بالصوت والصورة والأدلّة الدامغة والصلبة، تمّ توثيق ردم بحر لبنان بالنفايات السامّة، على أنواعها. "فيديو" أعدّته ونشرته صفحة "صحة ولادنا خط أحمر" على موقع فيسبوك، تحت عنوان "ماذا يحصل في مكب برج حمود في الخفاء؟"، لم يُحرّك، حتى الساعة، وعلى فظاعة ما وثّقه، أي ضمير أو قلب أو عقل. يُسأل:" هل ما زلنا نسأل لماذا بحرنا ملوث ولماذا نسبة الإصابة بالسرطان هي الأعلى في لبنان مقارنةً مع الدول العربية؟"، لكنّ أحداً في موقع المسؤولية لا يجيب.
المشاهد مقززة، مرعبة. تظهر شاحنات، على مقربة من مرفأ الصيادين وجبل النفايات، بحمولات ضخمة. تتجه صوب البحر، وتفرغ ما تحمله من نفايات سامّة (عضوية، بلاستيك، كيمياوية، سامّة...) على ما يُسمّى بـ"سنسول". هنا، يُعتقد أن الزبالة ستُطمر تحت سابع أرض، وهكذا تنتهي القصة. هذا ما لا يحدث. النفايات عملياً وفعلياً، تُطمر في البحر. لا حاجة في التذكير بالنتائج والتداعيات والكوارث الآتية لا محال. رُضّع لبنان حفظوا الأمثولة. لكن ماذا عن "كباره"؟!
حسناً، لم يخرج أحدٌ ليقول كلمة واحدة تعليقاً على هذا الفيديو، أو بالأحرى هذا الواقع. تصميمٌ واضحٌ على إنكاره، وعلى تجاهله. في خضمّ أزمة النفايات التي افترشت شوارعنا وشرفات منازلنا، أطلّ رئيس الحكومة السابق واصفاً أحد المقاطع المصوّرة بأنه "مفبرك".
يا لسعادتنا آنذاك، "ع القليلة" علّق بكلمة! اليوم، الصمت رهيب. الصمت صارخ. هذا الصمت خبيث. كأنّ هناك من يقول للبنانيين:اسمعوا، عليكم أن تموتوا، من دون إحداث ضجيج. عليكم أن تموتوا حُكماً، لكن اصرخوا بأعلى ما فيكم:"لا الموت ليس آتياً". تجاهلوه. انسوه. اضحكوا في وجهه...نعم، اضحكوا على أنفسكم.
كأن هناك من يقول للبنانيين: عيشوا لحظة بلحظة. العمر قصير، ونحن، بالنيابة عن القدر، نعجّل في تقصيرّه. فهرولوا إلى مضاجعكم هنيئين. أشعلوا النراجيل. ارفعوا صوت الموسيقى وارقصوا. اسبحوا في أحلام واهية. اغرقوا في الأوهام. واسكروا بها...كأن هناك من يقول فعلاً: عيشوا كأن شيئاً لا يحدث، وموتوا كأن شئياً لم يكن.
كأنهم يقولون حقاً: احفروا قبوركم بأياديكم، ولا تقاوموا أو تتذمروا. توّجعوا وراقبوا كيف يسري السرطان في شرايينكم. في عقولكم. في الأجنّة التي لم تصنعوها بعد، على غفلة من وعي. موتوا هكذا، جبناء، ضعفاء، أغبياء.
موتوا ميتة جماعية، أو "بالمفرّق"، لا يهمّ. موتوا وأنتم أحياء، أو وأنتم في التراب المتسّخ، لا يهمّ. موتوا في الضوضاء، او في الظلمة والظلم، لا يهمّ.
لا تقلقوا، سوف نتوّلى مهمة ترتيب جنازات لائقة، وفيها سنبكي عليكم كثيراً. سوف نصل تماماً في الوقت الذي تُضاء فيه الكاميرات. سوف نندد، ونستنكر، ونتهمّ، ونشجب، وندين، ونطلق الوعود، ونغمر بعضنا، ونشكركم مجدداً على ثقتكم بنا وعلى حسن اخيتاركم في صناديق الاقتراع.
وسنمضي في التغنّي بعهد جديد واستعادة ثقة، وبلبنان يعود للتحليق، كطير الفينيق. ووعد منّا...وعد منّا بأن الأزمات ستنجلي. لن يكون من أزمة نفايات بعد الآن. ولا أزمات موت. سوف نطمرها، تأكدوا من ذلك! ونحن وأنتم، سننسى الموضوع، أليس كذلك؟!
نعم، هذا ما يحصل اليوم. تخطّت الوقاحة في التعاطي مع الأمور، البيئية وغيرها، الخطوط الحمر، بل بالأحرى وبالتأكيد...إنها تخطّت حدود الإجرام.
ولعلّ أكثر ما يثير التعجّب في الموضوع برمتّه، هو هذا الصمت المخيف الصادر عن جهات يُنتظر منها كلمة ما. موقف ما. إجراء ما.
ما بال الجسم الإعلاميّ في لبنان ينساق إلى حيث يشير السياسيون، الى دوّامات المراوحة والوعود الكاذبة والأخبار "المورفينية"، فيتغاضى عن قضية بهذا الحجم وهذا المفعول؟ ألهذا الدرك باتت الحياة رخيصة؟
وما بال شعب مستسلم، بكامل إدراكه ووعيه، أمام قاتل محترف متسلسل؟! الا ينتهي مفعول هذا المورفين الذي يحقن به؟ ألا يقرأ، ألا يتعلّم، ألا تُطالعه أخبار صادمة على مواقع التواصل الاجتماعيّ؟
ما بال الدول التي تنادي بحقوق الإنسان وتلتزم حماية الأرض، تمتنع عن التدخل حمايةً لشعب بأكمله، بل لأجيال لاحقة، على الأرجح ستأتي مشوّهة؟
أليس ما يحصل في لبنان من جرائم بيئية، عن سابق تصوّر وتصميم، هو تماماً بمثابة جرائم الحرب؟ هل حقاً من فارق بين
موت بغاز السارين، وموت بغازات الزبالة؟ وهل حقاً يدوّي صوت البراميل المتفجرّة أكثر من قهقهات مسخ جبل نفايات "متفجّر" يحوم فوق رؤوس المواطنين؟ وهل من فارق بين نحر الرقاب بسكين الإرهاب، وبين دفن الأجساد المتوّرمة خُبثاً، في التراب؟! وهل من فارق بين بحر يبتلع الأطفال الباحثين طوعاً عن منفى، وبين بحر يبتلع الأطفال الباحثين طوعاً، عن وطن؟!
(ربيكا سليمان - لبنان 24)