
«الضباط الأربعة إلى الحرية»... لم تعد هذه الجملة القصيرة عنوانا إعلاميا افتراضيا محفوفا بخطر تغليب العاطفي أو السياسي على «المهني» كما أوحى مانشيت «السفير» أمس للبعض. صارت هذه الجملة حقيقة عاشها اللبنانيون، أمس، بكل مشاربهم وأحاسيسهم المتناقضة، على الهواء مباشرة... ولم تكن «السفير» لـ«تتورط» بحسم كهذا، لو لم تستجمع معطياتها ومعلوماتها وخاصة من المراجع اللبنانية المعنية بهذا الملف.
نعم الضباط الأربعة: جميل السيد، مصطفى حمدان، ريمون عازار وعلي الحاج، أصبحوا أحرارا وبين أهلهم، بعد حوالى أربع سنوات من الاعتقال الاحتياطي، على خلفية الاشتباه بهم، ظلما، في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وصار بمقدورهم أن يتمتعوا كغيرهم من أبناء بلدهم بكل حقوقهم التي حرموا منها ومن كل الأثمان التي دفعوها، من دون أن يكون إطلاق سراحهم مشفوعا لا بالإقامة الجبرية ولا بإبقائهم على ذمة التحقيق بل بقرينة البراءة الصادرة عن مرجع قضائي دولي وبتحميل السلطات اللبنانية أيضا مسؤولية الحفاظ على أمنهم الشخصي في المرحلة المقبلة.
ولعل المؤسف أن ما كان يؤمل أن يبادر القضاء اللبناني إليه من إعلان براءة الضباط قبل سنوات أو أشهر أو حتى أسابيع، قد تم على يد القضاء الدولي، وخلال مهلة لم تتجاوز شهرين من موعد انطلاق المحكمة الدولية، الأمر الذي أعطى مصداقية عالية للتحقيق الدولي وأضر بالمقابل، وللأسف الشديد، بصورة ومصـداقية القضاء اللبناني.
ومن نافل القول إن التوقيف الاحتياطي لم يكن في يوم من الأيام إجراء دائما بل استثنائي، وهو الأمر الذي استند إليه القضاء الدولي، وعبر عنه فرانسوا رو مساعد رئيس هيئة الدفاع، بقوله لـ«السفير» إن المحكمة الدولية لم تفعل سوى وضع حد لوضع كان يسبب صعوبات قانونية لها ووجدت أن قرار إخلاء سبيل الضباط «يعود بها إلى التطابق مع مبادئ العدالة التي تجعل من الاحتجاز إجراء استثثنائيا، وبالتالي، فإن المحكمة قامت بواجبها ونطقت بالعدل كما يجدر بها».
نعم الضباط الأربعة: جميل السيد، مصطفى حمدان، ريمون عازار وعلي الحاج، أصبحوا أحرارا وبين أهلهم، بعد حوالى أربع سنوات من الاعتقال الاحتياطي، على خلفية الاشتباه بهم، ظلما، في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وصار بمقدورهم أن يتمتعوا كغيرهم من أبناء بلدهم بكل حقوقهم التي حرموا منها ومن كل الأثمان التي دفعوها، من دون أن يكون إطلاق سراحهم مشفوعا لا بالإقامة الجبرية ولا بإبقائهم على ذمة التحقيق بل بقرينة البراءة الصادرة عن مرجع قضائي دولي وبتحميل السلطات اللبنانية أيضا مسؤولية الحفاظ على أمنهم الشخصي في المرحلة المقبلة.
ولعل المؤسف أن ما كان يؤمل أن يبادر القضاء اللبناني إليه من إعلان براءة الضباط قبل سنوات أو أشهر أو حتى أسابيع، قد تم على يد القضاء الدولي، وخلال مهلة لم تتجاوز شهرين من موعد انطلاق المحكمة الدولية، الأمر الذي أعطى مصداقية عالية للتحقيق الدولي وأضر بالمقابل، وللأسف الشديد، بصورة ومصـداقية القضاء اللبناني.
ومن نافل القول إن التوقيف الاحتياطي لم يكن في يوم من الأيام إجراء دائما بل استثنائي، وهو الأمر الذي استند إليه القضاء الدولي، وعبر عنه فرانسوا رو مساعد رئيس هيئة الدفاع، بقوله لـ«السفير» إن المحكمة الدولية لم تفعل سوى وضع حد لوضع كان يسبب صعوبات قانونية لها ووجدت أن قرار إخلاء سبيل الضباط «يعود بها إلى التطابق مع مبادئ العدالة التي تجعل من الاحتجاز إجراء استثثنائيا، وبالتالي، فإن المحكمة قامت بواجبها ونطقت بالعدل كما يجدر بها».
وإذا كان توقيف الضباط قد استثمر سياسيا حتى الحدود القصوى من قبل فريق 14 آذار خلال فترة المواجهة الحادة مع المعارضة وسوريا، فإنه من باب تحصيل الحاصل أن الصورة السياسية الداخلية بعد التاسع والعشرين من نيسان 2009، باتت مختلفة كليا، عما حاولت تثبيته معطيات الثلاثين
من آب 2005، لحظة اعتقال الضباط، كأول استثمار سياسي أعقب الانتخابات النيابية الماضية، وبالتالي، يمكن القول إن الإفراج عنهم على مقربة من موعد إجراء الانتخابات النيابية المقبلة، سيكون محور استثمار من قبل المعارضة، وخاصة في خطابها الموجه للشريحة المترددة التي قد تؤدي دورا حاسما في تحديد النتائج، ولا سيما في الجانب المسيحي، بينما يُخشى من أن يؤدي الإفراج إلى مزيد من التطرف في بعض البيئات المذهبية والسياسية الاخرى.
ولئن كان إطلاق سراح الضباط قد شكل أمس الحدث الاستثنائي الذي استقطب كل الأضواء الإعلامية والاهتمام السياسي، إلا ان كلمة اللواء جميل السيد امام حشد مستقبليه، قاربت ان تكون حدثا قائما بحد ذاته لما انطوت عليه من مضمون سياسي منهجي ومتماسك، إذ بدا حريصا على ألا تدفعه تجربته المرّة مع السجن التعسفي الى تضييع البوصلة والنفور من شعار معرفة الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، إضافة الى انه خاطب النائب سعد الحريري بصراحة غير جارحة، تجنبت الانفعال الشخصي او نبرة الثأر متفاديا الهجوم عليه وناصحا إياه بـ«تنظيف» محيطه من أولئك الذين يضللونه.
وقال السيد أمام الوفود الشعبية التي احتشدت امام منزله: خرج اربعة ضباط لكن ما زال هناك واحد سجيناً مطلوب إطلاق سراحه نحو الحقيقة هو رفيق الحريري، وأضاف: سعد الحريري يحب والده ويريد الحقيقة، لكنني أعرف انه حضن أشخاصاً لا يريدون الحقيقة لوالده في الإعلام والسياسة وضباط الأمن المحيطين به. سعد الحريري إما ضُلل وإما قَبِل المقايضة بين السياسة ووالده، وليس عندي شيء ضده. المطلوب ان يعرف سعد الحريري من قتل والده، وليعرف، عليه أن يحاسب الإعلام ومن كذب عليه، وسعيد ميرزا والقضاة، ويحاسب الضباط الذين ركّبوا زهير الصديق وهسام هسام وغيرهم.
وقال السيد: نحن لسنا دعاة انتقام، لكن لا يقارنّي سمير جعجع به ويقل لا يصح إلا الصحيح. صح الصحيح عندما خرج الضباط بمحكمة دولية ولم يصح الصحيح عندما خرج هو بعفو سياسي.
الحريري يجدد اتهامه
إلى سوريا
وفي المقابل، يسجل للنائب سعد للحريري، انه تعاطى مع قرار المحكمة الدولية بـ«روح رياضية»، ولو متأخرة بعض الشيء، فكبح عواطفه الشخصية المعروفة تجاه الضباط وأكد التزامه بكل ما يصدر عن المحكمة، داعيا الى الالتفاف حولها، وساعيا الى احتواء غضب جمهوره او خيبة أمله.
وقال الحريري في مؤتمره الصحافي: أنا سعد رفيق الحريري لا أشعر بذرة واحدة من خيبة الأمل ومن الخوف على مصير المحكمة الدولية جديا، وأعلن بشكل مباشر وواضح، ترحيبي بأي قرار يصدر عن المحكمة الدولية، وعلى كل معني في لبنان وخارجه أن يعلم علم اليقين أننا لن نعطي المتضررين من قيام المحكمة الدولية أي اشارة سلبية تؤثر على عملها. إن هذا القرار هو الرد الساطع على كل من قام بحملة عليها مدعيا أنها مسيسة، ومناسبة له ولسواه للاقلاع نهائيا عن هذه الممارسات الهادفة إلى حماية القتلة، وشدد على ان المحكمة الدولية أصبحت مسؤولة عما قد ينتج من قرارها إخلاء سبيل أي فرد من الأفراد بانتظار انعقاد المحكمة.
وأضاف: إننا لا نريد الثأر من أحد ولا نريد الانتقام من أحد، حتى من أولئك الذين حامت حولهم الشكوك والشبهات منذ اللحظة الأولى لجريمة الاغتيال في 14 شباط، أو من أولئك الذين أوغلوا في إعداد المسرح السياسي والإعلامي للجريمة عن قصد أو غير قصد.
وجدد الحريري اتهامه السياسي الى سوريا، وقال «نحن لا نختبئ وراء اصابعنا. اليوم نكرر ما قلناه في السابق، وهو اننا سنقبل بقرار المحكمة الدولية ايا كان».
ندوب على جسم القضاء اللبناني
وإذا كانت المحكمة الدولية قد فازت بالجولة الاولى من معركة إثبات مصداقيتها المهنية وتأكيد مناعتها ضد التسييس مبدئيا، فإن ما يجدر التوقف عنده في قرار قاضي الإجراءات التمهيدية دانيال فرانسين بناء على توصية القاضي دانيال بلمار انه لم يكتف بالموافقة على إطلاق سراح الضباط وحسب بل انه أكد براءتهم لانتفاء وجود أي دليل يبرر اتهامهم.
أما المتضرر الاكبر من قرار المحكمة الدولية فهو القضاء اللبناني الذي تهرب طويلا من تحمل مسؤولياته تجاه ملف التوقيف، ولأسباب سياسية بحتة، مفضلا اعتماد سياسة الهروب الى الامام ومسايرة المناخ السياسي «الضاغط»، على حساب منطق العدالة والقانون، فجاء إخلاء سبيل الضباط ليكشفه أمام الرأي العام ويوجه له ضربة قوية، ستترك على الارجح ندوبا عميقة في جسمه، لا بل تعيد وضع مسألة اصلاح الجسم القضائي في قمة أولويات الحكومة الجديدة التي ستتألف بعد الانتخابات المقبلة.
وعلمت «السفير» ان وزير العدل ابراهيم نجار، وفور سماعه عبر شاشة التلفزيون قرار الإفراج عن الضباط الاربعة عند الثالثة بعد الظهر، اتصل برئيس الحكومة فؤاد السنيورة واستمزج رأيه في إمكان المباشرة في إنجاز الترتيبات لإطلاق سراحهم قبل ان يصله التبليغ الرسمي، فوافق السينورة وأعطى نجار تعليماته الى الأجهزة المعنية ببدء تطبيق القرار الدولي.
فرانسين يأمر.. والقضاء ينفذ
وقال وزير العدل ابراهيم نجار لـ»السفير» ان لبنان طبق قرار المحكمة الدولية وتجاوب معه كليا وفورا، من دون انتظار التبليغ الرسمي، وأنا مرتاح جدا لذلك.
وحول ما نسب اليه من ان إخلاء السبيل لا يعني حكما البراءة، أوضح ان ما قاله هو ان المرء يمكن ان يُخلى سبيله ولا يكون بريئا والعكس صحيح، وهذه قاعدة قانونية معروفة، سبق ان أكدها وكيل احد الضباط كما أكدها رئيس المحكمة الدولية في تصريحات صحافية له.
وعما إذا كان يوافق على ان القضاء اللبناني هو الخاسر الاكبر مما جرى، أجاب: هذا الموضوع سابق لأوانه، المهم اننا طبقنا القانون اليوم.
وكان قاضي الاجراءات التمهيدية في المحكمة الدولية دانيال فرانسين قد أعلن خلال جلسة متلفزة للمحكمة الدولية، نقلت مباشرة على الهواء من لاهاي، «ان المدعي العام في المحكمة الخاصة بلبنان القاضي دانيال بلمار أمر بالافراج فورا عن الضباط الاربعة واتخاذ الاجراءات اللازمة لضمان سلامتهم». وأشار الى ان الأدلة المتوفرة لا تتمتع بالمصداقية الكافية لاستمرار توقيف هؤلاء الأشخاص، واستنادا الى ذلك فإن هؤلاء يعتبرون أبرياء ولا يجد المدعي العام أي سبب لإبقائهم قيد التوقيف في الوقت الحالي.
«الخروج الكبير» للضباط
وكان الضباط الأربعة قد بدأوا بالخروج تباعا من سجن رومية غروب يوم أمس، بعد ساعات من حبس الأنفاس، حيث نقلوا الى منازلهم بمواكب تابعة لجهاز أمن السفارات وسط إجراءات أمنية مشددة، باستثناء العميد مصطفى حمدان الذي أرسل له الرئيس إميل لحود موكبه الخاص.
وفي حين بدا الضباط في حالة صحية جيدة ومعنويات مرتفعة، غصت منازلهم بالمهنئين من الوفود الشعبية وشخصيات المعارضة، وخصوصا قيادات «حزب الله» التي لوحظ انها واكبت و«طوّقت» رحلة الضباط نحو الحرية، بأدق تفاصيلها، قبل أربع وعشرين ساعة وصولا الى لحظة الافراج عنهم وحتى وصولهم الى منازلهم، بينما غابت وجوه بارزة في المعارضة.
وكان لافتا للانتباه، في كل خطاب قيادات «حزب الله» خلال استقبال الضباط الأربعة، في منازلهم، اعتبار ما جرى وصمة عار على جبين القضاء اللبناني وبيان نعي للسلطة القضائية، فيما ذهب رئيس المجلس السياسي في «حزب الله» السيد ابراهيم امين السيد في كلمته أثناء استقبال اللواء السيد، الى اعتماد خطاب عالي اللهجة سياسيا إزاء السلطة الحالية، وطالب فريق 14 آذار بإعطاء المعارضة خريطة الألغام التي وضعوها في طريق المحكمة الدولية، مشيرا الى ان احد هذه الالغام «تفجر بين ايديهم وفي وجوهم وليوفروا على اللبنانيين مزيدا من المآسي والآلام».
وقال العميد حمدان لـ«السفير» ان ما مضى قد مضى، لكن اتهامي كان القصد منه أن تُستعدى ضدي البيئة التي أنتمي اليها والخط الوطني والعروبي المقاوم الذي أنتمي اليه، والآن عدت الى أهلي ولن أخرج منهم وقد سقطت التهمة التي قصدت إبعادي عنهم.
واعتبر العميد عازار انه «لولا القضاء الدولي وحكمته لما كان أخلي سبيل الضباط الاربعة»، مؤكدا أن «إخلاء السبيل أعطانا حقنا».
ورأى اللواء الحاج «أن العودة من وراء القضبان هي عودة الى الحرية وإلى حقيقة من اغتال رفيق الحريري، لأن كل ما جرى في السابق كان تعمية عن الحقيقة لأهداف سياسية ضيقة».
وفيما لم يصدر أي موقف رسمي لكل من رئيسي المجلس النيابي نبيه بري والحكومة فؤاد السنيورة، أعرب رئيس الجمهورية ميشال سليمان من لندن عن ارتياحه لصدور قرار إطلاق سراح الضباط الاربعة، معتبرا ان ذلك يعبر عن انطلاق سير المحكمة الدولية بشكل صحيح وشفاف ومن دون تسييس، وينبئ بكشف الحقيقة كاملة.
وفيما ينتظر أن يعلن رئيس «اللقاء الديموقراطي» النائب وليد جنبلاط اليوم موقفه من تطورات موضوع الضباط، من المتوقع أن يطل الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصرالله قبل نهاية الأسبوع الحالي للغاية نفسها، ومن غير المستبعد أن يصدر موقف عن مجلس الوزراء، في جلسته، اليوم، يتضمن التأكيد على احترام قرارات المحكمة.
(السفير)