أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

المستقبل والجماعة: وحدة الطائفة من أجل ماذا؟

السبت 25 نيسان , 2009 05:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,464 زائر

المستقبل والجماعة: وحدة الطائفة من أجل ماذا؟

■ المصري: نحن أُناس بسطاء وفقراء لكن لا نقبل بالهوان
■ بارافان لم يتمكّن من مواجهة جمهوره لحظة وقعت الواقعة في غزة

لا يزال واقع من انتسب إلى العرب في الماضي، وإلى الحداثة في اللاحق من الأزمة، ومن يحمل بين جناحيه طرفي النقيض، السلفية الجهادية والليبرالية الغربية، يثير التساؤلات. وتُجري إحدى المنظمات الدولية المتخصصة بالأزمات دراسة عنوانها «السُّنية السياسية» لمتابعة مسارات هذه الفئة وقادتها

فداء عيتاني
«أنتم من يتحمّل مسؤولية شق الطائفة وشرذمتها»، يقول نادر الحريري في اتصال هاتفي مع أحد الكوادر الشابة في الجماعة الإسلامية، التي اختارها النائب سعد الحريري لمفاوضتها لمدة أشهر بعيداً من الإعلام، قبل أن تفشل المفاوضات وتصل الأمور إلى الحائط، ثم ألقى بالمسؤولية على الآخرين، فيما كان المكتب السياسي للجماعة قد بدأ يتلمّس التسويف والمماطلة منذ شهر تقريباً.

ما قبل عنق الزجاجة

قبل أن تصل الأمور إلى عنق الزجاجة بين الجماعة الإسلامية وتيار المستقبل، ثمة تاريخ طويل لا بد من مراجعته، توهّم من وقعت قيادة الطائفة السنية بيده أن التاريخ يكتبه بخطه هو، وأن رفعه شعار لبنان يعني لبننة السُّنة تلقائياً، وأن قيادته ستحوّل مسار الأمور وطبيعتها، فيكون هو ومن خلفه مشروع لبنان، وقيادة هذا المشروع. وسعد الحريري الوافد حينها إلى السياسة من مجالس تلاوة الفاتحة عن روح والده الشهيد، لم يسمع آنذاك كلام وليد جنبلاط عن اضطراره الى الاسترشاد عقب اغتيال كمال جنبلاط بنصائح السفير السوفياتي في بيروت، وعدد من قادة الحركة الوطنية، بصفته شاباً آتياً إلى السياسة. ولم يدرك سعد الحريري تمنيات وليد جنبلاط أن يدعه يؤدي دوراً مماثلاً لذاك الذي حظي به حين مقتل والده.لكن طبيعة الأشياء تفيد أن أهل السنة والجماعة لم يكونوا مرة قادة لمشروع مستقل في لبنان، بل كانوا وقوداً وجنوداً وواجهات للعديد من المشاريع الصغيرة والكبيرة التي مرت على هذه البلاد، ومن ضمن هذه المشاريع طبعاً مشروع كمال جنبلاط، الذي مثلته الحركة الوطنية، وفشل أثناء الحرب الأهلية في البقاء على قيد الحياة. لم يكن بإمكان رفيق الحريري أن يمثل أكثر من زعامة تمنّاها هو وطنية، فيما قامت في النهاية على طائفته، ومثّل توازناً دقيقاً للقوى بين سوريا، التي لم ينفّذ أحد رغباتها كما فعل الحريري الأب، والمملكة العربية السعودية، التي حمل جنسيتها، بتسليم ورضى أميركيين. وحين كان يختل هذا التوازن الدقيق، كان الحريري الأب يُوضع جانباً بانتظار تحسن الأحوال. وكثيرون يرون أن رفيق الحريري لم يقدم مشروعاً للبلاد، اللهم ما عدا الوسط التجاري، الذي لم يخرج يوماً عن كونه مشروعاً مالياً استثمارياً، والإنفاق على بنى تحتية وتقاسم حصص الهدر مع زعماء الطوائف الباقين.
إلا أن السُّنة دائماً واجهة جيدة للمشاريع الكبيرة والصغيرة، فهم وقفوا إلى جانب الرئيس المصري الراحل عبد الناصر مع صعود المد الناصري، ثم إلى جانب ياسر عرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية في زمن «الثورة طريق تحرير فلسطين»، وقدموا المئات من المقاتلين من البقاع وعكار وطرابلس والشمال والشوف وصيدا وغيرها من المناطق. ثم كان زمن المد الإسلامي الحركي، وشارك فيه السُّنة بصفتهم واجهة للصراع لا أصحاب المشروع. وكذلك في زمن السلم الأهلي.
حين وصل رفيق الحريري إلى البلاد لم يكن للرجل مشروع زعامة محلي، ولا هو اعتبر أن طائفة واحدة تكفي قامته. وتعرّض أهل السُّنة لحالة إفقار كبيرة نتيجة السياسات الاقتصادية في البلاد، وانعكس تزايد فقرهم في عوامل ثلاثة: انخفاض مستوى التعلّم عامة، وانخفاض سن الزواج، وارتفاع معدل الولادات، ورغم ذلك كانوا هم واجهة «زمن السلم الأهلي»، الذي أصبح اسمه لاحقاً «زمن الوصاية السورية» على لبنان.
وصولاً إلى زلزال اغتيال رفيق الحريري، حينها أخذ السُّنة مجد لبنان، لكنهم اكتشفوا لاحقاً أنهم أخذوا المجد ببدل إيجار مرتفع، وأنهم لم يملكوه، وقد لا يملكونه يوماً، وأن مجد لبنان هو دائماً للموارنة الذين يمكن أصغر فصيل منهم، وحتى أكثرهم إثارة لحساسية جمهور عريض من الموارنة، مثل القوات اللبنانية، استنزاف تيار المستقبل وابتزازه للحصول على عدد أكبر من المقاعد البرلمانية، بينما لا يجد تيار المستقبل نفسه مضطراً إلى إعطاء الجماعة الإسلامية أكثر من مقعد واحد. فالجماعة، في رأي المستقبل، جزء تابع في سياق واجهة الصراع، وإن مثّلت فإنما تمثّل باباً من أبواب عدة للبارافان الذي يمثّله المستقبل، ويقف خلفه أصحاب المشاريع الحقيقية في لبنان.

التعامل مع الجماعة نموذجاً

خلال حرب غزة، حارت الشوارع البيروتية والسُّنية في كل المناطق في أي وجه تقابل ما يحصل في فلسطين المحتلة. قبلها، كانت قد رفعت عبارات الترحيب في منطقة الطريق الجديدة بجثمان الشهيدة دلال المغربي التي كان يفترض أن تعود عبر الصفقة التي أبرمها حزب الله مع العدو التقليدي، إسرائيل. وحين وقعت واقعة غزة لم يرفع، في أيامها الأولى، أي شعار تنديد في مناطق السُّنة في بيروت وخارجها. ثمّ عمّ الغضب عناصر الجماعة الإسلامية وكوادرها، فرفعوا شعارات رأتها السفارة المصرية «مسيئة» إليها وإلى دورها. لكن الجماعة كانت حينها أقرب إلى نفسها مما كانت ربما خلال الأعوام الأربعة الماضية. وحتماً، أقرب إلى منطق الإخوان المسلمين من الوقوف تحت لافتة قوى 14 آذار، أو خلف بعض من يعدّهم الإخوان من «المجرمين».
تيار المستقبل في حرب غزة فضّل اللامبالاة، إعلامياً بقيت محطاته ومؤسساته تعيش كأنها في عالم آخر. فمن يُذبح هم غير «عرب الاعتدال»، وإن كانت الجماعة الإسلامية معنية بالتضامن مع الحركة الرديفة لها في فلسطين، أي حركة حماس التي تمثّل جزءاً لا يتجزأ من حركة الإخوان المسلمين. إن من يقف خلف بارافان تيار المستقبل هو نفسه من يقف خلف ضرب حماس وانتظار اللحظة المناسبة لإرسال قوات محمد دحلان إلى غزة للقضاء على حماس.كانت تلك اللحظة التي يمكن فيها استنتاج أن «الجماعة الإسلامية في عالم وتيار المستقبل في عالم آخر»، بحسب تعبير أحد كوادر الجماعة. لكن، كان على الجماعة انتظار أشهر تتخلّلها مفاوضات شاقة مع سعد الحريري، قبل أن تستنتج أنها عرضة للتسويف، وأنها هي من عالم وسعد الحريري من عالم آخر.
قبل ذلك، تتذكر قيادة الجماعة أنها اضطرت، خلال حرب غزة، إلى عقد سلسلة من اللقاءات مع سعد الحريري لإقناعه بأن حركة حماس ليست مجموعة من الحرس الثوري الإيراني، ورغم تعنّت سعد بموقفه البعيد من التضامن مع حركة حماس، وعدم رضاه عمّا ورد في العديد من شعارات الجماعة، فإنه اضطر في النهاية تحت هول المآساة في غزة إلى رفع بضعة شعارات زرقاء في بيروت تتحدث عن طفولة معذبة في فلسطين. كأن ما يجري يعني أطفالاً يتعرضون لسوء معاملة لا لمذبحة تصيب شعباً.
منذ بدأت المفاوضات بالتعثر والسير البطيء بين الجماعة الإسلامية وتيار المستقبل، كانت الجماعة حريصة على الابتعاد عن الإعلام، وكانت حريصة على إعطاء الفرص للشاب للإيفاء بمجموعة من الوعود التي قطعها، وعلى الصمت كلما سمعت من الشارع كلاماً عن «مدها بالمال من السعودية وتيار المستقبل» قبل أن يتضح أن كل ما حصلت عليه الجماعة يوازي ما حصلت عليه أي جمعية محلية، وأنها تسلمت المبلغ من السفارة السعودية كمساعدة لمؤسساتها التربوية والرعائية، وأن ذلك كان قبل أكثر من عام، ولا علاقة له بالمواقف السياسية.
وخلال المرحلة التي اشتدت فيها وتيرة المفاوضات مع كل الأطراف على كمية التمثيل النيابية، بدأت الجماعة تسمع من سعد الحريري كل مرة حديثاً عن «وحدة الطائفة» وضرورة الحفاظ على هذه الوحدة، فلم يعد «لبنان أولاً»، ولا الوحدة الوطنية ما يطالب به الزعيم الشاب الذي اتخذت منه القوى اليمينية ستاراً لها، بل كان يسعى إلى الحفاظ على رعايته لطائفته، قبل أن يبدأ الرئيس نجيب ميقاتي يفاوض بقوة في طرابلس. ومحمد الصفدي يرسل إلى سوريا وغيرها إشارات بإمكان ما للتعاون. ومصباح الأحدب يهمس في أذن الفرنسيين بضرورة مخاطبة سعد الحريري لعدم تخطي الحدود. وفؤاد السنيورة يحجز كرسياً نيابياً هنا ويمد يده ليعطي آخر لبعض من في فريقه هناك. وذلك كلّه من حصة سعد الحريري.
كان يمكن فهم شعار «وحدة الطائفة» لدى شاب كبشير الجميل يملك مشروعاً يفضي إلى إيصاله إلى السلطة في بلاد تعيش حرباً أهلية، لكن في واقع السُّنة فإن الأمور مختلفة، وسعد الحريري ردد هذا الشعار حتى سئم منه أعضاء المكتب السياسي في الجماعة الإسلامية، والقنوات التي شاركت في هذه المفاوضات، حتى قال أحد كبار رجالات الجماعة: «وحدة الطائفة من أجل ماذا وخلف أي مشروع؟»، وحين تسأله عن توحيد سياق الطائفة خلف مشروع ذبح حماس يقول: «مع الأسف، نعم، مع الأسف».
إلا أن هناك شباناً في الجماعة يتحدثون عن ضرورة التوحد حتى لا تقع بين الجماعة والمستقبل مشكلات يومية، ولكون الطرفين يعملان بين قواعد مشتركة، إلا أن هذا الكلام اليوم بات بعيداً عن منطق كبار الجماعة وعقلائها، بينما يتحدث به الشبان المتحمسون لتبرير جملة من المواقف، وحيرة أمام واجهة جميلة لطائفة تقاد إلى الذبح على مذبح مشاريع غربية.

فن التفاوض للتفاوض

وقعت الخيبة والغضب في نفوس الجماعة من تيار المستقبل، وخاصة من سعد ونادر الحريري، اللذين ماطلا حتى وضعا الجماعة تحت الأمر الواقع، نائب الأمين العام للجماعة إبراهيم المصري يقول بتواضعه: «نحن جماعة بسطاء وعلى باب الله، ولا نعتبر الانتخابات مناسبة للاستفادة أو تحصيل مكاسب على الطريقة الانتهازية، بل هي مناسبة للتعبير عن أنفسنا، لكن لا نقبل بأن نهين أحداً ولا نقبل بأن يستهين بنا أحد».
في منتصف شباط الماضي اختار سعد الحريري فتح قناة اتصال جانبية بقيادة الجماعة، وأعطى موعداً لأحد الشبان من كوادر الجماعة الناشطين والقادرين على التواصل مع الأمين العام للجماعة الشيخ فيصل المولوي، ومع الشيخ إبراهيم المصري، وباقي أعضاء المكتب السياسي. وعقد لقاءات عدّة معه. وحافظ نادر الحريري على اتصال دائم به. واستمرت المفاوضات أكثر من أسبوعين قبل أن تشعر قيادة الجماعة بأن المفاوضات تراوح مكانها، وأن فيها مسعى إلى التأجيل، وأن ثمة هدفاً لربط الجماعة بتيار المستقبل، وعدم تركها تتفرّد بقرارها، أو خوفاً من تركها تقترب من أي طرف في المعارضة، أكثر مما فيها إرادة حقيقية للتحالف والتعاون الانتخابيين.
ورغم ذلك، وافقت قيادة الجماعة على كل أشكال التفاوض التي اقترحها سعد الحريري ونفّذها، وبقيت على حالة من التواصل، المباشر وغير المباشر معه، فزار الوفد القيادي من الجماعة قريطم مرات عدة ليلاً، وسهر الليل وهو يفاوض سعد، دون نتائج تذكر، وخرج إلى الإعلام الوفد القيادي ليتحدث بإيجابية عن المفاوضات التي لم يكن فيها ما يوحي بأية إيجابية من جانب زعيم السُّنة الشاب. وكان الحريري كل مرة يهمّ فيها بالسفر يعد الجماعة الإسلامية بأنه حال عودته إلى لبنان سيحسم الأمور. في نهاية شهر آذار، قدم وعداً بأنه سيلتزم بعماد الحوت مرشحاً للجماعة في بيروت، وبرئيس المكتب السياسي علي الشيخ عمار مرشحاً في صيدا إلى جانب عمته بهية. وقبل مغادرته لبنان إلى السعودية، وقبل 20 ساعة تماماً من إعلان السنيورة ترشحه، كان سعد الحريري يكرر التزامه بعلي الشيخ عمار في صيدا، وخرج السنيورة ليعلن ترشحه من البرلمان. حينها، قال الحريري للجماعة: «لا تهتموا، سأعطيكم مقعدين نيابيين».وفي منتصف شهر نيسان، وخلال إحدى الجلسات الجانبية مع أحد كوادر الجماعة الإسلامية، واجه سعد الحريري محدثه بالقول: أنتم تملكون 1000 صوت لا أكثر في البقاع الغربي، ولا أُريد أن أخسر زياد القادري هناك. فرُدَّ عليه بأن الجماعة لديها 3000 صوت تجييري، وهي تستغرب الأرقام التي يوردها الحريري. فقال إن الدراسات التي بين يديه تقول له غير ذلك. فطفح الكيل لدى ممثل الجماعة الذي أجاب: «إذا كنت تعتمد على ماكينة سليم دياب فأرقامه خطأ، ودعنا نتفق على أسعد هرموش في الضنية ـــــ المنية». فردّ سعد الحريري: «لا يمكن اعتماد أسعد هرموش لأنه من دائرة أحمد فتفت نفسها، والمسيحيون في تلك المنطقة لا يحبّذون التطرف، وأحداث الضنية (عام 2000) ما زالت في ذاكرتهم، وإذا أخذت هرموش فسأخسر الكثير من الأصوات، إضافةً إلى أنه لا يمتلك القوة التجييرية». طبعاً لم يعطِ الحريري أُذناً صاغية للرد الذي أشار إلى أن الجماعة لا تمثّل أي وجه من أوجه التطرف، فضلاً عن أنه لا علاقة لها من قريب ولا من بعيد بأحداث الضنية، إضافة إلى أن أسعد هرموش كان قريباً ومساعداً وخطيباً في احتفال 14 آذار منذ 3 أعوام، وهو على علاقة جيدة بالمسيحيين، كذلك فإنه يمتلك حيثية وأصواتاً لا يستهان بها.
وتقول ماكينة الجماعة الإسلامية إنها تمتلك ما بين 8 آلاف صوت إلى عشرة آلاف في دائرة المنية الضنية، وتمتلك ما بين 8 آلاف صوت وعشرة آلاف في طرابلس.
وتابع سعد الحريري التفاوض مع الجماعة، وفي خلال جلسة للمفاوضات قال الحريري: «لنتفق على عماد الحوت في بيروت، وعلى خالد الضاهر في عكار، وأنا سمعت من الشيخ فيصل المولوي كلاماً طيباً عن الضاهر في فترة ماضية». كان الطرح مفاجئاً، وخاصة أن الضاهر من خارج صفوف الجماعة منذ عام 2001، وهو اقترب حد الالتصاق بتيار المستقبل، وإن كان المولوي يشيد به، فلا يعني ذلك أنه يمثل الجماعة، ويرد سعد الحريري على هذه النقاط بالقول: «هو إسلامي مثلكم، وأقرب إليكم مني، وأنا سأساعد على التقريب في ما بينكم»، لكن أحد شبان الجماعة يقول: «لم يبقّ إلا أن يحجّب غنوة جلول ويحسبها من حصتنا في البرلمان».
وكان الرد الرسمي للجماعة: «لدينا 6 مرشحين، فاختر من بينهم، لكن لا تفرض علينا مرشحاً من خارج الجماعة، أو من خارج اللائحة الرسمية». وكان رد الحريري بأن الاستحقاقات المقبلة كثيرة، «فغداً سيكون هناك حكومة، وسيكون لكم حصة، وأنت تحديداً سيكون لك أيضاً»، يقول مغرياً من يفاوضه. وفي حديث هاتفي لاحق يقول نادر الحريري مخاطباً أحد همزات الوصل مع قيادة الجماعة: «لنتكل على الله، ونرشح خالد الضاهر»، وحين يأتيه الجواب بأن هناك حالة غضب داخل الجماعة الإسلامية، «فهل ترغبون في رؤية إيلي الفرزلي وأسامة سعد وعبد الرحيم مراد يدخلون البرلمان؟ إن ما تفعلونه جريمة، وإذا لم نتفق في هذه الانتخابات فسيكون ذلك إجراماً بحق الطائفة». ويسمع الشاب من الجماعة من نادر الحريري القول: «أنتم من يشق صفوف الطائفة السُّنية الآن، وأنتم وحدكم تتحملون مسؤولية ذلك».
وخلال إحدى الجلسات كان يجتمع عدد من شيوخ الجماعة وكبارها إلى سعد الحريري ومستشاره نادر، حين قال نادر وهو يضرب بإصبعه الطاولة: «عرضنا النهائي هو عماد الحوت في بيروت مقابل أصواتكم في كل لبنان»، ما دفع بأحد كبار الجماعة إلى الاعتذار والخروج من الاجتماع ورفض اللقاء بالشاب الذي لم يتجاوز الثلاثين من العمر إلا مؤخراً.
قبلها، كان أحد كوادر الجماعة في جلسة مصارحة مع سعد الحريري، حين سأله: «صدقاً، هل تعتقد بأن حجم الجماعة هو مرشح واحد في كل لبنان؟»، فأجابه سعد: «لا، على الأقل أنتم تستحقون نائبين، لكن تحمّلوا معي، وضحّوا مثلي، فكل الناس يطالبونني بمقاعد». وحين قيل له إن الوزير محمد الصفدي يُعطى مقعدين، والرئيس نجيب ميقاتي أيضاً، وذلك مقابل تحالف محلي في طرابلس، فيما الجماعة، ومقابل مشاركتها في كل لبنان لا تحصل إلا على مقعد واحد، لم يقم الحريري بأي رد فعل.
ويتحدث قادة في الجماعة عن اللقاء الذي عُقد مع المرشح عن دائرة صيدا فؤاد السنيورة، فحين حدد السنيورة الموعد، اعتقد أركان الجماعة أن الرجل يحمل جديداً، وأن اللقاء قد يكون مثمراً، إلا أن طلب السنيورة اللقاء مع الجماعة لم يكن ليقدم إلى قادتها أي إضافة، ما عدا المكسب الذي حققه المرشح السنيورة من نشر صورته إلى جانب أركان الجماعة، ما يوحي إعلامياً بوجود تفاهم يمكن السنيورة أن يستفيد منه انتخابياً في شوارع صيدا وأزقّتها ومساجدها، وهو قدم إلى من حضر اللقاء المعطيات نفسها التي سبق أن سمعوها من سعد الحريري، مع إضافة المزيد من الوعود بالتعيينات الإدارية في المراحل المقبلة، على أن توافق الجماعة على مرشح واحد هو الحوت.
علماً بأن هناك من يشيع في بيروت والدوائر الأجنبية بأن قبول سعد الحريري للحوت أتى لكون الرجل أحد أعضاء المجلس الإسلامي الشرعي، ومراضاة لخاطر مفتي الجمهورية، الذي يعرف القاصي والداني أنه أحياناً حين يتسرب إلى نفسه الشك من أحد القضاة المعينين في الدوائر الشرعية يطلب من القاضي المشكوك في أمره أن يقسم على القرآن بأنه لا ينتمى إلى حركة الإخوان المسلمين. كذلك فإن السقف المرتفع لكلام علي الشيخ عمار في الأيام الأخيرة انعكس لدى تيار المستقبل تهديداً بتمزيق صور عماد الحوت في منطقة طريق الجديدة إذا «لم يصمت عمار».

أربعة أعوام من الوعود فلماذا أصدق؟

«حين تمت التعيينات الإدارية للمديرين العامين، لم يفكر سعد الحريري في رفع سماعة الهاتف وسؤالنا عن موقفنا، أو مشاورتنا، أو الاستفهام منا عن مرشح ما للتعيينات، نحن لا نطالب بتسمية أحد، ولا نطالب بتعيين من ليس كفيّاً، لكن ليعتبرنا على الأقل من حلفائه الأبعدين، وليسألنا فقط. وحين وصلنا إلى التعيينات في وزارة الخارجية أيضاً لم يتذكر رقم هاتفنا، وكل الوقت كنا نسمع الوعود، واليوم لا نرى منها شيئاً، فلماذا سنصدق الآن أن ما يعدنا به سيتحقق؟»، يقول أحد الشبان من كوادر الجماعة الإسلامية. ويتحدث الكادر عن 4 أعوام من تهميش الجماعة، واليوم يحاولون استرضاءها بمرشح واحد، والحصول على أصواتها، التي يقولون إنها لا تتعدى بضعة آلاف في لبنان، بينما هي 6 آلاف في صيدا، و6 آلاف في دائرة بيروت الثالثة، 3500 صوت في البقاع الغربي، ويمكن أن تصل إلى4000 و3000 صوت في بيروت الثانية.
أما الحديث عن تدخل سعودي، فكان قادة الجماعة يتصل بعضهم ببعض ليسألوا عمّا إذا التقى أحد السفير السعودي السابق والوزير الحالي عبد العزيز الخوجة، الذي قام بزيارة خاطفة إلى لبنان، فيما نفى مرشح الجماعة عن صيدا علي الشيخ عمار أن يكون خوجة قد اجتمع بأي من قادة الجماعة أو أنه حضر إلى بيروت لتسوية هذا الملف، لافتاً الانتباه إلى أن الرئيس فؤاد السنيورة لم يكن لديه أي طرح، وهو حرص على تقديم نفسه وسيطاً «لترميم الصورة بين الفريقين»، وهو حصل على جواب واضح من وفد الجماعة بأنه «يوجد اتفاق بيننا وبين النائب الحريري، وما نريده هو فقط الالتزام بهذا الاتفاق».
لكن مصادر قريبة من «المستقبل» لفتت إلى أن الوزير السعودي اهتم خلال وجوده في بيروت بمتابعة ملف الجماعة الإسلامية، وكان مهتماً بأمرين إضافيين، الأول يتصل بالخلاف المستمر مع «القوات اللبنانية» على الدائرة الأولى في بيروت، وعلى ما يحصل في طرابلس على صعيد الفوضى التي سادت إدارة المعركة الانتخابية وما رافقها من خلافات ومشاكل يمكن أن تنعكس على الأرض يوم الاقتراع.
واذ حرص الخوجة على عدم الإعلان عن لقاءاته التي يبدو أنها اقتصرت على بعض الشخصيات، فُهم أنه لم يطرأ أي تعديل على برنامج الدعم المالي للوائح 14 آذار، وأن التقشف الذي ساد أجواء هذه القوى منذ شهرين مستمر، وأن البعض اقتنعوا بأنه لا داعي إلى مزيد من الصراخ. ولفتت المصادر القريبة من «المستقبل» إلى أن الإشارة الأكثر قلقاً التي دفعت إلى مجيء الخوجة إلى بيروت هي قرار الوزير نسيب لحود الانسحاب من المعركة الانتخابية، وبروز أجواء لامبالاة من جانب معظم قادة 14 آذار إزاء هذه الخطوة.



منغّصات أحمد فتفت

 

في انتظار تفاهم إسلامي ـــــ إسلامي في الشمال يقود جبهة المعارضة خاصة في المنية الضنية، ومع احتمال تحالف يجمع القوى الإسلامية، بما فيها الجماعة الإسلامية، هناك، من المؤكد أن اللائحة المستقبلية ستواجه معركة. وبات مرشح جبهة العمل الإسلامي، جميل رعد، يمثّل إزعاجاً لنائب المنطقة أحمد فتفت الذي يتصرف في المنية ـــــ الضنية كأنها حديقته الخلفية.

مقعد في الحياة السياسية

بعد طول صبر، وبعدما تخيّل البعض أن سيطرة آل الحريري على الشارع عبر أغاني «لا ما خلصت الحكاية» لن يسمح لأحد بدخول الحياة السياسية، أثبت شبان كخلدون الشريف أن مواقع تمثيل طرابلس والسُّنة لم تغلق بعد، وأن بإمكانهم حجز مقعد في الحياة السياسية إن لم يكن في البرلمان.

ظاهرة سياسية مفاجئة

من حيث لم يتوقع أحد، بدأ بلال سعيد شعبان، مرشح جبهة العمل الإسلامي، تكوين حضور في طرابلس، وبخاصة في الأحياء الشعبية، وهو الذي لم يقدم خدمات كما هي عادة المرشحين، وهو الذي لا يمكن احتسابه ضمن اللوائح التقليدية للمرشحين المناطقيين، بل في إطار الوجوه التي بدأت تحصد ثمار مواقف سياسية سابقة.



الجماعة تنفي توسّط السعوديّة بينها وبين المستقبل: يخافون الخسارة

 

طرابلس ــ عبد الكافي الصمد
كشفت المحاولات الأخيرة التي بذلها رئيس الحكومة فؤاد السنيورة والنائب سعد الحريري لإعادة احتواء الجماعة الإسلامية، عن المأزق الانتخابي الذي يعانيانه في الدوائر ذات الأغلبية السنية.
ومع أن قيادة الجماعة أكدت منذ أيام أن «أفق التحالف الانتخابي مع المستقبل قد وصل إلى الحائط»، فإن مساعي عدة بذلت لاحقاً لإعادة «ضخ الدم» مجدداً في شرايين العلاقة بين الطرفين، ترجمت من خلال اللقاء الذي عقد بين السنيورة ووفد من الجماعة في السرايا الحكومية، لكن الأمور بقيت عالقة عند النقطة التي توقف فيها الحوار بين الجماعة والحريري.
مصدر مسؤول في الجماعة أوضح لـ«الأخبار» أن اللقاء مع السنيورة «عقد بناءً على طلبه هو، لا بناءً على طلبنا نحن، وما طرحه رئيس الحكومة علينا لم يكن جديداً، وكرر العرض السابق: ضمّ مرشح واحد من مرشحينا الستة إلى لوائح المستقبل (في دائرة بيروت الثالثة، عماد الحوت)، مع وعد بإعطائنا حقيبة وزارية في الحكومة المقبلة. فأوضحنا له موقفنا بأننا لن نقبل بأقل من مرشحين اثنين، وأن تترك لنا حرية الترشح منفردين في بقية الدوائر».
ورداً على ما نشر في الإعلام عن أن وزير الإعلام السعودي عبد العزيز خوجة، الذي زار بيروت أخيراً، قد توصل إلى صيغة لإقامة تحالف بين الجماعة والمستقبل، على أن تتعهد السعودية بحقيبة وزارية للجماعة، نفى المصدر في الجماعة حصول الأمر، مؤكداً أن «أي لقاء بيننا وبين خوجة لم يحصل، وأن أي كلام بهذا الخصوص لم نتبلغه».
وكشف المصدر: «بدأنا حوارات مع قوى معارضة وأخرى مستقلة».

Script executed in 0.1950159072876