انطلق موسم البحر، وما حلّ فصل الصيف بعد. مئات المواطنين ما انفكّوا يتوافدون إلى الشواطئ منذ أن ارتفعت الحرارة، هرباً من هموم يوميّاتهم وضجيجها. المشهد في عرض البحر لا يختلف كثيراً مع خروج المراكب البحرية في نزهات أو رحلات صيد.
مشهديةٌ، كانت لتكون في قمّة الروعة، لولا البعض الكثير الذي دأب على تخريبها وتشويهها. وكأن قدر اللبنانيين ألا يتنعموا بالقليل المتبقي لهم. أو كأن موتهم بحوادث سببها الإهمال والتقصير... بات قضاء وقدراً!
يزداد الحديث راهناً عن نسبة تلوّث مرتفعة في بحر لبنان، وقد وصل الأمر إلى حدّ التحذير من السباحة في بعض المناطق. موجعٌ هذا الواقع، فحتى هذا الملاذ الترفيهي بات مضرّاً بالشعب الذي يرزح تحت إهمال الدولة في شتّى القطاعات. لكن، إذا كان تلوّث المياه قادراً على طرح المواطنين على فراش المرض، فإن ثمة ما
يغزو مياهنا تلك، وهو قادر، بسهولة وسرعة، على وضعنا في نعوش وقبور! الحديث هنا، وكما كلّ عام طبعاً، يدور عن "الجيت سكي"، بخاصة وأنه لوحظ عددها المتزايد راهناً. ومن يظنّ أن في التنبيه من مخاطرها مبالغة أو كذباً، فننصحه بإلغاء كلّ مشاريعه هذا "الويك أند" والتوّجه إلى البحر "لمعاينة" الوضع، علماً أنه ليس بحاجة حتى إلى الإبحار على متن قارب سياحيّ لرؤية "فظاعات" هذه المركبات، إذ انّ سائقيها سوف يتكفلون بملاقاته على الشاطئ حيث يسبح!
كما على البرّ، كذلك على البحر..."الفوضى عارمة". وكما باتت طرقاتنا مصيدة لأرواح المواطنين، فإن بحرنا سيُصبح بدوره خاطفاً للأنفاس ما لم تتخذ إجراءات صارمة اليوم قبل الغد.
وإذا كان الحلّ للحدّ من حوادث السير هو بتطبيق القانون لا بمنع السيارات، فإن تبديد المخاطر الناتجة من الـ Jet ski لا يتمّ بدوره بمنعها. لكن ماذا لو لم يكن من قانون يلحظ هذه المركبات البحرية من أصلها؟
للأسف، فإنّ "الجيت سكي" لا تخضغ لأي قانون... وذلك فقط في لبنان! فمن المعروف أنّ القانون الذي ينظم عمل المسابح في لبنان الصادر عام 1970 لم يأت على ذكر هذه الآلات البحرية الترفيهية والرياضية الحديثة لعدم توافرها آنذاك، وهو (أي القانون) لا يزال معمولاً به حتى الساعة!
كيف يُنظم عملها إذاً؟ عملياً، تشرف على عمل "الجيت سكي" الجهة التي تقوم بتأجيرها. في العادة، يفرض أصحاب هذه المركبات او المنتجع الذي يوّفرها على الراغبين باستئجارها أن يوقعوا على تعهد يتحملون بموجبه مسؤولية أي حادث او عطل يتسببون به، وبالتالي فإنهم يطالبون "الزبون" بإصلاح الأضرار على نفقته الخاصة. وقد لا يوقع سائقها على أي عقد يلزمه باحترام القواعد، إن وجدت! أما في حالات حوادث الموت، فأحدٌ لا يتحمل المسؤولية!
ومع أنّ عدداً من المنتجعات البحرية التي تقوم بتأجير الجيت سكي قد قام بتحديد مسلك لخروجها ودخولها بعيداً من السابحين، تظلّ هذه المركبات تتهدد المتواجدين في المكان للسباحة بسبب تهوّر السائقين وعدم التزامهم بالتعليمات...إن وجدت هذه الأخيرة أصلاً!
فمن الواضح أنّ أصحاب "الجيت سكي" لا يعنيهم سوى الحصول على المال، ولا يتنبّهون إلا لعودة المركبة في الوقت المحدد وفقاً للسعر! أمّا ما يحصل في البحر، فهذا "آخر همهم".
أن يعتلي المستأجرون هذه المركبات السريعة من دون ارتداء سترة نجاة، أمرٌ ثانويّ! أن يُسمح للمراهقين والأطفال بقيادتها، لهي "قصة بسيطة". أن تقود الأغلبية من الأشخاص الجيت سكي بطريقة جنونية ومتهوّرة، حدّ اقترابهم الشديد من المراكب المُبحرة بسلام، فهذا من ضروريات "القبضنة". أن يُحدث هؤلاء موجات "تسونامي" تضرب المستلقين على الرمال أو البحص وتكاد تسحبهم مثل تيّار شرس، ليس إلا نتيجة "أدرينالين" فائض. بسيطة!
أن يقع السائقون من على متن هذه المركبات، ويضيعون مفتاحها، ويستنجدون لأنهم لا يجيدون السباحة وقد باتوا على مرمى حجر من الاصطدام بالصخور أو الغرق، فهذا شأنهم!
أن يقرر أحد "المغامرين" التسابق مع مركب بحريّ لأنه يريد إظهار عضلاته المفتولة أو ربما إثبات شخصيته، فلا بأس طالما أنّ خفر السواحل غائبٌ بشكل فاضح من البحر!
وبعد... أن يغرق بحرنا في فوضى قاتلة، فيبتلع روّاده وعشاقه وكباره وصغاره، لأن تحديث قانون في المجلس النيابي أو فرض إجراءات صارمة للحدّ من كلّ تلك المخاطر، هما من المهمات الصعبة التي قد لا تصبح سهلة إلا بعد وقوع الكارثة وحمل النعوش...فهذا أمرٌ اعتدناه لكن ما ارتضيناه!
فهل من يتحرّك على أبواب صيف نريده ممتعاً لا مظلماً؟! وهل ستتنبّه دولتنا في لبنان المطلّ على البحر الأبيض المتوسط أنّ ثمة ما يُسمّى بـ"معايير السلامة العامة"، عليها أن تفرضها؟!
المصدر: (ربيكا سليمان / لبنان 24)