ماذا حصل؟ دفعت ثمن التوافق، سيحل الرئيس نجيب ميقاتي محلي. أنا، كنت وما زلت، ضد التوافق، لكن ما العمل؟ النائب سعد الحريري يعطي الأولوية اليوم للتلاقي. في مكتبه، صور الرئيس الحريري تزين غير زاوية، والهاتف الخلوي لا يهدأ، يجيب دائماً بالكلمات ذاتها: «تسلم تسلم، أعرف محبّتكم، شكراً، الله يوفقك». وبصوت حزين، يقول علوش كلمات سعيدة: لم أضع شروطاً ولم أطلب تطمينات، فهمت مقتضيات المرحلة بسرعة وسهلت على تيار المستقبل المهمّة. لكن، كان يفترض بتيار المستقبل أن يبقي على «صقوره» ويعزز حضورهم لمواجهة الصقور الذين أعلن حزب الله ترشيحهم منذ بضعة أيام.
حرفياً، يقول علوش إن الائتلاف أنجز، وطرابلس ستمثل سنياً بالرئيس نجيب ميقاتي، الوزير محمد الصفدي، النائب سمير الجسر، النائب محمد كبارة والنائب مصباح الأحدب. أما علوياً فسيبقى النائب بدر ونّوس. وسيذهب المقعد الأرثوذكسي لروبير فاضل، فيما يفترض أن يحسم قريباً جداً أمر المقعد الماروني المتنازع عليه بين سمير فرنجية، مرشح تيار المستقبل وجان عبيد. ووفق علوش، فإن تقاسم نواب دائرة المنية ـــــ الضنية الثلاثة كان جزءاً من الصفقة، إذ سيحصل تيار المستقبل على مقعد النائب أحمد فتفت، والرئيس ميقاتي على مقعد يذهب إلى محمد علم الدين، الذي سيحلّ مكان النائب هاشم علم الدين، ويحصل الصفدي على المقعد الثالث الذي يشغله النائب قاسم عبد العزيز.
وماذا عن الرئيس عمر كرامي؟ كان مرحّباً به، يقول علوش، لكنه تمسك بالحصول على مقعد سني لنفسه ومقعد سني آخر لخلدون الشريف، وطالب بإعلان اللائحة من منزله. بمعنى آخر، والكلام لعلوش دائماً، استبعد كرامي نفسه.
هكذاً إذاً، بحسب «توزيعة علوش»، يحصل تيار المستقبل على 3 مقاعد (الجسر، فتفت وونّوس)، ويحصل الصفدي على 3 مقاعد (الصفدي، عبد العزيز وفاضل)، ويحصل ميقاتي على ثلاثة (ميقاتي، علم الدين وعبيد)، ويحافظ كبّارة والأحدب على مقعديهما. ويستثنى من الائتلاف الموعود الرئيس كرامي.
مصادر الصفدي لا تقدم جديداً، غير أن أحدَ المقربين منه ينسف كلام علوش بسؤاله عن هدف الصفدي من إيعازه إلى حلو حلو ونزيه كبارة ومحمد عيسى للترشح، الأول عن المقعد الماروني، والثاني والثالث عن مقعدين سنيين. وسرعان ما يطرح الطبيب، القريب من الصفدي، إشكاليّة أخرى تعيد خلط الأفكار: الهدف من زيارة السنيورة، التي نقلها تلفزيون الجديد ولم يكترث لأمرها تلفزيون المستقبل، كان تسويق وزير المال محمد شطح عن أحد المقاعد في المدينة.
بدوره، لا يملك فريق عمل ميقاتي إلا التأكيد على إيجابيّة المرحلة. وفي معلوماتهم أن لقاء الحريري وميقاتي، أمس، هدف إلى المداولة أكثر بشأن مقعد عاصمة الشمال الماروني، إذ «يفترض أن يقبل الحريري المثالثة، وخصوصاً أن إعطاء الصفدي حجماً نيابياً أكبر من حجم ميقاتي هو أمر يستحيل قبوله». ويقول بعض فريق ميقاتي إن علوش، بعد لقائه الحريري، كان يقول إن ترشح فرنجية على اللائحة حسم، لكنه تراجع عن هذا الموقف لاحقاً، وبدأ الكلام عن تنافس جدي بين فرنجية وعبيد الذي قال في مقابلته مع مرسيل غانم إنه تفاهم مع ميقاتي على السرّاء والضرّاء.
أما في صالون صديق الرئيس عمر كرامي، المرشح خلدون الشريف، فثمّة كلام يستحق الإشارة: ما معنى الائتلاف من دون الرئيس عمر كرامي؟ ولماذا يعطي «ائتلاف علوش» حجماً لميقاتي والصفدي وتيار المستقبل أكبر من حجم كرامي، رغم أن نسبة تمثيل الأخير في طرابلس أكبر من النسب الفردية لكل من ميقاتي والصفدي وتيار المستقبل؟ ثم، ألم يكن كرامي، في المرحلة الماضية، توافقياً بامتياز: واجه الفتنة المذهبية، رفض ترؤس أي تشكيل مذهبي، وأظهر رؤيته من خلال عودة الجميع إلى موقفه من العلاقات اللبنانية ـــــ السورية. وختام كلام الشريف واضح، ثمة احتمالان لا ثالث لهما، إما توافق إقليمي ينعكس ائتلافاً حقيقيّاً في طرابلس، أو توافق إقليمي هدفه الشمالي التخلص من كرامي. في الحالة الثانية، ستكون المعركة صعبة طبعاً، لكن رمزية المعركة في وجه العالم كله ستزيد من جاذبيتها.
وبعيداً عن منازل السياسيين، تتمة الكلام في صالونات أخرى تمتد على طول اللقاءات السياسية في المدينة العابقة قبل شهرين من الانتخابات بصور وشعارات ومكاتب خدماتية: يقول أحدهم إن طرح المستقبل استعداده استبدال ميقاتي بعلوش وكرامي بالأحدب هو الاستعلاء بعينه. إذ لا يعقل أن يقبل كرامي، ولو بالشكل، أن يمنّ زعيم قريطم عليه بمقعد الأحدب. والغريب، يقول آخر، أن يقبل ميقاتي بهذا الأمر.
وفي أكثر من مكان، السؤال نفسه: كيف يكون لتيار المستقبل 3 مرشحين، ولميقاتي 3 آخرين، وللصفدي 3 أيضاً، ثم يطلب من كرامي الانضمام إلى الائتلاف بمفرده أو بمرشح واحد. هذه الأسئلة تنتهي عادة عند موقف تختتم به أحاديث طرابلس السياسية: الحريري يريد إحراج كرامي لإخراجه، ولاحقاً سيقول الحريري إن كرامي اختار خوض معركة سنيّة ـــــ سنيّة وتعريض المدينة لظروف غير مستحبّة شعبياً، فيضمن تكريس صناديق الاقتراع لضمور زعامة كرامي. سيناريو تراه مجموعة من الأطباء المجتمعين في كافيتيريا مستشفى النيني، حيث يعمل علوش، مفضوحاً، وسيسهل على كرامي كشفه أمام الرأي العام.
في النتيجة، يستخلص أحد الأطباء: لا ائتلاف في طرابلس من دون كرامي، وبقاؤه خارج المشاورات يعني أن الودّ السعودي ـــــ السوري لم ينضج بعد، فثمة من يجزم في طرابلس بأن النتيجة الأولى للتفاهم السعودي ـــــ السوري ستكون الاتفاق على تسمية كرامي رئيساً للحكومة الأولى بعد الانتخابات.