وهناك، وقفت زوجته تنتظر وصول موكبه، بيدها اليمنى صورته وباليد الأخرى وردة بيضاء أعدّتها لترافقه في رحلته الأخيرة، وقربها وقفت فتاة تردد «أنا بنت الشهيد، أنا بنت كمال».
وكانت الجنازة قد انطلقت من أمام جامع الإمام علي بن أبي طالب في الطريق الجديدة باتجاه شاتيلا، إلا موكب محمد حسن شحادة الذي توجه إلى عين الحلوة، تتقدمها عوائل الشهداء: ابنة الشهيد خالد ضاهر حاملة صورة والدها، وأهل الشهيد أكرم ضاهر. «حرقوا قلبها عليه»، تعلّق إحدى السيدات لمجرد رؤية ابنة ضاهر، بينما كان مسؤولو الفصائل والمنظمات الفلسطينية ينتظرون لإخراج التوابيت من باحة الجامع. أما في الخارج، وللتدليل على اجتماع الكلمة بين الفصائل، أخذ بعض عناصر حركة حماس ينظّمون الصفوف، أما عناصر القيادة العامة فقد أعطوا الإشارة لبدء قرع الطبول، فيما تولّى عناصر فتح الانضباط. وما إن رفرفت أعلام التنظيمات الفلسطينية في الطريق الجديدة، حتى علّقت إحدى المسنّات: «ذكّرونا بأيام الثورة»، تقصد الفلسطينية، أيام كانت منطقة الفاكهاني «عاصمتها». وما إن خرج الموكب، حتى نُثر الأرز من البنايات المطلّة، بينما انطلقت عيارات نارية من أسطح تلك البنايات عينها تحية. طول الطريق، لم تتعب حناجر المشيّعين. فمنهم من طالب بـ«وحدة وحدة وطنية، جهاد، حماس وشعبية»، فيما هتف البعض «ردّوا عليّ تنين تنين وينو سلطان أبو العينين»، وهو هتاف سرعان ما تولّى المنظّمون إسكاته. سلكت المسيرة الطرقات بهدوء. النسوة يبكين، وإحدى السيدات زغردت وهي تقول «الله معك يا أبو بلال». تصل الجنازة إلى وجهتها الأخيرة، تستقبل المشاركين صورتان لأبو عمّار وخليل الوزير (أبو جهاد). يصرخ أحد الشباب «هادول أحبابك يا كمال»، فيرتفع صوت البكاء. وعلى رصيف مقبرة شهداء فلسطين الممتلئة عن بكرة أبيها (راجع الأخبار 754)، وضعت التوابيت الثلاثة. تندفع الجموع باتجاه القبور، تُفتح التوابيت ويُخرَج الشهداء منها، فيرتفع العويل. تشير ابنة كمال إلى أبيها صارخة «هادا أبوي»، فيما ترمي زوجته بوردتها البيضاء في قبره. يقفز أحدهم إلى داخل القبر وهو يصيح بصوت متهدّج: «هادا حبيبي بدّي إنزل معاه»، ثم يصرخ «بدي قولها عالمكشوف جواسيس ما بدنا نشوف»، في إشارة إلى اتهام عملاء بعملية الاغتيال. يقترب الشيخ ماهر حمود من قبر مدحت فيقول: «ليتقبّلهم الله شهداء، وما فينا نعرف إذا شهداء أو لا»، يردّ شاب بغضب: «شهيد رغماً عنك»، فلا يعقّب حمود، وخصوصاً أن «الشباب» أسكتوا المتكلّم. يلقي عباس زكي كلمة يصف فيها مدحت بـ«شهيد القضية الفلسطينية وكلّ فلسطين»، معتبراً هذه «الجريمة النكراء لضرب الوفاق، لعلّهم يفتحون مسلسل الرعب والدم. ولكنّي أقول لهم إن هذا الوقت قد مضى». ودعت سفارة فلسطين إلى حفل تأبين سيقام الجمعة، عند الواحدة والنصف ظهراً، في قاعة فندق الجميلة ـــــ الجناح. (الاخبار)