■ تقسيمات الدوحة انتصار سياسيّ للموالاة التي خسرت عسكريّاً
■ الدائرة الثالثة تصلح لإلهاء المستقبل والأولى لمعركة خطيرة
حين كان صائب سلام يلعب النرد مع أصدقائه، كان يمكنه اقتراح اسم رئيس جمهورية للبلاد. هذه السلطة انتهت لدى أهل بيروت. حُطِّمَت بأسلوب ممنهج، ولم يبقَ اليوم لأحد قدرة على القرار، بل حتّى على المشاركة أو الركوب على ظهر الآخر لبلوغ الكراسي البرلمانيّة
فداء عيتاني - الاخبار
انقضت مئات الأعوام على انتفاضة أبناء بيروت بوجه من هاجمها واحتلّها من الملل الأخرى. في ذاك الوقت، أُوكلت حراسة أبواب المدينة السبعة إلى عائلات رئيسيّة في المدينة، كذلك أوكل فتح منطقة البلقان بقيادة أحد أبناء هذه العائلات نفسها إلى أحد الجيوش العثمانية. كانت السلطنة آنذاك تمثّل دولة الإسلام، وارثة الخلافة. ولم يكن ثمّة خلاف على أحقيّتها بهذه الخلافة التي ستمتدّ بصفتها دولة الإسلام حتّى انهيار الإمبراطورية العثمانية، وستتحول المدينة الضيّقة المحصورة في ما يعرف اليوم بالوسط التجاري إلى عاصمة، بغفلة عن أهلها الذين كان أغلبهم يعيشون في القرى الصغيرة المتاخمة: رأس بيروت، الجبل الصغير المشرف على بيروت، الحرج والمزرعة، وغيرها من الأماكن التي وحّدها قرار تحويل بيروت إلى عاصمة سياسية واقتصادية.
ولكون بيروت هي العاصمة، سُمح لها باحتضان الكثير من المرشّحين من خارجها. غالباً ما يعطى مثال نجاح واكيم، الشاب الناصري الآتي من قرية صغيرة تدعى البربارة، الذي حصد أصوات السنّة بعد خروجه من سجن سياسي، وأصبح نائباً عن بيروت عام 1972. إلا أن أمثلة أخرى كثيرة يمكن أن تُساق من آل الصلح الذين تولّوا أوّل رئاسة حكومة، وهم من أبناء صيدا، إلى آل الجميّل الذين تكفّلوا بالتمثيل الماروني لبيروت عبر بيار الجميل، صاحب حزب الكتائب ومؤسّسه، والذين اتخذوا بعد وصولهم من مصر من بكفيا موطناً لهم، ومن الأشرفية كرسيّاً دائماً للعائلة، وعاصمةً لبشير الجميّل حين كان يحلم بحكم لبنان أو تقسيمه، بقيادته للقوات اللبنانية خلال الحرب الأهلية.
بيروت نفسها لطالما كانت معروفة بصفتها مستقرّاً ومقرّاً للسنّة. وبالنسبة إلى سنّة الأطراف والمدن الساحلية خاصة، النجاح في بيروت يعني النجاح في كل لبنان، أو بحسب عبارة لمحمد المشنوق «إذا نجحت هنا تنجح أينما كان».
كانت الحرب هي المفصل الذي أخرج بيروت من صفتها الحاكمة التي كان يتناوب عليها العديد من الرموز. كان آل سلام، من علي إلى صائب، يمتلكون من حريّة التصرّف في الانتخابات وفي آليات فرز الأصوات وتحديد المرشّحين، ليس فقط نيابياً، بل رئاسياً أيضاً، ما لا تمتلكه تدخّلات دولية اليوم، قبل تحطيم تركة العائلة ونشرها قطعاً للبيع أو للاستئجار أو نهباً للغبار. وبعد الحرب الأهلية، لم يعد من قوى جدية في بيروت اللهم إلا سليم الحص، الذي لا يمثل بيروت فقط، بل مدار البلد، وهو الذي يرفض التمثيل المذهبي، أو المناطقي، والذي فضل اعتزال العمل السياسي المباشر بعدما وُجِّهَت إليه ضربات موجعة.
■ الدوائر أو خطط المعارك المحسومة
في عام 2000، كانت المرّة الأولى التي يخوض فيها رفيق الحريري معركته الانتخابية الجدية. كان رئيس الحكومة آنذاك سليم الحص، الشفّاف إلى الحدّ الذي خرق معه القاعدة الأبديّة التي تنصّ على أن رئيس الحكومة ينتصر في الانتخابات دائماً. خسر الرجل بفعل إصرار الحريري على إغلاق لوائحه، وتحطيم خصومه جميعاً، ومنافسيه. تربّع الحريري وحيداً على رأس كتلة لا تقول غير السمع والطاعة. ورغم أنّ بعضاً من وجوهها سيسمّيهم الحريري لاحقاً بالوديعة السورية، إلا أن ذلك لا ينفي أنّ الحريري خاض معركة أحد الأطراف السورية ضد طرف سوري آخر، في صراعات انتقال السلطة في دمشق من الأب حافظ الأسد وفريق حكمه إلى ابنه بشار الأسد وفريقه، فكان الانعكاس في لبنان ليس فقط قانون غازي كنعان (الشخصيّة الأبرز إلى جانب عبد الحليم خدام، التي جمعت بين صداقة رفيق الحريري وتسلُّم الملف اللبناني من حافظ الأسد)، لكن أيضاً اكتشاف الحريري الأب لفوائد الطائفيّة والمذهبيّة، فخاطب الشارع السنّي في بيروت وباقي المناطق، وشحذ العصبية، ودخل الطريق الجديدة، ووقف على سيارته ورفع كُمَّي سترته الخفيفة ليشعر المواطنون من أبناء المناطق الشعبية بأنّه واحد منهم. وكان للدعايات المباشرة والغبيّة التي أطلقها تلفزيون لبنان بإيعاز من السلطة السياسية التي ترأسها إميل لحود، أثر معاكس، حيث ارتفعت نسبة التأييد المذهبي لرفيق الحريري، فصبّت كل الأصوات للرجل الذي لم يكن يتخيّل نفسه في يوم من الأيام زعيم طائفة في لبنان، مفضّلاً أن يبقى زعيماً أكبر من كل الطوائف.
كانت الدوائر البيروتية الثلاث محسوبة بدقة لدى الحريري الأب وفريق عمله الانتخابي. يعتكف خلال التصويت أغلب المسيحيين عن المشاركة، ويحصل الحريري على أصوات أرمنية، ويوجّه أطرافاً غير محبوبة، ويتهمها همساً بأنها من أعوان سوريا، وهي تهمة ستجلب كراهية أهل بيروت، كل بيروت، لهذه الأسماء، بينما سيقبل شخصية مثل ناصر قنديل على لوائحه. وسيواجه جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية حيث يستطيع، ويدمّر ما بقي من إرث آل سلام، بعدما فكّك جمعية المقاصد وحاصرها مالياً عبر احتكار المساعدات السعودية، وسيُوزَّع العديد من الخدمات الأهلية باسم خادم الحرمين، ومؤسّسة الحريري.
لن يستنبط الحريري الابن، بعد مقتل الحريري الأب أي أسلوب عمل جديد. سيكتفي بترداد ما كان والده يقوله: «زيّ ما هيي، والوحدة الوطنية»، وغيرها من الشعارات التي استخدمها خلال المعركة الانتخابية عام 2005، في مواجهة ميشال عون في بيروت وبعض الأصوات المعترضة على استبعادها، علماً بأن أغلب خصوم الأمس لم يحرموا الشاب المفجوع من أصواتهم وأصوات ناخبيهم، بمن في ذلك حزب الله الشريك في التحالف الرباعي، وكذلك جمعية المشاريع في بيروت، التي رشّحت بعض كوادرها، لكنّه ترشيح غلبت عليه الرغبة في حفظ مكانة سياسية في العاصمة أكثر من التنافس مع لوائح الحريري الابن، فصبّ قسم كبير من أصواتها للحريري، فيما اعتكف أرمن الطاشناق عن التصويت، وعملت ماكيناتهم الانتخابية على مراقبة مراكز الاقتراع للتأكد من عدم تسرب أصوات أرمنية تخرق قرار الاعتكاف الذي جاء نتيجة الاعتراض على تقسيم الدوائر في بيروت.
ولم تشذّ هذه الانتخابات عن سابقاتها في الرشى والخدمات والكرم الحاتمي الذي أبدته الأطراف، وخاصة تيار المستقبل، تجاه الناخبين. ولم يعد الحديث عن أثمان الأصوات مستنكراً، بل أصبح جزءاً من مكوّنات العملية الانتخابية، بغضّ النظر عن الميل التلقائي لأغلب الناخبين، وخاصة من سنّة بيروت، للانتخاب ضدّ قوى سوريا في لبنان، التي كانت في تلك اللحظة السياسية متحالفة مع الحريرية وتيّارها المستقبلي.
■ الدوحة وتنازلات المنتصرين
خلافاً لكلّ القواعد البديهية، فإنّ من خاض المعركة العسكرية وبادر بها مفاجئاً خصمه (عدوّه بالمعنى العسكري) وانتصر فيها، قدّم تنازلات إلى الطرف المهزوم سياسياً، على مستوى إدارة العملية الانتخابية. فلا شيء يمكن أن يساعد تيار المستقبل وقوى 14 آذار التي انكفأت في كل المناطق تحت وطأة عمليات حزب الله وحلفائه، أكثر من اعتماد الدوائر التي أُقرّت في اتفاق الدوحة، وخاصة في بيروت التي تضمّ 19 مقعداً، 10 منها في بيروت الثالثة التي يعتبرها الحريري الابن حديقته الخلفية ومكمن قوّته ومركز ثقل السنّة، وفي بيروت الأولى التي تضمّ خمسة مقاعد، والتي لم يكن يتوقع إلا أن تحصل فيها معركة ما بين المسيحيين، وهي القاعدة التي كرّسها اتفاق الدوحة، أي حسم المناطق انتخابياً بين الأطراف الرئيسية في البلاد، وترك المعارك الرئيسية للمناطق ذات الأكثرية المسيحية. أضف إلى ذلك الاتفاق الجانبي المعقود بشأن الدائرة الثانية في بيروت، الذي ينص على تقاسم المقاعد بين اثنين للمعارضة وآخرَين للموالاة.
لم يكن بإمكان سعد الحريري الذي حوصر في قصره في قريطم يوم السابع من أيار، وما تلاه، أن يتخيل أنه بعد تسعة أيام فقط سيحصل على اتفاق يظهره كأنه المنتصر، ويسمح له بالعودة إلى بيروت بشعار «اجتياح بيروت» والمطالبة بالاعتذار وغيرها من العبارات التي احتاجت إلى سلسلة طويلة من المفاوضات قام بها حزب الله، وتوِّجت بلقاء بين الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله وسعد الحريري، لتخفيف حدة الاحتقان، إضافة إلى مفاوضات أخرى مع رئيس المجلس النيابي لإزالة الصور والشعارات الحزبية من العاصمة لتخفيف المشكلات اليومية في الشارع البيروتي خاصة، وباقي المناطق المختلطة سكانياً عامة.
كل ذلك وأهالي بيروت يُقادون من قصر المختارة أكثر ممّا يقادون من قصر قريطم. وكان جنبلاط يصرّ حينها على خياراته السياسية ويتحدث عن الثأر من بشار، فيحفّز البيارتة على المزيد من مظاهر العداء لسوريا، ولحلفائها في لبنان، وخاصة أبناء بيروت، الذين نُكِّل بهم سابقاً على يد الجيش السوري، حين قرروا البقاء إلى جانب حركة فتح وقائدها ياسر عرفات في الماضي القريب، وقبلها حين قرروا التصدي لاجتياح ميليشيات حركة أمل والحزب التقدمي الاشتراكي، وبعدها حين لم يجدوا في ميليشيا الاشتراكي خطراً بحجم ما مثّله صعود حركة أمل المدعومة بالكامل من سوريا، وانتشارها الواسع في بيروت.
كان جنبلاط حين يتحدث من على منابر 14 شباط و14 آذار المتوالية يخاطب هذه العصبية، وهي العصبية التي يتبين في كل مرة مدى وهنها، ما يضطر القياديين الوسطيين إلى الإصرار على تظهير الخطر الشيعي كل يوم وكل حين، وتوزيع المزيد من السلاح، وتوسيع دائرة التوظيفات ضمن أجهزة الأمن، وتقليص حجم المقاومة ودورها وإطلاق الخطابات السياسية عبر التلفزيونات ضد أي انتصار ممكن، وصولاً إلى اعتبار «أنهم يرون في الخسارة انتصاراً، فكيف بالانتصار؟» التي تتوّج الحملة الدعائية لقوى 14 آذار الانتخابية اليوم. كل ذلك للحفاظ على جمهور برد أمامه دم الرئيس الشهيد، وأصبحت الحقيقة من النوافل، وتحوّل الثأر من بشار إلى كلام يمكن التنكيت عليه بسهولة، وراح قائده الفعلي وليد جنبلاط إلى توافق وغزل مع نبيه بري، سبقته اتصالات ورسائل غير معلنة تفيد بأن «حلفائي أغبياء وأنا لا أحمل مسؤولية ما يقولون».
■ الثالثة دائرة اللامعركة
كل ذلك جذب أنظار بعض من يشتهون المقعد السنّي في الدائرة الثالثة، وأصبحوا يتمنون أية مساعدة من حزب الله، دون أن يعلن الحزب تأييده لهم. هم يعتقدون بأن تحالفاً سرياً مع حزب الله وحركة أمل، مع حفاظهم على لكنة بيروتية مستحدثة تشتم الآخرين وتتكلم على غزو واحتلال لبيروت وغيرها من شعارات المستقبل الذي أخرجهم من حلم الوصول إلى الكرسي النيابي، يمكنه أن يوفّر لهم 33 ألفاً من الناخبين الشيعة في الدائرة الثالثة، ويسمح لهم بخوض معركة مع المستقبل الذي يسيطر على ما لا يقل عن 60 بالمئة في أقل تعديل من الصوت السني في هذه الدائرة، حيث يبلغ عدد الناخبين السنّة 157 ألفاً، إضافة إلى حصولهم على أصوات الأرثوذكس الـ 16 ألفاً، على الرغم من أن الكنيسة الأرثوذكسية حسمت موقفها من الآن إلى جانب الأكثرية ومرشحي 14 آذار.
ورغم أن المستقبل يتصرف على أساس أن بيروت الثالثة محسومة، إلا أنه لا شيء في الواقع يمنع المعارضة من خوض معركة جدية، إن لم تكن للانتصار بمقعد من المقاعد العشرة الموزعة على السنّة (5) الشيعة (1) الأرثوذكس (1) الدروز (1) الأقليات (1) والإنجيليين (1)، فلإرباك المستقبل وإشغاله عن التركيز على مناطق أخرى حيث إمكانات الفوز للمعارضة أكثر حظاً.
أما في الدائرة الأولى التي تضم الأشرفية والرميل والصيفي، فإن في المعارضة من يعلم قساوة المعركة التي ستخاض هناك. لكن ثمّة في المقابل بين أبناء بيروت، وخاصة السنّة، من لا يجد نفسه معنياً بهذه المعركة أصلاً، وهي بالنسبة إليهم مناطق أخرى لا تشبه بيروت التي يعرفونها، وبالتالي فإن دعم أو عدم دعم أقوى حلفاء المستقبل في الدائرة لا يعني الكثير لأبناء العاصمة في قسمها الأكبر، فضلاً عن التصويت بكثافة لزوجة بشير الجميل التي فقدت مع الزمن الكثير من عناصر الجاذبية للناخبين السنّة، إضافة إلى أن إرثها السياسي لا يحمّس أحداً من أبناء مناطق الدائرتين الثانية والثالثة على التصويت لها، دون الالتفات إلى نجلها الذي لا يمكن أن يحرك ساكناً (إيجابياً) لدى هؤلاء.
وعلى الرغم من ذلك، ستجنّد المعارضة الكثير من قواها لخوض معركة ترغب بالانتصار بها في الدائرة الأولى، وهي رشّحت عصام أبو جمرا من خارج المنطقة، مقابل ترشيح سليل آل الجميّل الآتي أيضاً من خارج المنطقة. وإن كان العماد عون لم يترجم ذلك كما يفترض، إلا أنه يمكن الإشارة هنا أيضاً إلى أن غسان تويني، جَدّ المرشحة نايلة على لوائح الأكثرية، سبق أن ترشح عن دائرة عاليه في انتخابات عام 1972.
أما الدائرة الثانية، فهي الأكثر حساسية في المعركة الانتخابية، وإن كان قد اتُّفق في الدوحة على عدم حصول عملية انتخابية فيها، إذ حسمت حصّة كلّ فريق مع عدم إعطاء الفريق الآخر حق الفيتو على مرشحي الطرف النقيض، ما كرّس عملياً نائبين لتيار المستقبل، بصفته قائداً لأهل السنّة، علماً بأن كل مصلحة المعارضة تقضي بنزع الزعامة المطلقة عن فريق المستقبل. كذلك أُعطيت المعارضة نائبان في هذه المنطقة التي لن يجد أهلها أسباباً كثيرة تدفعهم إلى النزول من منازلهم يوم الأحد لانتخاب أشخاص اتفق منذ عام على الحفاظ على مقاعدهم، وبقي أن يرسم كل طرف الملامح الأخيرة لوجوههم ويكتب أسماءهم على مقاعدهم البرلمانية المحجوزة سلفاً.
تنفيس الاحتقان
تركُ ثغَرٍ للشباب، كان شعار صائب سلام في معركة بيروت عام 1972. كانت الأجواء السياسية في البلاد تنذر آنذاك بتصاعد الغضب على نظام يعجز عن حماية نفسه.
وفي الوقت عينه، كان المدّ اليساري في أقصاه، والقوى الفلسطينية بدأت تؤثّر على المجريات السياسية المحلية، والحركة الشعبية حاضرة بقوة في الشارع. كانت الناصرية أهون الشرور.
إذ فقدت قائدها الأوحد جمال عبد الناصر قبل عامين، فكانت تلك الفكرة التي أطلقها صائب سلام سرّاً، لتنفيس احتقان الشارع في بيروت، حيث ترك ثغَراً في العملية الانتخابية تسمح بوصول ممثل للشباب لم يكن غير نجاح واكيم الذي خاض صراعاً مريراً للوصول إلى المقعد البرلماني.
الحريري ولكنة بيروت
لم يكسب أحد من آل الحريري لكنة بيروتية في الكلام، لا الأب الذي كان لا يزال يحتفظ بلكنة صيداوية، على الرغم من نقله سجلّ قيده لبيروت، ولا طبعاً الابن الذي شبّ بعيداً، ثمّ عاد إليها بلكنة ليست إلا خليطاً من عدة لكنات لا تشبه كلام أهل بيروت. ذاك الكلام الذي يعتزّ نائب مثل غسان تويني بأنه يستعيد لكنته تلقائياً حين يجالس بيارتة آخرين.
المال الانتخابي في الابتدائيّة
المال الانتخابي. تكاد العبارة السحرية تمثّل العامل الأبرز في الجولات الانتخابية اللبنانية، بدءاً من الانتخابات النيابية والبلدية، ووصولاً إلى انتخابات مختار الحيّ. وفي بعض الجامعات، تتبادل منظمات طالبية الاتهامات باستخدام المال في الانتخابات التمثيلية. لكن الأمر لم يتوقف عند هذا المستوى، إذ أصبحت الرشى الانتخابية أداة في اختيار مندوب (Délégué) أحد الصفوف الابتدائية المدرسية، وهو الذي تنحصر مهمته في محو ما يكتبه الأساتذة على اللوح، وإغلاق النوافذ والاهتمام بنظافة الصف.
الأمر حصل فعلاً في إحدى أعرق مدارس العاصمة، التي يرتادها أبناء الطبقة الوسطى. فقد ترشح إلى الانتخابات في أحد الصفوف الابتدائية طالب وزميلته (8 سنوات)، كان كل منهما يأمل أن يفوز بنتيجتها للحصول على لقب مندوب الصف، أو الـ«Délégué».
نظّم الطالب حملة كان متأكداً معها من فوزه، لكنه فوجئ صباح يوم الانتخابات بسلاح من العيار الثقيل تستخدمه منافسته. فقد وزّعت المرشحة على كل من زملاء الصف كيساً يحوي سكاكر ممّا لذّ وطاب، مع مبلغ «صغير» من المال يتجاوز ألفي ليرة للطالب أو الطالبة. نظافة الحملة الانتخابية لم تقِ الطالب المرشح شرّ الهزيمة، إذ اكتسحت منافسته الصندوق بمالها الانتخابي. وتبيّن للصبي أن زملاءه انفضّوا من حوله، ولم يكن له خلّ وفيّ سوى صديقه المقرّب.
إلا أنه لم يسكت عن حقه المهضوم، فبكى أمام والدته التي اشتكت لإدارة المدرسة، وفي النهاية أُلغيت نتائج الانتخابات، وأعادت إدارة المدرسة إجراء الانتخابات، مانعة مرشحة المال الانتخابي من خوض المنافسة مجدداً.
في الانتخابات المعادة فاز الصبي ذاته، ومن دون غش أو تزوير. أما والدة الفتاة التي استدعتها إدارة المدرسة لمساءلتها عن دورها في «تمويل» حملة ابنتها، فبررت ما جرى بأنه جزء من «أصول اللعبة».