أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

صالون الحلاقة: السياسة على كرسي الاعتراف

الخميس 26 آذار , 2009 05:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 9,288 زائر

صالون الحلاقة: السياسة على كرسي الاعتراف

■ المرّ يتصرّف على أساس «زعِّل مئة أستاذ ولا تزعّل لسان حلاق»
■ كمال جنبلاط وميشال عفلق جلسا على الكرسي نفسه
■ خوفاً من المقاطعة وظّف الحلاق السنّي مساعداً شيعيّاً

من مثل الحلاق معرفة بحقيقة توجّهات الناخب... والسياسي؟ هكذا، يصير الحلاق عنصراً إضافياً في الماكينات. علناً ينصح ويوجّه ويشكك مؤيدي الخصوم باختلاق أخبار، وسراً يصحح اللوائح الانتخابيّة، محدّداً من مع من ومن ضد من

غسان سعود
منذ نصف قرن، عند السابعة والنصف من كل صباح، يفتح أبو جميل صالون الحلاقة في أحد الأحياء المكتظة في أنطلياس.
غالباً، يستفتح بأستاذ يمر عليه في اتجاه المدرسة: أستفهم منه عمّا سمعته في نشرات الأمس، وغالباً ما أفاجئ زبوني الأول بمعلومات سبقته إليها. فأنا أستيقظ عند الساعة الخامسة، وأسمع نشرتَي أخبار على الراديو قبل النزول إلى الصالون. وإذا كان «الأستاذ» يعرف شيئاً جديداً أدّعي أنني أعرف الخبرية، ثم أرتبها برأسي قليلاً وأبهّرها لأقدّمها بجاذبية أكبر إلى الزبون الذي يليه. وهكذا، آخذ من هنا خبرية ومن هناك أخرى، وأراكمها لأصبح مرجعاً.
لاحقاً، تكرّ سبحة الأساتذة: المحامي، المهندس، المعلم، البنّاء، الفرّان، الطبيب؛ كلهم أساتذة. يؤستذ أبو جميل عليهم: سيناريو يذهل الزبون، فيصلي لكي أتمهل بقص شعره. وغالباً ما تصيب نظرياتي. أعتقد أنني أشطر من سياسيين كثيرين لا يفعلون شيئاً غير الترداد الببغائي لخطابات الزعماء، فيما المواطنون يتطلعون إلى التفاصيل. زبائني يحبون أن يسمعوا حقيقة الخلاف بين ميشال عون وميشال المر، وهم ينبهرون حين أروي لهم كيف أن آل المر أصلاً يحبون عون كثيراً، لكن الأخير لا يحتمل الجلوس مع من يصدقون أنفسهم. لهذا أحبَّ عون الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، لأنه متواضع. وفي الوقت نفسه، مقت الرئيس نبيه بري لأنه متعالٍ.
نحو العاشرة صباحاً، يفد الأصدقاء، يُخرج أبو جميل بضعة كراسي حديدية إلى الطريق العام قبالة الصالون، ويرحّب بطاولة الزهر فوق كرسي صغير، وتضيع السياسة بين ضربات النرد، مرة «شيش بيش»، وأخرى «ياك دوي». ويُشغل أبو جميل، فيأخذ العم منصور الكلام شارحاً أن الصالون من أقدم المحال في الحي، ومع وفود عائلات جديدة إلى الحي وتواصل الجميع مع أبو جميل لكونه الحلاق، صار بمثابة المرجعيّة.
هنا، لاعب الزهر، الأستاذ ـــ الحلاق أوامره ناهية، هو الأعرف في السياسة، يراعي الزبائن قليلاً، لكن كلمته لا تصبح كلمتين: «في يوم الانتخاب، يتحول الصالون مكتباً انتخابياً. الحلاق، يا ابني، يُنجِح مرشحاً ويُسقِط آخر. اسأل المر. هو، في المتن، أكثر من يعرف قيمتنا. ويتصرف على أساس المثل القائل «زعِّل مئة أستاذ ولا تزعِّل لسان حلاق».
يأخذ نفساً عميقاً، يتحرى بنظره إذا كان أحد من غير الموثوق بهم يسمعه، ثم يختم الكلام قائلاً: «أنا أعرف الصغير والكبير في هذا الحي كيف يفكر ولمن سينتخب، والفرز الذي تحتاج الماكينات الانتخابية إلى أسابيع لإعداده، يستغرقني بضع دقائق. قد يستطيع أحدهم خداع المختار أو «المفاتيح الانتخابية» التقليدية، لكن الحلاق يقبض بموسه على رقاب الناس، فلا يجرؤون على عدم مصارحته بمواقفهم الحقيقيّة.
• • •
شهادة فكتور سفر:
أنا هنا، في شارع بلس في الحمرا، منذ أربعين عاماً، ورثت الصالون من والدي. مرَّ عليَّ الكثير، وقصصت رؤوساً كثيرة، بينها أسماء جرّبتني حين كانت تدرس في الجامعة الأميركية في بيروت قبالة الصالون، وأدمنتني فحفظت الود، وبقيت تتردد إلى الصالون حتى بعدما لمعت في السياسة. كمال جنبلاط مرَّ من هنا، ومنح الصلح، وفاروق البربير، وبعدما صار ريمون إدّه عميداً صرت أزوره عند الساعة السابعة صباحاً كل بضعة أيام، فأقص له وللشباب الموجودين عنده. أما مؤسس حزب البعث ميشال عفلق، فكان يقصدني، وبعد ذهابه إلى العراق ظلَّ يرسل السلامات الحارة مع البعثيين اللبنانيين. وأذكر أيضاً وزير خارجية العراق السابق هاشم جواد. وأخيراً هناك الوزير خالد قباني، والوزير السابق عصام نعمان، الذي كان يخطب في الطلاب على مدخل الأميركيّة ثم يأتي إلى الصالون فيتبعه العشرات. نعمان كان طالب سنة أولى في الأميركية، وفي الوقت نفسه تسجّل في كلية الحقوق في الجامعة اللبنانيّة، وبعدما عرفت ازدواجية دراسته، طلب مني أن لا أخبر والده الذي يرفض أن يحمل ابنه بطيختين في يد واحدة. في النتيجة، أنهى اختصاصيه. الرجل عبقري.
دائماً نحكي في السياسة، كان عفلق قليل الكلام، لكن كلماته القليلة كانت أسراراً ورؤى تستبق الأحداث. الزبون يثق بالمزيِّن، وتصبح العلاقة مزيجاً بين الصداقة والاحترام المتبادل. لكني في هذه الفترة خفّفت، مللت السياسة والسياسيين. كنت أؤمن بالقضية الفلسطينيّة لكن أين صرنا وماذا فعل أهل هذه القضيّة بأنفسهم. وأنا، ابن رأس بيروت، علماني وتربيت على النظر إلى الإنسان بصفته إنساناً. لكن اليوم، السياسيون يكذبون، يقولون إنهم ضد الطائفية ولولا الطائفية لما كانوا يستطيعون الخروج من منازلهم. لهذين السببين أفضل الاعتكاف عن الكلام في السياسة. وفي يوم الاقتراع، سأذهب لأضع ورقة بأسماء الذين أراهم مناسبين. وعلى كل حال، فقد الحلاق أو المزين دوره التوجيهي، إذ ثمّة وعي اليوم وأصغرهم يعتقد أنه أفهم من أكبرهم: «قللوا تُفهمه أو تُبقيه على عمى قلبه؟ قللوا خلّيه على عمى قلبه».
• • •
بين حي البسطة التحتا في بيروت وحي وطى المصيطبة أكثر من مئة صالون. ففي بعض الأحياء، لكل بنايتين صالون. ومعظم الحلاقين شبان لا تتجاوز أعمار الواحد منهم الثلاثين عاماً. والجولة على هؤلاء تبدأ ولا تنتهي، كلام كثير، زبائن يريدون الاشتراك في الحديث، حلاقون يتصنّعون الحذر بداية ثم يأخذون راحتهم. يروي فضل في البسطا التحتا أنه اختار إدارة النقاش السياسي في صالونه من دون تدخل مباشر: «يا خيي، نحن هنا واحد سنّي وواحد شيعي، إذا دافعت عن فكرة يتهمونني بالانحياز لطائفتي فيقاطعني السنّة. هذا، إذا حصل مصيبة. في الانتخابات، أنا أقترع في الجنوب لكن الشباب أبناء المنطقة يقضون غالبية أوقاتهم هنا، ونتيجة ذلك يتأثرون بموقفي. «نمون»، نطلب بهدوء هذا لا ذلك. مع العلم أنني مقتنع بأنهم كلهم لا ينفعون.
الحلاق كنج في المصيطبة أكثر هدوءاً، هو ورث الصالون عن والده ومعه زبائن كثيرون. يقول: «للحي خصوصية، تمنع الحلاق من أداء دور انتخابي»، لكن ذلك لا يعني أن وجهة نظر والده لا تجد من يسمعها. وهو، الوالد، ما زال يتردّد صباحاً إلى الصالون: يقصده الأصدقاء، عِشرة عمر تجمعهم، يتناقشون ويحرصون على احترام وجهة نظره: سلّموا رأسهم له نحو خمسين عاماً، أقل ما في الأمر أن يحترموا رأيه، ويفكروا فيه مرتين.
لكن هل تفرّق الطائفيّة ما يجمعه الشَعر؟ حلّها أحدهم، هو سني في حي سني ـــ شيعي، فعمد إلى توظيف مساعد حلاق اسمه حسين. في وطى المصيطبة، قرب تلفزيون الجديد، يأخذ خليل استراحة ليتفرغ للحديث فيفد الجيران. وهو بمثابة ظاهرة بالنسبة إلى هؤلاء: خليل اليوم «قريب من اليسار الديموقراطي لكن أحترم كل الناس». كان الصالون صالوناً سياسياً بامتياز، لكن الشباب في الفترة الأخيرة يتوتّرون من دون سبب، وتطور النقاش بوحشية مرات عدّة ما اضطرني إلى التدخل فأضع الأمور عند حدِّها. مع الأخذ بالاعتبار أن «التهجم على أبو تيمور غير مستحب، و«نحلق» لمن يجرؤ على ذلك». ويروي خليل أن قادة اليسار الديموقراطي، يسلمونه رؤوسهم. وهو يتذكر خليل كيف أغضب زياد ماجد حين قصّر له ذقنه أكثر من المعتاد. ويقول إن الياس عطا الله «آدمي» وثابت على القصة نفسها. أما نديم عبد الصمد، فهو «فهيم ومطّلع».
تتقاطع تجارب الحلاقين البيارتة عند رأي مشترك: «بعد بضع زيارات، نفهم كيف يفكِّر الزبون، ونعرف كيف نراعيه. وكما لكل زبون قصّة شعر شبه ثابتة، هناك مدخل إلى الكلام السياسي والإقناع. ثمّة نقاط حساسة وأمور شخصية يخبرها الزبون فيخبئها الحلاق إلى اللحظة المناسبة ليعزف على وترها. يخبر أحدهم أن زبوناً أسرّ إليه أنه انتبه إلى أن «اجتياح» حزب الله لبيروت كان شديد التنظيم، واستهدف مباني محددة دون أخرى. ثم جاء بعد أسبوعين يكرر كلاماً قيل في الإعلام، فذكّره الحلاق بحديثه قبل أيام «فتبلكم». ويروي حلاق آخر عن زبون كان يذم بدفع تيار المستقبل الأموال للناس، فسأله عمّن دفع تكلفة تعليم أبنائه، «فتبلكم».
• • •
سابقاً، كان يُقال لا شيء يوازي النساء حول التنور من حيث كثرة الكلام إلا الرجال في صالون الحلاقة. ويشتهر أهل زمان في مراعاتهم للحلاقين لأن الترحم على الواقع تحت شفرات ألسنتهم لا ينفع. هؤلاء الحلاقون يكتشفون مع الوقت مفتاح تفكير زبائنهم، ويراعونهم لأن استمرارية الزبون، الذي لا يحب الحلاق النكد والمتشاطر، شرط نجاحهم في مهنتهم. لكن ذلك لا يعني أن دورهم الانتخابي يقف عند حدود النقاش العابر. فهم يعرفون الكثير ويعرفون أين يُظهرون معرفتهم. الحلاقون عناصر أساسية في عمل الماكينات الانتخابيّة، فهم يعرفون كيف يقصّون الشعر في يد، ويصنعون نواباً في اليد الأخرى.



حلاق الهراوي عند عون

 

حلاق العماد ميشال عون يوم كان ضابطاً في الجيش هو نفسه حلّاقه اليوم، إذ ينتقل طوني نصر الله، وهو غير المسؤول الإعلامي السابق في التيار الوطني الحرّ، إلى الرابية بمواعيد غير محدّدة. يعالج مظهر العماد ميشال عون عند إطلالاته الإعلامية وخلال المناسبات.
نصر الله الذي يذكر جيداً كيف كان عون يدخل صالونه في الحازمية بالبزّة العسكرية صار «المزين المعتمد» لمجموعة كبيرة في التيار يتقدمها الوزيران عصام أبو جمرا وجبران باسيل. مع العلم أن الرئيس الراحل إلياس الهراوي كان يداوم على زيارة صالون نصر الله حين كان نائباً وبعد انتخابة رئيساً، صار يستقبل نصر الله في بعبدا ليحلق له.

 



«سكسوكة» سعد

 

يبتسم أحد الحلاقين في مار مخايل، يبرم حول زبونه ملاعباً الشفرة بين أصابع كفه، ويشرح: هناك طريقة جديدة لتعرف السني من الشيعي، شباب السنّة صار عندهم نفس السكسوكة. والأمر مربح، يقصّون شعرهم مرة كل شهرين، ويهندسون السكسوكة كل يومين. الله يحميلنا الشيخ سعد.

ما يعجب خاطره

يقصُّ النائب نبيل نقولا شعره في صالون وسام، في جل الديب. ومع وصول نقولا إلى الصالون، يحتفل الحاضرون به، هنا سؤال وهنا معلومة. لكن في غمرة الاحتفال، يسر أحد الموظفين في الصالون: ليس كل ما تسمعه حقيقياً، المسؤول الكتائبي ساسين ساسين يحلق هنا أيضاً ويسمع «ما يعجب خاطره».

Script executed in 0.19035720825195