أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

«كوني جميلة» بالبرتقالية

الأربعاء 29 نيسان , 2009 03:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,695 زائر

«كوني جميلة» بالبرتقالية

اللغة الفرنسية ليست لغة الناخبين الرسمية في لبنان، و»كوني جميلة واصمتي» هو مثل شعبي فرنسي سبق أن تمت ترجمته، وانتشرت فكرته. كان يمكن اعتماد الجملة المعرّبة، بدلاً من أن تصدّ اللوحة النظر في عيون كثيرة تجهل الفرنسية. في إعلانات كثيرة، كما في «آرمات» محلات كثيرة، تحضر اللغة الأجنبية لتوحي بنوعية بضاعة تقدمها وبنوعية جمهور تستقبله. ويمكن للمواطن أن يتأثر ويختار هذه النوعية أو يحجم عنها. أما الانتخابات النيابية فتتكوّن من أصوات الناس. الناس في العاصمة وفي المدن الرئيسية وفي الجرد وفي الجبل وفي الحواري وعلى الشرفات. هي أصوات كل الناس، مهما أتقنت ألسنتهم من لغات. «التيار الوطني الحر» يتوجه في صورة نشرها في البلد كله إلى من ينطق بالفرنسية، فقط. لا يسعى هذا الكلام إلى التعصّب للعربية بصفتها لغة الدولة الرسمية أو لغة هوى انتمائيّ، لكن التمييز بين المواطنين منذ لحظة التوجه إليهم ليس فعلاً محبباً في خضم حملة انتخابية تحمل شعار «الصح».
وبعد اللغة، يحين موعد المضمون. ماذا يقول الإعلان، ولو بالفرنسية؟ يقول: «كوني جميلة، وانتخبي». الجميلة إذاً مشكك في إقدامها على الانتخاب. هل لذلك الافتراض أرضية موضوعية، أم هو تصنيف وحكم مسبق؟ تكفي العودة إلى التظاهرات التي صنعت يوميات البلد خلال السنوات القليلة الأخيرة للتأكد من أن الصورة ملأى بهن، شابات وكهلات ومسنات، جميلات جداً أو أقل، والجمال مسألة نسبية، يهتفن لهذا أو ذاك، يتزيّن بالعلم ويرفعن القبضات. من قال إنهن لا ينتخبن؟ وإذا قررت واحدة منهن ألا تنتخب، فذلك بالتأكيد ليس لكونها جميلة، وإنما لسبب تعرفه هي. فهي ليست قاصرة. المشكلة في الحملة الإعلانية العونية هي أنها تتعامل مع المواطنين بصفتهم قاصرين، تحدد لهم «الصح» و»الغلط» و»الوسط»، وتصوّر كل خيار خارج «الصح» البرتقالي، خياراً «غلط».
وها هو أستاذ المدرسة يوقظ الجميلة من غفوة الجهل المفترضة، ويأمرها بألا «تصمت»، ثم يأمرها بأن «تنتخب». أمرٌ حاليّ يلغي أمراً سابقاً، والجميلة فقط جميلة. يُشبّه للمتفرج الحيادي أن المجتمع اللبناني المليء بالجميلات قد تخطى مرحلة اعتبار كل من تهتم بشكلها «غبية» يتوجب عليها الصمت. لكن الإعلان يعود إلى هذه النزعة في التصنيف الاجتماعي، ليثبّت قاعدة التمييز في معرض نفيها.
ماذا يبقى من الإعلان إن كانت لغته مستعصية على ناس، ومضمونه يميّز أيضاً بين الناس؟ صورة فتاة جميلة تسرق العين.
صورة الفتاة الجميلة تدعو المواطن دوماً إلى الاستهلاك. من الشوكولا إلى الحليب، مروراً بالجينز، وصولاً إلى المجلة. «التيار» يغري العين بصورة الفتاة الجميلة، أيضاً، لكن في معرض الانتخاب.
هل يحتاج فعل الانتخاب إلى صورة صبية تجذب الأيدي إلى الصندوق؟ لو كانت الحال كذلك، فإن المشكلة كبيرة في المواطنية. لكن الحال ليست كذلك، فالسياسة تأكل لبنان، ونقاشاتها الحادة قادرة على كسر الصداقة وإعادة النظر بالحب. كما أن الناس يموتون فعلاً من أجل السياسة، أو بسبب نوعيتها الراهنة. المجتمع لا يحتاج إلى من يقوده بالجزرة إلى الصندوق. هو ذاهب إليه بأشد العصبيات الممكنة.
في المقابل، لا تحوي حملة «التيار»، إن في صورة «الصح» و»الغلط» أو في صورة الفتاة الجميلة، أي إشارة لأسباب توجب الانتخاب. لا يطمح المرء إلى قراءة جديد نوعيّ ينعش الساحة، لكن، على الأقل، إلى الحفاظ على شكلية صراع الأفكار أو المشاريع. لا لأنه صراع كذلك، وإنما لأن إلغاء هذا الشكل يتيح للزعماء أن يكونوا أنبياء، ويفرض على المواطنين أن يكونوا عبيداً لهم.
وتغييب أي مضمون سياسي اجتماعي عن اللوحة الإعلانية هو تبشير بين أقل من مؤمنين، لأن المؤمنين يؤمنون بالفكر. هذا التبشير يتمّ بين أتباع.
سؤال يبقى عالقاً في البال ليرسم بسمة على الشفتين: لو خرجت «الجميلة» عن صمتها، وصوتت لغير «التيار»، هل يكون جمالها «غلط»؟

Script executed in 0.1982479095459