثانية مرافقو مدحت، خالد عدوي وطالب زيدان ومحمد أبو زرد.
وعلى الفور هرعت الى المكان فرق الإطفاء والدفاع المدني والإسعاف، فيما سُجِّل انتشار كثيف لعناصر حركة فتح من جهة مدخل المخيم، وضرب الجيش اللبناني طوقاً أمنياً حول المكان، وحضر عدد من قادة الأجهزة الأمنية والعسكرية والقضائية اللبنانية. كما حضر عناصر الأدلة الجنائية الذين باشروا برفع الأدلة والعينات من مكان التفجير.
وذكرت مصادر أمنية أن الانفجار ناجم عن عبوة ناسفة قدرت بما يوازي نحو 25 كيلوغراماً من مادة «تي. أن. تي»، مرجّحين أن تكون العبوة قد زرعت إلى جانب الطريق التي سلكها موكب مدحت، قرب قناة للمياه. ورجّح المحقّقون أن تكون العبوة قد فجِّرت عن بعد.
بدأ سكان المخيم يتجمعون في المكان، وحضرت قيادات من حركة فتح ومنظمة التحرير لمعاينة الانفجار، وسط ذهول الأهالي وخوفهم لأن الانفجار تزامن مع انصراف الطلاب من مدارسهم. وقد اصطف عشرات المواطنين الفلسطينيين من أبناء مخيم المية ومية على تلة مشرفة على المكان يعاينون آثار الانفجار.
وسط الحطام والتراب والأشلاء في مسرح الجريمة، يقول مسؤول فتحاوي «إنها الضربة الأقوى للمنظمة منذ سنوات، وقد نزلت علينا كالصاعقة». يقف بالقرب منه عنصر من فتح صارخاً «بدن يفجروا المخيمات». يهدّئه المسؤول الإعلامي لفتح في الجنوب إبراهيم الشايب جازماً بأن الانفجار من صناعة الموساد الإسرائيلي، وليس من طرف داخلي. ووسط الطريق التي قطعتها حفرة عميقة خلفها الانفجار، تتقدم إحدى الفلسطينيات من أحد جنود الجيش اللبناني قائلة له: «دخيل إجريك، بس طمّنّي في أولاد صغار مقتولة بالانفجار؟». يطمئنها العسكري، فتغادر وعلامات الصدمة بادية على وجهها.
أحد سكان المخيم، محمد العبد الله، قال «إن العملاء هم من قتلوا أبو بلال، وسنثأر لدمائه». وعند سؤاله عمن يكون العملاء وعن طريقة الرد، أجاب: «العملاء هم من لا يريدون الوفاق الفلسطيني، ويريدون توتير المخيمات الفلسطينية. هم عملاء إسرائيل والرد والثأر يكون بحماية المخيمات من عبث المتربصين بها».
وقد أعاد مشهد اغتيال مدحت إلى الأذهان تلك الاغتيالات التي استهدفت مطلع التسعينيات من القرن الماضي العديد من القيادات الفتحاوية البارزة، لكن قيادات فلسطينية تشير الى اختلاف كبير في وظيفة تلك التصفيات للقادة الفتحاويين في التسعينيات وعملية اغتيال مدحت التي تؤكد هذه القيادات أن تداعيات كبيرة ستلقيها على الواقع الفلسطيني في لبنان.
أمين سر فصائل منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، المسؤول التنظيمي لحركة فتح اللواء سلطان أبو العينين قال لـ«الأخبار» إن الضربة موجعة لكل الفلسطينيين، رافضاً استباق التحقيق لاتهام أي جهة بالضلوع في الجريمة. واكّد أبو العينين أن التحقيق هو بيد السلطات القضائية والأمنية اللبنانية، مشيراً إلى أن الفصائل الفلسطينية ستقدّم أي مساعدة ممكنة للكشف عن القتلة. وأشار أبو العينين إلى أن أحداً لم يكن يعلم أن «الأخ كمال سيحضر إلى مخيم المية ومية».

المقدح: تعرّض لمحاولة اغتيال سابقاً

بدوره، قال قائد الكفاح المسلح في لبنان العميد منير المقدح لـ«الأخبار» إن كمال مدحت كان قد أبلغ قيادة منظمة التحرير الفلسطينية في رام الله ومسؤولين لبنانيين بأنه معرّض للاغتيال، مؤكداً أن مدحت «سلّم قيادة المنظمة أسماء من حاولوا اغتياله سابقاً»، رافضاً الإفصاح عن تفاصيل أكثر.
وأشار المسؤول العسكري لتنظيم «أنصار الله» ماهر عويد إلى أن كمال مدحت كان يؤدّي في الآونة الأخيرة أدوار تهدئة داخل المخيمات الفلسطينية، مؤكداً عدم وجود أعداء لمدحت على الساحة الفلسطينية، ما يشير إلى أن المستفيد من اغتياله بعيد عن الداخل الفلسطيني.
ورغم حالة القلق التي عاشتها المخيمات الفلسطينية، وخاصة في الجنوب، بعد اغتيال مدحت، إلا أن الهدوء بقي سيد الموقف وسط دعوات مختلف الأطراف إلى توحيد الصفوف ونبذ العنف.
وفي هذا الإطار، دعا ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان عباس زكي اللاجئين الفلسطينيين وأنصار حركة فتح ومنظمة التحرير إلى «ضبط النفس والأعصاب»، واصفاً «الشهيد اللواء كمال مدحت بأعز الرجال الذي فقدته الساحة الفلسطينية في ظرف هي بأمسّ الحاجة إليه». وعن انعكاس الحادث على الوضع في المخيمات قال زكي: «إن شاء الله لن يكون هناك أي انعكاس سلبي على المستوى الامني». وعن الجهة التي يتهمها بتنفيذ الاغتيال، قال زكي: «نحن لا نعتدي على سيادة البلد وأمنه وننتظر أن تكون هناك اجراءات سريعة لكشف الفاعلين». ولاحقاً، اتهم زكي خلال تفقده الجرحى في مستشفى حمود بصيدا «أدوات إسرائيل» بتنفيذ الجريمة، مضيفاً أن «من قام بهذا العمل يعمل بشكل أو بآخر مع إسرائيل، وهؤلاء الشهداء الأربعة دمهم لن يذهب هدراً ولا يجوز تحت أي ظرف أن يذهب كمال مدحت، صاحب التاريخ المعروف، بهذه الطريقة الجبانة».

اتهام إسرائيل بتنفيذ الجريمة

وقد لقيت جريمة اغتيال مدحت ردود أفعال مستنكرة من مختلف الأطراف اللبنانية والفلسطينية، وعقد اجتماع موسع ضم جميع الفصائل الفلسطينية (المنظمة والتحالف والقوى الإسلامية) في سفارة فلسطين ببيروت، صدر على اثره بيان رأت فيه أن الجريمة «إسرائيلية بامتياز ويتحمل العدو الصهيوني وعملاؤه مسؤوليتها». ووصفت الشهيد مدحت بأنه «خسارة وطنية جسيمة، ولا سيما أنه كان من القياديين المبادرين والعاملين على المستوى الوطني، متميزاً بإصراره على تعزيز العمل المشترك وحفاظه على الوحدة الوطنية الفلسطينية وتحقيق الاصلاح من خلال الحوار الوطني». ودعت الفصائل «الاجهزة الامنية والقضائية اللبنانية للعمل على متابعة التحقيقات وصولاً لكشف خيوط الجريمة النكراء ومرتكبيها وتقديمهم الى القضاء».
واتفقت الفصائل على تأليف لجنة لتشييع جثامين الشهداء غداً الأربعاء ولجنة تحقيق عليا من الجانب الفلسطيني بمشاركة فعلية من القوى الفلسطينية.
وكانت حركة حماس قد أصدرت بياناً رأت فيه أن اغتيال مدحت «خسارة وطنية لا سيما أنه كان من القيادات المبادرة والفاعلة على مستوى الاصلاح الداخلي والمصالحات».
واستقبل عباس زكي عدداً من الشخصيات وتلقى عدداً من الاتصالات الهاتفية أبرزها من رئيس الجمهورية اللبنانية العماد ميشال سليمان، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة، ومفتي الجمهورية محمد رشيد قباني والوزيرين بهية الحريري وعلي قانصو، والنائب محمد رعد باسم الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، ورئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي النائب أسعد حردان، ورئيس اللقاء الديموقراطي النائب وليد جنبلاط، وعدد كبير من النواب والقادة الحزبيين.
واستنكر رئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون الجريمة، معتبراً أن مدحت «كان من العقلاء والمعتدلين، وإني أعرفه منذ زمن طويل. نأسف ونشارك المنظمة حزنها، وننبه ونحذر إلى أن المشاكل تبدأ باغتيال المعتدلين. لذلك، نتمنى على الفلسطينيين أن يحكموا عقلهم، ويرجعوا إلى احترام فكر اللواء مدحت الذي كانت له نظرة توفيقية، وساعد على تهدئة الأوضاع عندما تكون حامية وتنذر بانطلاق حوادث دامية». وأمل عون أن «تمر الحادثة بدون تداعيات، ونأخذ العبر لنحصّن أنفسنا ضد الدخلاء الذين يحاولون خلق المشاكل والشغب».
بدوره، وضع حزب الله الجريمة في إطار «استهداف الشعبين الفلسطيني واللبناني، حيث تبدو البصمات الصهيونية واضحة في محاولة إثارة الإرباك والبلبلة في الساحتين اللبنانية والفلسطينية في هذه المرحلة الحساسة». وأصدر تيار المستقبل بياناً رأى فيه أن «العملية البشعة هي استهداف للوحدة الفلسطينية التي عمل لها الشهيد، وللاستقرار اللبناني الذي كان يتمسك بتعزيزه»، آملاً «من الجميع التصميم على إفشال المؤامرة التي تبطنها الجريمة النكراء».
بدورها، رأت جبهة العمل الإسلامي في لبنان أن الجريمة «تساهم في إذكاء نار الفتنة الفلسطينية وتأتي في إطار قطع الطريق على الحوار مع حماس وإعادة جو الارهاب النفسي والامني الى ساحة المخيمات الفلسطينية». واتهمت الجبهة «الموساد الاسرائيلي بهذه الجريمة النكراء بعدما مُني بخيبة امل واسعة، وذلك لنجاح المقاومة الاسلامية والاجهزة الامنية اللبنانية من تفكيك بعض شبكاته الناشطة».
واستنكرت وزيرة التربية والتعليم العالي بهية الحريري جريمة التفجير التي استهدفت اللواء كمال مدحت ومرافقيه. ورأت في تصريح لها أنها جريمة بشعة ومستنكرة ومدانة بكل المقاييس، استهدفت قيادياً بارزاً وشخصية قدمت الكثير للقضية الفلسطينية، كما استهدفت مسيرة تعزيز الأمن والاستقرار في هذا البلد، مشددة على ضرورة التنبه لكل محاولات استهداف ساحتنا والساحة الفلسطينية في لبنان، وداعية الأجهزة الأمنية والعسكرية والقضائية للعمل على كشف ملابسات هذه الجريمة ومن يقف وراءها.
وأدان النائب اسامة سعد جريمة التفجير وقال: نعتبر أن غياب الشهيد يمثل خسارة كبيرة للثورة الفلسطينية، فهو أحد رموز الكفاح الفسلطيني، وقدم مساهمات بارزة في هذا الكفاح. ونرى أن جريمة الاغتيال إنما تستهدف مسيرة الحوار الفلسطيني ـــــ الفلسطيني الذي كان الشهيد من أبرز العاملين من أجل إنجاحه، كما تستهدف أمن المخيمات الفلسطينية والأمن الوطني اللبناني. من هنا فإن من يقف وراء الجريمة إنما يخدم أعداء لبنان وفلسطين وأعداء الوحدة الوطنية الفلسطينية.
واستنكر رئيس اتحاد بلديات صيدا ـــــ الزهراني الدكتور عبد الرحمن البزري الجريمة، وقال اثر تفقده مكان الانفجار إن الجريمة استهدفت ما يمثله اللواء مدحت سياسياً ومعنوياً وأمنياً، وإن صيدا ومنطقتها هي المستهدفة بهذا الانفجار وإن هناك من يحاول ان يعبث بالأمن في هذه المنطقة الحساسة بعدما أغضبته بشائر وعلامات المصالحة الفلسطينية والتقارب الفلسطيني ـــــ الفلسطيني، وخاصة في منطقة صيدا ومخيماتها حيث عاش إخواننا الفلسطينيون أفضل الأجواء من اللحمة والمسؤولية المشتركة حتى في زمن التوتر والاستقطاب الفلسطيني واللبناني.




عباس: جريمة إرهابية
استنكر رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس جريمة اغتيال اللواء كمال مدحت واعتبرها «جريمة إرهابية»، فيما نعى ممثل منظمة التحرير في لبنان عباس زكي «القائد الفلسطيني اللواء د. كمال عبد العزيز ناجي (كمال مدحت)، واللواء أكرم ضاهر، مسؤول اللجنة الاولمبية الفلسطينية في لبنان، والعقيد حسني عبد الحميد علي شحادة والملازم خالد يوسف ضاهر». وأضاف البيان أن المذكورين «استشهدوا بيد الغدر وعملاء إسرائيل، أعداء الشعب الفلسطيني»، معلناً الحداد ثلاثة أيام.



حماس تشيد بدور مدحت

أدان ممثل حركة حماس في لبنان أسامة حمدان جريمة اغتيال كمال مدحت، مشيداً بالجهود التي بذلها الراحل للتقريب بين الفصائل الفلسطينية المختلفة، وخصوصاً إبان العدوان الإسرائيلي على غزة. ورأى حمدان أن الهدف من اغتيال القيادي في حركة فتح «زعزعة الوضع الفلسطيني الذي بدأ يتوحد على الصعيد الوطني»، رافضاً استباق نتائج التحقيق في الجريمة.



الكتائب: الأيدي الغريبة تستفيد من الانقسام

رأى المكتب السياسي لحزب الكتائب الذي اجتمع أمس برئاسة الرئيس أمين الجميّل أن جريمة اغتيال اللواء كمال مدحت نتيجة حتمية لأجواء التشنج التي تسود الساحة الفلسطينية نتيجة الانقسام في الوطن الأم والتي تسمح بتسلل الأيدي الغريبة الى عقر الدار للعبث بأمن اللبنانيين والفلسطينيين.



الحريري: نحو القدس

أجرى رئيس كتلة «المستقبل» النائب سعد الحريري اتصالاً هاتفياً بممثل منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان عباس زكي، معزياً باستشهاد نائبه كمال مدحت. وأعرب الحريري عن تضامنه مع الشعب الفلسطيني في «نضاله المستمر، من أجل إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف».


 

رفيق أبو عمّار ورجل المهمّات السريّة

خالد الغربي
اللواء كمال ناجي (أبو بلال، 56 عاماً) المعروف بكمال مدحت، هو من الوجوه البارزة في العمل الفلسطيني في لبنان، وقد بقي كذلك حتّى حين «أُقصي» عن تولّي أي مسؤولية تنظيمية في عام 1992. وقبل عامين، صعد إلى الواجهة مساعداً لممثل منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان عباس زكي.
وُصِف مدحت في فترة منتصف الثمانينيات من القرن الماضي برجل الأدوار الأمنية البالغة التعقيد، فيما كان البعض يشبهه بالشهيد أبو حسن سلامة.
بدأ مدحت حياته مقاتلاً في صفوف «فتح»، وخضع لدورات قتالية ولدورات ضباط وأركان في معاهد عسكرية في عدد من دول أوروبا الشرقية، فضلاً عن دورات تخصصية في العمل الأمني والاستخباري. وخلال فترة وجود الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات في لبنان، كان مدحت أحد مرافقيه الشخصيّين وفي عداد الجهاز الأمني المكلف حماية «الختيار». ومع الأخير، غادر مدحت لبنان عندما خرجت قوات منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت إثر الاجتياح الإسرائيلي عام 1982. انتقل الرجل إلى تونس، وتنقّل منها إلى بلدان عربية أخرى، ثمّ عاد إلى لبنان عام 1985، وتسلّم مسؤولية قيادة جهاز الاستخبارات العسكرية في حركة فتح في لبنان حتى عام 1991، عندما دخل الجيش اللبناني إلى منطقة صيدا. وخلال تولّيه هذه المسؤولية الأمنية الرفيعة في فتح، التي كانت يومها ممسكة بزمام النفوذ في عدد كبير من المخيمات، شهدت الساحة الفلسطينية أوضاعاً أمنية شديدة التعقيد، أبرزها حرب المخيمات بين الفصائل الفلسطينية وحركة أمل، فضلاً عن عودة التنظيمات المسلحة الفلسطينية إلى الانتشار في مناطق شرق صيدا. وبرز اسم الرجل في تلك الحقبة نتيجة الاتفاقات التي كانت تحاول إيقاف تلك الحرب. وبحكم مسؤوليته الاستخبارية، كان يتواصل مع مسؤولين أمنيين في أحزاب ودول، منها الصديق لمنظمة التحرير، ومنها تلك التي هي على خصومة معها. ويقول أحد الذين عرفوه وعملوا معه إن كمال كان في إحدى المراحل أحد الذين أبقاهم أبو عمار كشعرة معاوية في التواصل مع السوريين في لبنان لحظة احتدام حرب المخيمات والصراع العرفاتي السوري، لكن تواصله كان محكوماً دائماً بالسقف الذي حدده أبو عمار.
ومن أدوار مدحت البارزة ما أوكل إليه من سعي لإيقاف القتال في المنطقة الشرقية عام 1989 بين القوات اللبنانية والجيش اللبناني بقيادة العماد ميشال عون، خلال حرب الإلغاء، حين حاول الوسيط الفلسطيني كمال مدحت عقد تسوية بين الجانبين. وقد جاءت محاولته هذه لتساعد الجهود التي بذلتها القيادة العراقية آنذاك، على قاعدة أن المصلحة تقضي بوقف مسلسل التقاتل المسيحي ومنع إضعاف المنطقة الشرقية الذي لا يستفيد منه إلا الخصم المشترك للمنطقة الشرقية ولجماعة أبو عمار، أي سوريا ورئيسها حافظ الأسد. لكن تلك المعارك كانت أكبر من مساعي مدحت الذي مثّلت زيارته لما كان يُسمى المنطقة الشرقية آنذاك حدثاً بحدّ ذاته.
قبل سنوات، وتحديداً خلال حصار الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في رام الله والكلام الذي قيل عن قيام المسؤول الفلسطيني محمد دحلان بمحاولة انقلابية على عرفات، تردد كلام آخر في لبنان عن علاقة ما ربطت مدحت بدحلان، ووصلت الشائعات إلى حدّ القول إن دحلان كان يعدّ مدحت لتولي المسؤولية الفلسطينية في لبنان لو نجح هو بإطاحة أبو عمار.
فترة الإقصاء عن المسؤولية التي طال أمدها بعد عام 1992 استفاد منها مدحت ليكمل دراسته الأكاديمية الجامعية، إلى أن نال شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية من الجامعة اللبنانية، متخصصاً في العلاقات الدولية. وبات يطل على شاشات التلفزة محللاً سياسياً واستراتيجياً وخبيراً عسكرياً.
ورغم ابتعاده عن الصورة العلنية في حركة فتح ومنظمة التحرير، فإنه بقي في خلفية الأحداث، إذ «اتهمه» البعض بوقوفه خلف كل محاولة كان يقوم بها الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات لإثبات حضوره ونفوذه داخل المخيمات الفلسطينية في لبنان.
ولم تمنع الفترة الطويلة التي قضاها مدحت بعيداً عن الأضواء من عودته القوية إلى الساحة السياسية الفلسطينية قبل نحو سنتين، وبالتحديد بعد قدوم عباس زكي إلى لبنان ممثلاً لمنظمة التحرير الفلسطينية. وقيل يومها إن زكي جاء بمدحت لتقوية أوراقه في وجه خصومه من مسؤولي فتح في لبنان، وعلى رأسهم سلطان أبو العينين. وتولى مدحت، إضافة إلى مسؤولية مساعد ممثل منظمة التحرير في لبنان، مسؤولية الإشراف على وضع المخيمات الفلسطينية في لبنان، ولا سيما مخيمات الجنوب ومخيم نهر البارد بعد الحرب التي شهدها بين الجيش اللبناني و«فتح الإسلام».
وخلال الأشهر الأخيرة، برز اسم كمال مدحت داخل حركة فتح، وخاصة أن معظم قادة فتح كانوا يعارضون توليه دوراً تنظيمياً داخل الحركة، رغم قبولهم بدوره التوفيقي بين مختلف أجنحة الحركة، فضلاً عن رضاهم عن عمله مساعداً لممثل منظمة التحرير في لبنان. وبعد الترتيبات الأخيرة التي شهدتها حركة فتح، والتي فُصل بموجبها الجسم التنظيمي عن الجسم العسكري، مع بقاء نفوذ قوي لسلطان أبو العينين في الأول، لم يعد لكمال مدحت أي نفوذ مباشر داخل الحركة، وخاصة بعد الفصل التام بين عمل منظمة التحرير من جهة وعمل حركة فتح من جهة أخرى.
ومما يُجمع عليه الفتحاويون أن كمال مدحت مثل أحد الوجوه المميزة على الساحة الفلسطينية في لبنان، وقد نجح في إدارة خصوماته السياسية بعيداً عن منطق العداء لأحد داخل منظمة التحرير وحركة فتح، وإنه كان أحد الذين حاولوا تقديم صورة مختلفة في إدارة الشؤون الفتحاوية في لبنان.

Script executed in 0.17493510246277