يتابع المدير العام للأمن العام اللواء عبّاس إبراهيم اكثر الملفات الامنية دقة وخطورة، منها على سبيل المثال لا الحصر ملف العسكريين المخطوفين، وقد لمس اهالي العسكريين مصداقيّته عندما طلب من أهالي العسكريّين الذين كانوا مُعتقلين لدى «جبهة النصرة» الإرهابيّة بالتروّي لأنّ الأمور ستصل إلى خواتيمها السعيدة، وكذلك عندما تحدّث أهالي العسكريّين المُعتقلين لدى تنظيم «داعش» الإرهابي بصراحة وموضوعيّة عن صُعوبة إيجاد وسيط يتمتّع بالمصداقيّة لدفع قضيّة أبنائهم إلى الأمام.
وقد اتخذ تحذير ابراهيم بشأن «مكمن امني ـ عسكري» يُنصب لمخيّمات اللجوء الفلسطيني، ويُراد منه إستدراج لبنان واللاجئين وتوريطهم في ما لا يريدونه من مُواجهة يحرصون على تجنّبها على الدوام لأسباب سياسيّة وعسكريّة وأمنيّة... أهمّية مُضاعفة، خاصة عند قراءة ما جاء بين سطور هذه المواقف الأخيرة، وكذلك عند تقاطع هذا التنبيه مع معلومات لا تدعو للإرتياح.
وفي هذا السياق، أشارت مصادر لبنانيّة مُطلعة على واقع المخيّمات الفلسطينيّة، إلى أنّه في الشكل، الوضع الأمني في هذه المخيّمات مضبوط إلى حدّ كبير، وفي الظاهر أيضاً تُصرّ الفصائل التابعة للسُلطة الفلسطينيّة على أنّها مُسيطرة على الأوضاع، وأن لا مصلحة لأي جهة فلسطينيّة، حتى من بين أولئك المحسوبين على التيّارات الإسلاميّة المُتشدّدة، بإثارة أيّ فتنة فلسطينيّة ـ فلسطينيّة أو فلسطينيّة ـ لبنانيّة. لكنّ المصادر اللبنانيّة نفسها رأت أنّه عند الغوص في باطن الأمور يتبيّن أنّ الأوضاع ليست بهذه المثاليّة. وأوضحت أنّ المخيّمات الفلسطينيّة في لبنان باتت في السنوات القليلة الماضية تُعاني من إكتظاظ سُكّاني ضاغط جداً نتيجة النموّ الديموغرافي السريع من جهة، وبفعل فرار الكثير من فلسطينيّ المخيّمات في سوريا إلى مخيّمات لبنان. وتابعت المصادر نفسها أنّ المُساعدات التي كانت تُقدّمها «وكالة غوث وتشغيل الفلسطينيّين» المعروفة إختصارًا بإسم «أونروا»، تراجعت بشكل كبير نتيجة عجزها المالي الذي يكاد يُلامس المئة مليون دولار، الأمر الذي أسفر عن خفض وتقليص خدماتها ومساعداتها في مجالات التعليم والصحّة والتقديمات الإجتماعيّة، إلخ.
ولفتت المصادر اللبنانيّة المُطلعة نفسها إلى أنّ الأخطر من كل ما سبق هو تنامي ظاهرة التطرّف الديني والعقائدي في صفوف مجموعة لا يُستهان بها من أبناء المخيّمات، وتسرّب الفكر التكفيري إلى رؤوس بعض الشبّان المُغرّر بهم، بالتزامن مع بروز جماعات مُسلّحة عدّة تحت عناوين إسلاميّة ومتطرّفة مُختلفة، مثل «داعش» و«النصرة» و«فتح الإسلام» و«عصائب أهل الحق» و»جند الشام»، إلخ. وأشارت إلى أنّ كل هذه التنظيمات والفصائل وغيرها لا تتبع للقوّتين السياسيّتين الأساسيّتين للفلسطينيّين، أي كل من حركتي «فتح» و«حماس»، وهي مُموّلة من مصادر مشبوهة، ومُدارة من قبل أجهزة إستخبارات مختلفة، الأمر الذي يجعلها عرضة لتنفيذ أجندات خارجيّة خطيرة على الأمن والإستقرار في لبنان.
وأكّدت المصادر اللبنانيّة المُطلعة أنّ التحذير الذي أطلقه اللواء إبراهيم في كلامه الأخير، ينطلق من خلفيّتين أساسيّتين، الأولى معلومات إستخباريّة مَوثوقة لدى الأجهزة اللبنانيّة الرسميّة، مفادها أنّ العديد من المَطلوبين داخل المخيّمات الفلسطينيّة شكّلوا «خلايا إرهابيّة» تعمل على إعداد مُخطّطات تفجير وإغتيال في مختلف المناطق اللبنانيّة، ولها أذرع خارج المخيّمات تُحاول دوريًا التواصل معها ومدّها بالمال وبالأدوات التخريبيّة على أنواعها، والثانية أنّ السُلطة اللبنانيّة إتخذت في الأشهر القليلة الماضية - بغطاء سياسي وأمني واضح من أعلى القيادات نزولاً، وتحديداً من موقع رئاسة الجمهوريّة مُروراً بمختلف قادة الأجهزة الأمنيّة، قراراً حازماً بأنّ على قيادات «الأمر الواقع» داخل المُخيّمات الفلسطينيّة الخارجة عن سُلطة الدولة، التنسيق مع الأجهزة اللبنانيّة الأمنيّة المَعنيّة، لتسليم كل المَطلوبين الذين رفعت السُلطات في لبنان لوائح إسميّة بهم. وشدّدت المصادر نفسها على أنّ السُلطة اللبنانيّة حازمة هذه المرّة في مُتابعة هذا الموضوع حتى النهاية، وهي عازمة على مُمارسة مُختلف أنواع الضُغوط، لحثّ «العقلاء» و«المُعتدلين» داخل المخيّمات على التصرّف بمنطق، والعمل مع السُلطات اللبنانيّة على تسليم المطلوبين، لأنّه لم يعد من الجائز والمقبول ترك هذه «الخلايا الإرهابيّة» تكبر وتتمدّد، وتزداد قوّة وخطورة، بحجّة الخوف من ردّ فعلها الإنتقامي!
وشدّدت المصادر اللبنانيّة المُطلعة على أنّ السُلطات اللبنانيّة تنتظر في الأسابيع القليلة المُقبلة عمليّات مُشابهة لعمليّة تسليم الإرهابي خالد «السيّد»، وهي لن تقبل بعد اليوم بالوقوف موقف المُتفرّج إزاء جهات تُخطّط لعمليّات إرهابيّة وتعمل على تأمين المُنفّذين والأدوات التنفيذيّة اللازمة لهذه العمليّات، بل ستتخذ كل الإجراءات الضرورية لإفشال هذه المُخطّطات في مهدها. ودعت القوى الفلسطينيّة المعنيّة إلى تفهّم القلق اللبناني، وحثّتها على تكثيف التعاون لما فيه خير ومصلحة المخيّمات الفلسطينيّة ولبنان على السواء.
المصدر: للكاتب ناجي سمير البستاني/ الديار