أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

عندما يجول «حزب الله» في لندن مخترقاً «صقيعها»

الثلاثاء 07 نيسان , 2009 04:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,002 زائر

عندما يجول «حزب الله» في لندن مخترقاً «صقيعها»
بموازاة اهتمام «حزب الله» بترتيب أوراقه الانتخابية قبيل أسابيع من استحقاق السابع من حزيران، يولي الحزب عناية لإشارات «حسن النية» التي تأتيه من عواصم غربية في إطار الانفتاح المستجد عليه، بعدما كان مصنفاً كجزء عضوي من محور الشر وامبراطوريته الممتدة من سوريا الى كوريا الشمالية مروراً بغزة وإيران.
ومن الواضح ان نهاية عهد الرئيس جورج بوش الذي غادر البيت الأبيض متأبطاً كل إخفاقاته لتتدحرج خلفه تدريجياً حجارة الدومينو الاميركية، قد شكلت «البيئة المناسبة» لنضوج وتسارع التحولات في طريقة مقاربة العديد من الحكومات الاوروبية لقضايا المنطقة وأدوار «قوى الممانعة» فيها، بعدما تكررت المحاولات خلال السنوات التي تلت غزو العراق لوضع تلك القوى في «الحجر الصحي»، أملاً في ان يؤدي عزلها إلى تآكلها من الداخل، ما دام الإجهاز عليها بالضربة القاضية كان متعذراً.
أما وان سياسة العزل والحصار قد أخفقت وتقرر استبدالها بسياسة «فتح النوافذ» التي من شأنها ـ إذا أثمرت ـ أن تمهّد الطريق أمام «فتح الابواب»، فقد جاء الانفتاح البريطاني على «حزب الله» مؤخراً بمثابة أحد تجليات المعادلة الجديدة التي تتحكم بقواعد اللعبة في المنطقة، لا سيما ان لندن كانت معروفة أيام رئيس الوزراء السابق طوني بلير بأنها من أوفى الحلفاء للرئيس بوش واستراتيجيته الهجومية، وبالتالي فإن قرارها بإنهاء القطيعة مع «حزب الله» يكتسب، استناداً الى هذا الماضي، دلالة بليغة.
في ظل هذا المناخ الدولي المختلف، تلقى «حزب الله» في كانون الثاني الماضي دعوة من النائبين البريطانيين جريمي كوربن (حزب العمال) وجورج غالاوي (حزب الاحترام)، للمشاركة في افتتاح مقر للرابطة الدولية للبرلمانيين المدافعين عن القضية الفلسطينية في لندن، مطلع نيسان. يومها، كانت العلاقة بين الحكومة البريطانية و«حزب الله» ما تزال مقطوعة. لكن، بعد فترة قصيرة من توجيه الدعوة، أرسلت لندن رسميا أولى إشارات الرغبة في تجديد الحوار مع الحزب، الذي رد على التحية بمثلها مبدياً الاستعداد لأي حوار تحت سقف ثوابته المعروفة.
وهكذا، اختمرت البيئة السياسية المؤاتية للزيارة التي قام بها قبيل أيام عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب الدكتور حسين الحاج حسن الى بريطانيا، حيث ألقى كلمة أمام مجلس العموم البريطاني وفي مقر stop the war أي (أوقفوا الحرب) الى جانب مشاركته في افتتاح مقر رابطة البرلمانيين المدافعين عن القضية الفلسطينية ولقاءاته مع عدد من النواب واللوردات (من حزبي العمال والمحافظين) والإعلاميين والناشطين.
وبما يعكس المزاج الجديد السائد في بعض الاوساط الغربية، كان لافتاً لانتباه أن أياً من الشخصيات البريطانية لم يأتِ خلال الاجتماعات مع ممثل «حزب الله» على ذكر الاتهام الرائج له بـ«الارهاب»، كما خرجت من التداول المعادلة التي تميز بين الجناح العسكري والجناح السياسي للحزب. باختصار، بدا أن البريطانيين اصبحوا يتعاطون مع «حزب الله» بصفته أمراً واقعاً مسلّماً به، على المستويين السياسي والشعبي، فيما خفتت الاعتراضات الكلاسيكية المعروفة على دوره العسكري المتصل بالمقاومة.
إلا أن ذلك، لم يمنع البريطانيين من طرح أسئلة كثيرة حول مواقف «حزب الله» حيال ملفات الوضع الداخلي اللبناني، والصراع العربي ـ الاسرائيلي. استفسروا عن نظرة الحزب الى «عملية السلام»، وأبدوا شيئاً من الاسف على خروج تسيبي ليفني من السلطة في إسرائيل لمصلحة بنيامين نتنياهو، «لأن ذلك سينعكس سلباً على دينامية عملية السلام التي تتطلب معتدلين مثل ليفني».
رد الحاج حسن سريعاً، بأن لفت انتباه محدثيه الى «ان ليفني ذاتها كانت قد صرحت قبل مدة، كوزيرة للخارجية، بأنها تشجع على ترانسفير فلسطيني جديد يدفع بعرب الـ48 الى خارج ارضهم، وهي بذلك لا تقل تطرفاً عن طروحات وزير الخارجية الجديد أفيغدور ليبرمان، ولذا ننصحكم ألا تحاولوا إقناع أنفسكم بوهم ان هناك فارقاً بين اولمرت ونتيناهو او بين ليفني ونتنياهو وليبرمان»..
وسئل ممثل «حزب الله» عن توصيف الحزب لواقع إسرائيل الآن، فأجاب بانها في مأزق، «لأنها لا تريد السلام وهي في الوقت ذاته باتت عاجزة عن الحرب». وإزاء هذه المعادلة، قيل له: كيف يكون الحل؟ فجاء الجواب: هذه ليست مشكلتنا.. من أوجد إسرائيل عليه ان يبحث عن الحل.
واتسع بيكار النقاش، ليشمل المسائل اللبنانية الداخلية، حيث أبدى البريطانيون اهتماماً بمعرفة الخطوة التالية التي سيقدم عليها «حزب الله» في حال فوزه والمعارضة في الانتخابات النيابية المقبلة، بل ان أحدهم كان أكثر تحديداً وسأل: ماذا ستفعلون بالفريق الآخر؟ هنا، جاء الرد على إيقاع أدبيات الحزب: نحن متمسكون بالشراكة، واننا نعرضها على الفريق الآخر منذ الآن، ولكنه هو الذي يرفضها.
وأثار بعض المحاورين البريطانيين أحداث 7 أيار، طالبين استيضاحات عن سبب مبادرة الحزب الى شن هجوم عسكري على بيروت في ذلك اليوم. أتى الجواب مستعيداً قرارات الحكومة غير الشرعية في 5 أيار «والتي شكلت شرارة المواجهة، معطوفا عليها تراكم سياسات الاستفراد بالسلطة واختزالها بعد تهميش شريحة واسعة من اللبنانيين، الامر الذي أدى في نهاية المطاف الى انفجار برميل البارود، علما انه وبرغم ما حصل، فان حزب الله كان حريصاً على تجاوزه وتأكيد الشراكة».
وعندما طُرح على موفد «حزب الله» الى بريطانيا مصير السلاح، «ولماذا لا يكون امتلاكه حقاً محصوراً في الشرعية اللبنانية»، شرح الحاج حسن تجربة المقاومة خلال سنوات طويلة من عملها، ليخلص الى التوضيح بأن مسألة الاستراتيجية الدفاعية وموقع سلاح المقاومة فيها، هي حالياً موضع بحث على طاولة الحوار الوطني.
وفي الخلاصة، يمكن الاستنتاج بأن الصورة النمطية عن «حزب الله» والتي كانت سائدة في غالبية الاوساط الغربية هي في طور إعادة التشكل، ولو ببطء، إلا ان هذه البداية لا تزال تحتاج الى الكثير من الجهد والمتابعة حتى تتطور في اتجاهات أكثر رسوخاً وعمقاً.

Script executed in 0.19424200057983