فلولا هاجس «تحجيم» عون وسحب ورقة التمثيل المسيحي من يد الأقليّة النيابيّة لما كانت مكانة الجميّل وجعجع وشمعون ضمن تحالف الأكثرية هي المكانة التي يتمتعون بها اليوم، وخصوصاً أن حزباً، كالهانشاك، أكثر تمثيلاً نيابياً وحضوراً في المجلس النيابي من حزب الكتائب، تماماً كما كان التكتّل الطرابلسي أكثر تمثيلاً نيابياً وحضوراً في المجلس من حزب القوات اللبنانية. ولولا قرار حزب الله وحركة أمل التنازل عمّا أمكن من مقاعد مسيحيّة في دوائر ذات غالبية شيعيّة، لما رضخ تيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي وتنازلا عن مقاعد يعتبرانها حقاً مكتسباً، وذلك في سبيل التقدم درجة في سلّم مزايدات الحلفاء في حب بعضهم بعضاً.
فمع بدء تيار المستقبل والتقدمي بتلمّس نتائج الانتخابات غير الإيجابية بالنسبة إلى حلفائهم المسيحيّين في غالبيّة دوائر جبل لبنان، حصل التغيير في مقاربتهما لتوزيع المقاعد المسيحيّة. وبسحر ساحر، هو العماد ميشال عون هنا على الأرجح، تقرر إقصاء النائب السابق غطاس الخوري الموعود برئاسة الجمهوريّة مرة والمتنازل عن النيابة مرة والمبعد عن الوزارة مرّات، لمصلحة بقاء النائب جورج عدوان في مقعده وتبنّي ترشيح دوري شمعون، رغم كل ما كان جنبلاط يقوله بحق عدوان وشمعون. ومن الشوف إلى عاليه، كان وليد جنبلاط عادلاً بحق مسيحيي الأكثرية في مناطق نفوذه، فمَنَّ على ثالث الأطراف، حزب الكتائب، بمقعد النائب أنطوان أندراوس ليذهب إلى مستشار الرئيس أمين الجميّل فادي الهبر.
ولم يكن الحريري أقلَّ كرماً أو عدلاً بحق الثلاثي الطموح، ولو على حساب أصدقاء قريطم «اليساريين» والودودين والمهضومين؛ فأقصى زعيم قريطم النائب إلياس عطا الله عن مقعده الماروني في طرابلس، وأبعد جان عبيد ليأتي بسامر سعادة إرضاءً للكتائب. وأبعد نائبه سيرج طورسركيسيان، دون الوقوف على خاطر الأحزاب التي حالفها والده وعادى غالبيّة أبناء طائفة مؤثرة من أجلها، إفساحاً في المجال أمام موطئ قدم قواتية في الأشرفية عبر مرشح أرمني هو ريشار قيومجيان. وهكذا، تكون الأكثرية قد أعطت كلاً من القوات والوطنيين الأحرار نائباً يفوز بفضل الصوت السنّي والدرزي (جورج عدوان ودوري شمعون)، وأعطت الكتائب نائبين، واحداً في عاليه هو فادي الهبر وآخر في طرابلس هو سامر سعادة، يفوزان أيضاً بفضل الصوت الدرزي والسنّي.
غير أن المشهد المسيحي الأكثري لا ينتهي هنا. ففيما أظهرت الترشيحات أن حجم الوطنيّين الأحرار لا يتعدى المرشحَين (واحد في الشوف هو شمعون وفوزه أكيد، وآخر في بعبدا هو إلياس أبو عاصي واحتمال فوزه ضئيل)، تمثّلت المفارقة عند ظهور توزع الترشيحات بأن الحزب المسيحي الأكثر جديّة في مواجهة عون، هو الكتائب لا القوات كما كان يُعتقد.
فعشيّة الانتخابات، يبدو التقوقع القواتي شمالاً واضحاً، إذ تخوض القوات معركة عائليّة بمرشحين حزبيين في بشري، هما النائبان ستريدا جعجع وإيلي كيروز، ومعركة سياسيّة بامتياز في الكورة والبترون عبر مرشحين حزبيين أيضاً. أما في زغرتا، فتبدو القوات المعنية الأولى بالمعركة، وثمّة تبادل واضح للأدوار والتطلعات بين القوات ـــــ الحزب والمرشَّحَين ميشال معوض وجواد بولس. فمن جهة تستعين القوات بحليفيها لدخول دائرة سليمان فرنجية وتستقطب أنصارهما (ثمة مجموعة كبيرة من فريق عمل الرئيس رينيه معوض بات جزءاً من ماكينة القوات، مثل الأب جورج وهبه، والد ريكاردو وهبه مسؤول القوات في زغرتا، أسد عساف من بلدة مزرعة التفاح، مختار بلدة قيطو ريمون علوان ومختار كفرفو جوزف صهيون)، ومن جهة أخرى يراهن جواد بولس على الحلف مع القوات لبناء حيثيّة خاصة تحرره من التبعية لآل معوض. فيما يعتقد معوّض أن القوات توفر له الغطاء السياسي. وفي النتيجة، تبدو القوات شمالاً، في البترون والكورة وزغرتا وبشري رأس الحربة في مواجهة عون، فيما تركت الكتائب ساحات الأقضية المسيحيّة راضية بنقل ترشيح سامر سعادة من البترون إلى طرابلس، ومفاوضة بشأن ترشيح جورج سعود في عكار، حيث يرفض الكتائبيون اعتبار نضال طعمة كتائبياً رغم الإشارات الحريريّة بهذا الخصوص.
وفي جبل لبنان، ترشّح القوات جورج عدوان، في الشوف، ليفوز بأصوات غير المسيحيين، وتغيب عن جبيل، كسروان، عاليه، بعبدا، وتخوض معركة على أكثر من جبهة لتحجز مقعداً لمرشحها في المتن، إدي أبي اللمع، على لائحة الأكثرية. في المقابل، تتزعم الكتائب مواجهة عون في المتن عبر سامي الجميّل عن المقعد الماروني وإيلي كرامة عن المقعد الكاثوليكي، وتخوض معركة كسروان مباشرة عبر سجعان القزّي، وتحاول تحجيم النفوذ العوني في عاليه عبر ترشيح فادي الهبر هناك.
أما في بيروت، فلم تنفع «تراتيل» القوات: الأشرفية البداية بداية البشير، ولا الشعارات: وحدها بتحمي الشرقية القوات اللبنانيّة، فرشّحت الكتائب نديم الجميّل، فيما لم تجد القوات إلا مقعداً أرمنياً يقول النائب سيرج طورسركيسيان إن أمره لم يحسم بعد. وفي البقاع، تخوض القوات معركة مستحيلة، لا طعم ولا لون لها، في دائرة بعلبك ـــــ الهرمل، فيما تتزعم الكتائب، عبر إيلي ماروني، أمّ المعارك البقاعية في زحلة. وفي الجنوب، يتكرر مشهد البقاع نفسه، تخوض القوات معركة تسجيل نقاط في الزهراني، فيما تتحمل الكتائب عبء المعركة الجدية في وجه عون وحزب الله وحركة أمل في جزين، عبر إدمون رزق.
ختاماً، يقول أحد المتابعين إن ثلاثة أسباب دفعت الأكثرية، وخاصة تيار المستقبل، إلى إعادة حساباتها الانتخابيّة وتعزيز حضور الكتائب عبر إعطائه الحد الأدني من المقاعد النيابية:
1ـــــ تبيّن الخريطة الانتخابية، السابق ذكرها، أن الكتائب هو الحزب المنافس جدّياً للتيار الوطني الحر لا القوات.
2ـــــ أُخذ توزيع المقاعد الحكومية لاحقاً في الاعتبار، إذ إن حصول القوات على 3 مقاعد نيابية (2 في بشري وواحد في الشوف) والكتائب على 3 مقاعد (1 في طرابلس، 1 في عاليه، و1 في المتن) يحتّم عليهما القبول بمقعد وزاري واحد لكلّ منهما.
3ـــــ تسهيل التسويات التي يترقّبها وليد جنبلاط، الذي يدرك أن الجميّل يعرف كيف يتكيَّف، أما جعجع فغالباً ما يذهب إلى أماكن في السياسة تصعب العودة منها.
بالعودة إلى ميشال عون، يبدو الرجل متقدّماً كثيراً على خصومه، هو يخوض معركة مباشرة على حوالى خمسين مقعداً، ويأمل الفوز بخمسة وثلاثين منها. أما أمين الجميّل وسمير جعجع ودوري شمعون، فيخوضون مجتمعين معركة مباشرة على حوالى عشرين مقعداً، ويأملون الفوز بعشرة منها فقط. أحياناً، تحتاج الزعامة إلى أكثر من تفهّم حليف، كما يكرر وليد جنبلاط القول دائماً.