ذكرت صحيفة "المستقبل" أنه زمن الفوضى والعبث بأرواح الناس. زمن السلاح القاتل غير الخاضع لسلطة الدولة الذي يحصد أرواح الأبرياء أينما كانوا من دون حسيب أو رقيب في بلد أصبحت فيه حياة الإنسان متوقفة على رصاصة مصدرها سلاح متفلت بيد شُبّان لا يُقيمون وزناً لا للعدل ولا للعدالة. وعلى يد بعض من هؤلاء، سقط أوّل من أمس الشاب روي حاموش إبن الأربعة وعشرين ربيعاً بعد مطاردة ثلاثة شُبّان له بسيارة من نوع "بي أم دبليو" داكنة الزجاج، والذين أوقفوه في منطقة الكرنتينا حيث قاموا بتصفيته بدم بارد قبل أن يفرّوا إلى جهة مجهولة.
تمرّ حكايات الموت بينهم، وكأنها أصبحت من سنن حياتهم. يتأرجحون على حبال صنعت من أوجاعهم وضياع أحلامهم. يتحولون إلى مُجرد ذكرى تُتلى عليهم أنواع من الصلاة، فلا الحياة تنصفهم ولا أصوات استغاثاتهم تصل إلى مسامع المعنيين ولا المسؤولين عن رصاص غدر بات يتسيّد الواقع وينشر موته على صفحات الحياة. وغالباً ما يُصيب هذا الرصاص، رصاص الحقد والغدر، الناس في الطرقات أو على الشرفات أو حتى داخل منازلهم. وغالباً ما يبقى الفاعل مجهولاً قيد الملاحقة إلى أن يُلقى القبض عليه، أو يعفو الزمن عنه ويُصبح طي النسيان ضمن مناطق غير خاضعة لسلطة الدولة.
اللافت في قضية الشاب روي، أن الفاعل لم يبقَ طليقاً لفترة طويلة، إذ سرعان ما تم إلقاء القبض عليه على يد "شعبة المعلومات". وفي بيان للمديرية العامة لقوى الأمن الداخلي جاء فيه أنه "فجر أمس الأول 7/6/2017 وفي محلة الكرنتينا، تعرض المغدور الشاب روي حاموش لإطلاق نار من قبل اشخاص مجهولين ما ادى الى مقتله. أمام هذا الحادث المأسوي اعطى المدير العام لقوى الامن الداخلي اللواء عماد عثمان توجيهاته الصارمة للقبض على المجرمين باسرع وقت ممكن. وعلى الفور، باشرت القطعات العملانية في قوى الامن الداخلي بأقصى طاقتها في الإستقصاءات والتحريات. فتمكنت شعبة المعلومات في وقت قياسي وفي خلال عملية امنية نوعية من توقيف المشتبه به الرئيسي في محلة برج حمود مختبئاً لدى صديقته، ويدعى: م. ح. أ مواليد عام 1984، لبناني، وبالتحقيق معه اعترف بتنفيذه الجريمة. وقد ضبط بحوزته مسدس حربي وقنبلتان يدويتان".
ولاحقاً تمكنت دوريّة تابعة للمديرية العامة لأمن الدولة، بناء لإشارة المحامي الاستئنافي في جبل لبنان، من توقيف المدعو (ه. م) في منطقة نهر ابراهيم. وهو أحد الأشخاص المشاركين في قتل روي وهو من مواليد 1992 من بلدة حربتا في محافظة البقاع بقضاء بعلبك. وفي غضون ساعات، أوقفت القوى الامنية المشارك الثالث في الجريمة ويدعى ع.غ (علي غندور) وهو سائق سيارة الـ"بي. ام" الذي كان بصحبة رفيقيه هـ.المولى و م.الاحمر من بلدة إيعات البقاعية. وأكدت أن التحقيق جار مع منفذي الجريمة باشراف القضاء المختص.
ضحايا السلاح المتفلّت في لبنان في تصاعد مستمر يوماً بعد يوم، بينما تقف الدولة عاجزة عن توقيف ظاهرة القتل هذه أو الحد منها، في وقت يُحتفظ بسلاح الموت بين الناس وداخل السيارات والمنازل وعلى الطرق، ويتنقل من يد إلى أخرى والهدف واحد وهو اصطياد حياة الناس الأبرياء والآمنين. وفي عملية حسابية يتبين أنه منذ بداية العام الحالي وحتى نهاية أيار 2017 (قبل شهر من إنقضاء النصف الاول منه) وصل عدد جرائم القتل الى 107 (بحسب إحصاءات الشركة الدولية للمعلومات)، وهو رقم يعكس ارتفاعاً في عدد القتلى مقارنة مع 73 قتيلاً في النصف الأول من العام الماضي و74 من النصف الأول من العام 2015، وبمعدل 20 جريمة شهرياً و5 جرائم أسبوعياً.
وفي لمحة سريعة لأشخاص قضوا بفعل هذا السلاح، لا بد من المرور على مجموعة أسماء لضحايا، ترك أصحابها أثراً في نفوس اللبنانيين جميعاً بغض النظر عن الإنتماءات الطائفية والمذهبية. الطفل منير حزينة سقط نتيجة رصاص طائش أثناء تشييع. ومثله سقط الطفل السوري محمد البقاعي في بلدة تعلبايا، لتكر بعدها سبحة الضحايا: الشاب محمد محفوض الشرقاوي، الطفلة باتينا رعيدي، الطفل ياسين سيروان، الشاب حسين العيسى، الشاب حسين العرب، وسام بليق، زهراء شهاب، حسين ملك، هلالة غورلي، علي رايب، وغيرهم الكثير من الأسماء التي يصعب حصرها. وصولاً إلى سارة وأمل خشفة. وجميع هؤلاء لن يكونوا آخر الضحايا في وطن هو نفسه ضحية بيد الفلتان والتسيّب الأمني، حيث يُصر بعض من فيه، على رسم نهاية كل فرد بالطريقة التي يرونها مناسبة، تماماً كما يرسمون مستقبل بلد وشعبه منذ أن وضع السلاح في خدمة المشاريع التوسعية، بدل أن يوضع في خدمة الدولة وأبنائها.
حتّى المؤسسة العسكرية لم تسلم من السلاح المتفلت الذي غدر منذ مدة بعسكريَّين أثناء دهم دورية تابعة لمديرية المخابرات ملهى ليلياً في منطقة المعاملتين بهدف توقيف عدد من المطلوبين كانوا مدججين بالسلاح ليبادروا على الفور إلى إطلاق النار باتجاه الدورية التي ردت عليهم ما أدّى إلى استشهاد الرقيب أول مارون انطانيوس خوري والجندي ميشال زكي الرحباوي. وقد سطّرا كما بقية شهداء المؤسسة وبقية القوى الامنية، شهادات وبطولات لم تقف عند الخطوط الحمر ولم ترضخ لتهديدات سعت طيلة السنوات الماضية إلى تحجيم دورها في مواجهة التشبيح المتنوع والمتمدد من داخل "البيئة الحاضنة" لهذا السلاح إلى خارجها.
(المستقبل)