كتب المحرر السياسي - السفير
لليوم الثاني على التوالي، خطف الضباط الأربعة جميل السيد وعلي الحاج وريمون عازار ومصطفى حمدان، الأضواء السياسية والإعلامية، وظلوا محافظين على خطاب وطني جامع، جعل اللبنانيين يتعرفون للمرة الأولى على عقلهم السياسي الذي بدا بعيدا كل البعد عن خطاب الثأر والانتقام الذي كان وما يزال يزنّر عقل معظم الطبقة السياسية في لبنان.
بالأمس، أيضا، ظل الضباط الأربعة، محور الاستقطاب السياسي، بين معارضة منتشية بتحريرهم، وخاصة عمودها الفقري «حزب الله» وبين موالاة، بدت مصابة، كما جمهورها بإحباط ناتج عن انهيار الصورة ـ الأسطورة، التي تم حفرها في الذاكرة الجماعية منذ اللحظة الأولى لوقوع المأساة الوطنية في الرابع عشر من شباط 2005.
وبينما كان ينتظر من النائب وليد جنبلاط، أن يغادر «مهمة» إعادة شد عصب قيادات وجمهور الرابع عشر من آذار، حتى يراكم أكثر فأكثر، على صعيد الخطاب الوطني الجامع، عاد بالأمس، ليمارس مهنة قديمة ـ جديدة، فاختار، عند الصباح، «الأشباح» ومنها شبح «النظام الأمني اللبناني السوري»، هدفا يصوّب عليه، لإعادة شد عصب قريطم التي لم يكن خطابها الأخير موفقا بمضمونه وتوقيته، ولكنه وجد نفسه، عصرا يعيد التموضع من عين التينة، في المكان الذي صار «يرتاح» إليه أكثر، لعله يقوده لاحقا إلى خيار الوسطية عند رئيس الجمهورية، بعد تأدية واجب الانتخابات النيابية مباشرة، وتسمية من ينبغي أن يكون رئيسا للحكومة المقبلة.
أما اليوم، فيفترض أن يكون، يوم الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصرالله، الذي سيطل عبر الشاشة، عند الثامنة والنصف مساء، متحدثا عن المعاني والانعكاسات السياسية لتحرير الضباط الأربعة والمواقف التي صدرت وعن قضايا أخرى أبرزها قضية المقاوم اللبناني سامي شهاب المعتقل في مصر والمناورة الإسرائيلية الضخمة التي ستجري في نهاية أيار وربما الانتخابات النيابية..
وبين الأمس واليوم، وقبلهما، فاض الإعلام، مرئيا ومسموعا ومكتوبا بالقراءات المتعددة والمتناقضة، لقضية إطلاق سراح الضباط الأربعة، ومن المؤكد أن هذه القضية ستستمر بالتفاعل في الأيام المقبلة، مع فيض مستمر من القراءات السياسية حول خلفية عملية إطلاق سراح الضباط وما إذا كانت هناك علاقة بين ما حصل وبين المناخات الدولية والإقليمية المتغيرة، أو بين ما حصل وتقدم مشروع ما وتراجع آخر أو بين ما حصل واحتمال وجود «خرائط ألغام» جديدة، على طريق المحكمة و»الحقيقة» قد تكون أفدح، مما حصل، غير أن ذلك كله لا يمنع من محاولة إجراء قراءة باردة للحدث، وهي قراءة أولى يغلب عليها طابع التساؤلات والهواجس وليس الجزم في اتجاه أو آخر.
أولا، ثبت بالملموس وعلى الرغم من مرور أربع سنوات على اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري أن قضية «الحقيقة» هي قضية لا يختلف لبناني وآخر عليها، بل ربما صارت ثابتة من الثوابت الوطنية الكبرى، وحسنا فعل الضباط الأربعة، وخاصة اللواء جميل السيد، بما شكله ويشكله من رمزية، بمراعاتهم حساسية هذه القضية، وأن يضعوا خطابهم وأنفسهم، بعد أربعة وأربعين شهرا من المكابدة، بتصرف «الحقيقة». لا بل ربما يشكل الإفراج عنهم، خطوة أولى، على طريق إعادة تثبيت الإجماع اللبناني الذي انعقد في الحوار الوطني، حول معرفة حقيقة من قتل رفيق الحريري وأدخل لبنان في أتون مشروع كبير وضعه وما يزال على خط الزلازل السياسية والأمنية.
ولعل هذه النقطة ستشكل أحد محاور خطاب السيد حسن نصرالله، اليوم، بإعادة تأكيد التزامه كشف حقيقة قتلة الحريري ومن الزاوية نفسها التي حددها أمام سعد الحريري وأخوته ووالدتهم السيدة نازك الحريري عندما زارهم معزيا في قريطم بعد الجريمة مباشرة، لا بل يمكن القول إن ترحيب الحزب بالضباط «هو الوجه الآخر لالتزامه بقضية الرئيس الحريري على أساس تحقيق العدالة وليس طمسها، إذ لا تناقض بين الأمرين بل هما يتكاملان في الاتجاه الصحيح الذي يقود إلى كشف هوية القتلة الفعليين».
ثانيا، لا يمكن فصل ما جرى، عن توقيت ومناخ، أكبر من لبنان والمنطقة، فهل خطوة من هذا النوع كان يمكن أن تمر لو أن الإدارة الأميركية لم تتغير أو أن الحوار لم يبدأ بين دمشق وواشنطن وبين دمشق والرياض وأين تركيا الحاضرة في كل التفاصيل اللبنانية السياسية والأمنية من هكذا خطوة، وما هي صحة ما أورده المحلل البريطاني روبرت فيسك في صحيفة «الأندبندنت» البريطانية بأن ما جرى «هو إشارة أميركية إلى سوريا»(طرح سؤالا عن جدوى زيارة هيلاري كلينتون الأخيرة إلى بيروت ووقوفها أمام ضريح الحريري)، فيما قال محللون آخرون أن تحرير الضباط هو بمثابة تبرئة كاملة لسوريا من هذه القضية؟
ثالثا، ربما يريد البعض القول أن ما جرى هو انتصار حقيقي للمحكمة الدولية وسقوط لكل منطق تسييسها، وربما يريد فريق آخر، القول إن ما شهدناه يكاد يقارب الإعلان عن نهاية المحكمة، لأن كل فكرتها قامت في الأصل، على أساس اتهام سياسي، وليس على اتهام قضائي، وكان يراد أن يكون محصورا بمتهم واحد وبالوصول إلى حقيقة واحدة، وعندما سقط الاتهام وبُرىء المتهمون، وصار بالإمكان وضع الجريمة على سكة الحقيقة المطلقة، ربما لا يريد البعض فعلا للمحكمة أن تصل إلى المتهم الحقيقي والحقيقة المجردة التي يطمح كل لبناني للوصول إليها.
ولعل اللافت للانتباه أن «حزب الله» تجاهل عنصر المحكمة ولم يقل كلمة شكر أو ذم في القرار الدولي، راسما بالتالي مسافة واضحة مع ما حصل، محذرا بشكل واضح من وجود «خرائط ألغام» ما زالت مخفية «صديقية» أو «هسامية»، وكأنه يحذر من نظرية تحضير المسرح لـ»متهم جديد» و»حقيقة جديدة» تبعا للاستثمار السياسي، خاصة وأنه كان واضحا منذ اليوم الأول لطرح المحكمة الدولية بأنه من حيث المبدأ لا يثق بأي إطار دولي مجهول الملامح والمعالم والمضمون، ويفضل أن تكون المحكمة إما عربية أو إسلامية كما طالب بذلك آل الحريري، أنفسهم، أثناء استقبالهم، في قريطم، للسيد نصرالله في قريطم.
ولا يجوز إغفال أن توقيف الضباط تم بناء على توصية دولية قال القضاء اللبناني أنه التزم بها، فما هي الضمانة بأن لا تتكرر التوصية على يد قاض دولي تبعا للزمن السياسي؟
رابعا، لا بد من القول إن ما أصاب القضاء اللبناني، في السنوات الأخيرة، ليس نشازا عما أصاب كامل بنية الدولة بمؤسساتها كافة من رئاسة الجمهورية إلى أصغر موظف في الإدارة مرورا بالسلطتين التشريعية والتنفيذية والمؤسسات الأمنية والعسكرية والسياسية.
ولا يجب أن يبالغ اللبنانيون في تحميل القضاء أكثر مما يحتمل في زمن الانقسام السياسي والطائفي والمذهبي والانكشاف الأمني والوقوع في شرك التدويل و»الدول» ووصاية «القناصل»، غير أن ذلك كله لا يبرر أبدا، مسؤولية القضاء والقضاة في الحفاظ على الحد الأدنى، من مصداقية سلطة تكاد تكون مع المؤسسة العسكرية خشبة الخلاص الأخيرة لكل اللبنانيين.
ومن هنا، ينتظر اللبنانيون من مجلس القضاء في جلسته الاستثنائية بتوقيتها ومضمونها، يوم الثلاثاء المقبل، أن يقول كلمة كبيرة في وجه التدخلات السياسية، قبل الانتقادات السياسية، وأن تتحول الانتقادات للسلطة القضائية، إلى مناسبة لصحوة قضائية، ولو متأخرة، تعيد الاعتبار إلى صورة القضاء والقضاة وتشفع بآلاف الموقوفين في السجون وتجعل ملايين اللبنانيين، مقيمين ومغتربين، يطمئنون إلى الحد الأدنى من دولة القانون.
خامسا، إن ما حصل يوجب على اللبنانيين، الأخذ في الاعتبار، أن المخاطر ما تزال محدقة ببلدهم، وأن الانكشاف السياسي، الناتج عن الانقسام الداخلي و»الوصاية الدولية» المستمرة بأشكال وألوان القرارات الدولية المختلفة، يجعلهم، أكثر من أي وقت مضى، عرضة للاستهداف الأمني، وبأشكال مختلفة، وخاصة على عتبة مرحلة سياسية جديدة هي الانتخابات النيابية، وما بعدها، الأمر الذي يتطلب من الأجهزة الأمنية والعسكرية ومعهما المقاومة، ومن كل أطياف المجتمع السياسي اللبناني، التنبه الشديد لما يمكن أن يحاك ضد البلد وأمنه من أفخاخ أمنية، من أجل إعادة استثارة الغرائز والعصـبيات.
سادسا، هناك من يريد لإطلاق سراح الضباط الأربعة، أن يترك بصماته على مجريات الانتخابات النيابية المقبلة، وهذه مسألة لا يمكن لأحد أن يتحكم بها، لكن من الواضح من خلال تجربة السنوات الأخيرة، أن «البلوكات» الطائفية والمذهبية، كانت تزداد تماسكا مع الأحداث الكبرى، ولم نشهد انزياحا إلا على مستوى الكتلة المسيحية المنقسمة على ذاتها أصلا، والتي شكلت في الأصل العصب الأساسي لمشهد الرابع عشر من آذار، وأصابها الإحباط أكثر من غيرها، وربما ستكون أكثر كتلة قادرة على مساءلة قادتها وزعمائها تبعا لما آلت إليه الأمور في السنوات الأربع الأخيرة.
سابعا، مثلما كان الاستثمار السياسي من قبل فريق 14 آذار لاعتقال الضباط قبل ثلاث سنوات وأربعة أشهر، بديهيا، فان الاستثمار السياسي لما حصل، من قبل المعارضة، لا يمكن إلا أن يكون مشروعا في السياسة، خاصة عندما يبادر إليه «حزب الله» باتقان متعمد، بقصد التبني السياسي للضباط الأربعة، بما كانوا وما زالوا يمثلونه، بالنسبة إلى خيار المقاومة، خاصة وأن اتهامهم كان القصد منه التصويب على المناخ السياسي وجعل المقاومة نفسها في خانة الاتهام في مرحلة لاحقة. وهل يمكن فصل الخطاب السياسي المنفتح للضباط الأربعة عن واقعة الاحتضان السياسي لهم من جانب المقاومة؟
لقد بدا جليا، أن «حزب الله» قد أحاط بأبسط التفاصيل التقنية المتعلقة بعملية الإفراج عن الضباط وكيفية اختيار المواكب والمرافقين والطرق التي تسلكها وتنظيم الاستقبالات وفرز عناصر الحماية اللاحقة الخ... لا بل بدا الحزب معنيا بالقول إننا أمام عملية تحرير للأسرى، وليس للمعتقلين، حتى أن مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في «حزب الله» الحاج وفيق صفا كان بمثابة الظل للواء جميل السيد، من روميه إلى السمرلاند، تماما كما كان الظل للأسير المحرر سمير القنطار من الناقورة إلى مجمع سيد الشهداء في الضاحية الجنوبية.
ثامنا، لا يجوز أن يتحول الاتهام السياسي إلى «شعار وطني» متحرك، وهذه كلمة موجهة بصدق إلى النائب سعد الحريري أولا، والنائب وليد جنبلاط ثانيا، ومن خلالهما إلى كل جمهور رفيق الحريري، وهو جمهور، في الأصل، عابر لكل الطوائف والمناطق اللبنانية، مفادها أنه من غير الجائز الاستمرار برفع مقولة الاتهام السياسي طالما أن المحكمة قد انطلقت، وإلا كيف نفسر هذا الانتقال من شعار اتهام الضباط إلى إعادة تأكيد الاتهام السياسي لسوريا، وماذا إذا برأت المحكمة سوريا غدا، فهل سيكون عنوان المؤتمر الصحافي المقبل، أن هذه التبرئة هي ثمرة من ثمرات «ثورة الأرز»!
تاسعا، إن ما توجه به اللواء جميل السيد إلى النائب سعد الحريري، حول ضرورة اعادة النظر بكل الفريق المحيط به، هو مطلب جدي، لطالما نادى به وليد جنبلاط وكثيرون من المنتمين الى بيئة رفيق الحريري وأصدقائه بما في ذلك في بعض العالم العربي، والسؤال هنا، هل سيبقى سعد الحريري يوزع أسماعه، في اتجاهين، الأول، اتجاه عقلاني لبناني وعربي يتجاوز حدود «القصر»، وفيه أصوات خصوم واصوات حريصين حيث تتناثر النصائح الباردة والحكيمة ولا تثبت طويلا.
والاتجاه الثاني، هو الركون الى «الأذن الداخلية» في قريطم حيث تتناثر الأفكار القاصرة التي لم تثبت على مدى السنوات الماضية لا براعة في التعاطي ولا نصاعة في التفكير، وربما دارت عليها دائرة الأصدقاء قبل الأخصام من أجل لجمها وتجديدها، من دون طائل، فالى متى يبقى ذهن سعد الحريري مشتتا وبالتالي يخسر من رصيده السياسي والشعبي، ما لم يخسره أحد من قبله بمثل هذه السرعة القياسية؟
عاشرا وأخيرا، على رئيس الجمهورية العائد من رحلة تاريخية إلى لندن، أن يتلقف المبادرة، فالهدنة السياسية والإعلامية، التي أعلن أطراف الحوار استمرار الالتزام بها سرعان ما تهاوت، وهناك من بدأ يبشر اللبنانيين بأن الانتخابات نفسها صارت موضع سؤال، ولعل العبرة كل العبرة، في جمع المتحاورين قبل الأول من حزيران، لإعادة تثبيت الصورة السياسية التوافقية تبعا لروحية اتفاق الدوحة وتحديدا بند انجاز الانتخابات النيابية في حزيران المقبل.
يذكر أن رئيس الجمهورية قد بادر الى تهنئة الضباط الأربعة من لندن، وهو قال كلاما خلال اللقاء مع الجالية اللبنانية يحمل دلالات كبيرة، اذ أنه تمنى ان يشكل القرار بالإفراج عن الضباط ألأربعة «خطوة في تصويب مسلك التحقيق والوصول الى حقيقة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وسائر الاغتيالات ومحاسبة المجرمين».
لليوم الثاني على التوالي، خطف الضباط الأربعة جميل السيد وعلي الحاج وريمون عازار ومصطفى حمدان، الأضواء السياسية والإعلامية، وظلوا محافظين على خطاب وطني جامع، جعل اللبنانيين يتعرفون للمرة الأولى على عقلهم السياسي الذي بدا بعيدا كل البعد عن خطاب الثأر والانتقام الذي كان وما يزال يزنّر عقل معظم الطبقة السياسية في لبنان.
بالأمس، أيضا، ظل الضباط الأربعة، محور الاستقطاب السياسي، بين معارضة منتشية بتحريرهم، وخاصة عمودها الفقري «حزب الله» وبين موالاة، بدت مصابة، كما جمهورها بإحباط ناتج عن انهيار الصورة ـ الأسطورة، التي تم حفرها في الذاكرة الجماعية منذ اللحظة الأولى لوقوع المأساة الوطنية في الرابع عشر من شباط 2005.
وبينما كان ينتظر من النائب وليد جنبلاط، أن يغادر «مهمة» إعادة شد عصب قيادات وجمهور الرابع عشر من آذار، حتى يراكم أكثر فأكثر، على صعيد الخطاب الوطني الجامع، عاد بالأمس، ليمارس مهنة قديمة ـ جديدة، فاختار، عند الصباح، «الأشباح» ومنها شبح «النظام الأمني اللبناني السوري»، هدفا يصوّب عليه، لإعادة شد عصب قريطم التي لم يكن خطابها الأخير موفقا بمضمونه وتوقيته، ولكنه وجد نفسه، عصرا يعيد التموضع من عين التينة، في المكان الذي صار «يرتاح» إليه أكثر، لعله يقوده لاحقا إلى خيار الوسطية عند رئيس الجمهورية، بعد تأدية واجب الانتخابات النيابية مباشرة، وتسمية من ينبغي أن يكون رئيسا للحكومة المقبلة.
أما اليوم، فيفترض أن يكون، يوم الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصرالله، الذي سيطل عبر الشاشة، عند الثامنة والنصف مساء، متحدثا عن المعاني والانعكاسات السياسية لتحرير الضباط الأربعة والمواقف التي صدرت وعن قضايا أخرى أبرزها قضية المقاوم اللبناني سامي شهاب المعتقل في مصر والمناورة الإسرائيلية الضخمة التي ستجري في نهاية أيار وربما الانتخابات النيابية..
وبين الأمس واليوم، وقبلهما، فاض الإعلام، مرئيا ومسموعا ومكتوبا بالقراءات المتعددة والمتناقضة، لقضية إطلاق سراح الضباط الأربعة، ومن المؤكد أن هذه القضية ستستمر بالتفاعل في الأيام المقبلة، مع فيض مستمر من القراءات السياسية حول خلفية عملية إطلاق سراح الضباط وما إذا كانت هناك علاقة بين ما حصل وبين المناخات الدولية والإقليمية المتغيرة، أو بين ما حصل وتقدم مشروع ما وتراجع آخر أو بين ما حصل واحتمال وجود «خرائط ألغام» جديدة، على طريق المحكمة و»الحقيقة» قد تكون أفدح، مما حصل، غير أن ذلك كله لا يمنع من محاولة إجراء قراءة باردة للحدث، وهي قراءة أولى يغلب عليها طابع التساؤلات والهواجس وليس الجزم في اتجاه أو آخر.
أولا، ثبت بالملموس وعلى الرغم من مرور أربع سنوات على اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري أن قضية «الحقيقة» هي قضية لا يختلف لبناني وآخر عليها، بل ربما صارت ثابتة من الثوابت الوطنية الكبرى، وحسنا فعل الضباط الأربعة، وخاصة اللواء جميل السيد، بما شكله ويشكله من رمزية، بمراعاتهم حساسية هذه القضية، وأن يضعوا خطابهم وأنفسهم، بعد أربعة وأربعين شهرا من المكابدة، بتصرف «الحقيقة». لا بل ربما يشكل الإفراج عنهم، خطوة أولى، على طريق إعادة تثبيت الإجماع اللبناني الذي انعقد في الحوار الوطني، حول معرفة حقيقة من قتل رفيق الحريري وأدخل لبنان في أتون مشروع كبير وضعه وما يزال على خط الزلازل السياسية والأمنية.
ولعل هذه النقطة ستشكل أحد محاور خطاب السيد حسن نصرالله، اليوم، بإعادة تأكيد التزامه كشف حقيقة قتلة الحريري ومن الزاوية نفسها التي حددها أمام سعد الحريري وأخوته ووالدتهم السيدة نازك الحريري عندما زارهم معزيا في قريطم بعد الجريمة مباشرة، لا بل يمكن القول إن ترحيب الحزب بالضباط «هو الوجه الآخر لالتزامه بقضية الرئيس الحريري على أساس تحقيق العدالة وليس طمسها، إذ لا تناقض بين الأمرين بل هما يتكاملان في الاتجاه الصحيح الذي يقود إلى كشف هوية القتلة الفعليين».
ثانيا، لا يمكن فصل ما جرى، عن توقيت ومناخ، أكبر من لبنان والمنطقة، فهل خطوة من هذا النوع كان يمكن أن تمر لو أن الإدارة الأميركية لم تتغير أو أن الحوار لم يبدأ بين دمشق وواشنطن وبين دمشق والرياض وأين تركيا الحاضرة في كل التفاصيل اللبنانية السياسية والأمنية من هكذا خطوة، وما هي صحة ما أورده المحلل البريطاني روبرت فيسك في صحيفة «الأندبندنت» البريطانية بأن ما جرى «هو إشارة أميركية إلى سوريا»(طرح سؤالا عن جدوى زيارة هيلاري كلينتون الأخيرة إلى بيروت ووقوفها أمام ضريح الحريري)، فيما قال محللون آخرون أن تحرير الضباط هو بمثابة تبرئة كاملة لسوريا من هذه القضية؟
ثالثا، ربما يريد البعض القول أن ما جرى هو انتصار حقيقي للمحكمة الدولية وسقوط لكل منطق تسييسها، وربما يريد فريق آخر، القول إن ما شهدناه يكاد يقارب الإعلان عن نهاية المحكمة، لأن كل فكرتها قامت في الأصل، على أساس اتهام سياسي، وليس على اتهام قضائي، وكان يراد أن يكون محصورا بمتهم واحد وبالوصول إلى حقيقة واحدة، وعندما سقط الاتهام وبُرىء المتهمون، وصار بالإمكان وضع الجريمة على سكة الحقيقة المطلقة، ربما لا يريد البعض فعلا للمحكمة أن تصل إلى المتهم الحقيقي والحقيقة المجردة التي يطمح كل لبناني للوصول إليها.
ولعل اللافت للانتباه أن «حزب الله» تجاهل عنصر المحكمة ولم يقل كلمة شكر أو ذم في القرار الدولي، راسما بالتالي مسافة واضحة مع ما حصل، محذرا بشكل واضح من وجود «خرائط ألغام» ما زالت مخفية «صديقية» أو «هسامية»، وكأنه يحذر من نظرية تحضير المسرح لـ»متهم جديد» و»حقيقة جديدة» تبعا للاستثمار السياسي، خاصة وأنه كان واضحا منذ اليوم الأول لطرح المحكمة الدولية بأنه من حيث المبدأ لا يثق بأي إطار دولي مجهول الملامح والمعالم والمضمون، ويفضل أن تكون المحكمة إما عربية أو إسلامية كما طالب بذلك آل الحريري، أنفسهم، أثناء استقبالهم، في قريطم، للسيد نصرالله في قريطم.
ولا يجوز إغفال أن توقيف الضباط تم بناء على توصية دولية قال القضاء اللبناني أنه التزم بها، فما هي الضمانة بأن لا تتكرر التوصية على يد قاض دولي تبعا للزمن السياسي؟
رابعا، لا بد من القول إن ما أصاب القضاء اللبناني، في السنوات الأخيرة، ليس نشازا عما أصاب كامل بنية الدولة بمؤسساتها كافة من رئاسة الجمهورية إلى أصغر موظف في الإدارة مرورا بالسلطتين التشريعية والتنفيذية والمؤسسات الأمنية والعسكرية والسياسية.
ولا يجب أن يبالغ اللبنانيون في تحميل القضاء أكثر مما يحتمل في زمن الانقسام السياسي والطائفي والمذهبي والانكشاف الأمني والوقوع في شرك التدويل و»الدول» ووصاية «القناصل»، غير أن ذلك كله لا يبرر أبدا، مسؤولية القضاء والقضاة في الحفاظ على الحد الأدنى، من مصداقية سلطة تكاد تكون مع المؤسسة العسكرية خشبة الخلاص الأخيرة لكل اللبنانيين.
ومن هنا، ينتظر اللبنانيون من مجلس القضاء في جلسته الاستثنائية بتوقيتها ومضمونها، يوم الثلاثاء المقبل، أن يقول كلمة كبيرة في وجه التدخلات السياسية، قبل الانتقادات السياسية، وأن تتحول الانتقادات للسلطة القضائية، إلى مناسبة لصحوة قضائية، ولو متأخرة، تعيد الاعتبار إلى صورة القضاء والقضاة وتشفع بآلاف الموقوفين في السجون وتجعل ملايين اللبنانيين، مقيمين ومغتربين، يطمئنون إلى الحد الأدنى من دولة القانون.
خامسا، إن ما حصل يوجب على اللبنانيين، الأخذ في الاعتبار، أن المخاطر ما تزال محدقة ببلدهم، وأن الانكشاف السياسي، الناتج عن الانقسام الداخلي و»الوصاية الدولية» المستمرة بأشكال وألوان القرارات الدولية المختلفة، يجعلهم، أكثر من أي وقت مضى، عرضة للاستهداف الأمني، وبأشكال مختلفة، وخاصة على عتبة مرحلة سياسية جديدة هي الانتخابات النيابية، وما بعدها، الأمر الذي يتطلب من الأجهزة الأمنية والعسكرية ومعهما المقاومة، ومن كل أطياف المجتمع السياسي اللبناني، التنبه الشديد لما يمكن أن يحاك ضد البلد وأمنه من أفخاخ أمنية، من أجل إعادة استثارة الغرائز والعصـبيات.
سادسا، هناك من يريد لإطلاق سراح الضباط الأربعة، أن يترك بصماته على مجريات الانتخابات النيابية المقبلة، وهذه مسألة لا يمكن لأحد أن يتحكم بها، لكن من الواضح من خلال تجربة السنوات الأخيرة، أن «البلوكات» الطائفية والمذهبية، كانت تزداد تماسكا مع الأحداث الكبرى، ولم نشهد انزياحا إلا على مستوى الكتلة المسيحية المنقسمة على ذاتها أصلا، والتي شكلت في الأصل العصب الأساسي لمشهد الرابع عشر من آذار، وأصابها الإحباط أكثر من غيرها، وربما ستكون أكثر كتلة قادرة على مساءلة قادتها وزعمائها تبعا لما آلت إليه الأمور في السنوات الأربع الأخيرة.
سابعا، مثلما كان الاستثمار السياسي من قبل فريق 14 آذار لاعتقال الضباط قبل ثلاث سنوات وأربعة أشهر، بديهيا، فان الاستثمار السياسي لما حصل، من قبل المعارضة، لا يمكن إلا أن يكون مشروعا في السياسة، خاصة عندما يبادر إليه «حزب الله» باتقان متعمد، بقصد التبني السياسي للضباط الأربعة، بما كانوا وما زالوا يمثلونه، بالنسبة إلى خيار المقاومة، خاصة وأن اتهامهم كان القصد منه التصويب على المناخ السياسي وجعل المقاومة نفسها في خانة الاتهام في مرحلة لاحقة. وهل يمكن فصل الخطاب السياسي المنفتح للضباط الأربعة عن واقعة الاحتضان السياسي لهم من جانب المقاومة؟
لقد بدا جليا، أن «حزب الله» قد أحاط بأبسط التفاصيل التقنية المتعلقة بعملية الإفراج عن الضباط وكيفية اختيار المواكب والمرافقين والطرق التي تسلكها وتنظيم الاستقبالات وفرز عناصر الحماية اللاحقة الخ... لا بل بدا الحزب معنيا بالقول إننا أمام عملية تحرير للأسرى، وليس للمعتقلين، حتى أن مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في «حزب الله» الحاج وفيق صفا كان بمثابة الظل للواء جميل السيد، من روميه إلى السمرلاند، تماما كما كان الظل للأسير المحرر سمير القنطار من الناقورة إلى مجمع سيد الشهداء في الضاحية الجنوبية.
ثامنا، لا يجوز أن يتحول الاتهام السياسي إلى «شعار وطني» متحرك، وهذه كلمة موجهة بصدق إلى النائب سعد الحريري أولا، والنائب وليد جنبلاط ثانيا، ومن خلالهما إلى كل جمهور رفيق الحريري، وهو جمهور، في الأصل، عابر لكل الطوائف والمناطق اللبنانية، مفادها أنه من غير الجائز الاستمرار برفع مقولة الاتهام السياسي طالما أن المحكمة قد انطلقت، وإلا كيف نفسر هذا الانتقال من شعار اتهام الضباط إلى إعادة تأكيد الاتهام السياسي لسوريا، وماذا إذا برأت المحكمة سوريا غدا، فهل سيكون عنوان المؤتمر الصحافي المقبل، أن هذه التبرئة هي ثمرة من ثمرات «ثورة الأرز»!
تاسعا، إن ما توجه به اللواء جميل السيد إلى النائب سعد الحريري، حول ضرورة اعادة النظر بكل الفريق المحيط به، هو مطلب جدي، لطالما نادى به وليد جنبلاط وكثيرون من المنتمين الى بيئة رفيق الحريري وأصدقائه بما في ذلك في بعض العالم العربي، والسؤال هنا، هل سيبقى سعد الحريري يوزع أسماعه، في اتجاهين، الأول، اتجاه عقلاني لبناني وعربي يتجاوز حدود «القصر»، وفيه أصوات خصوم واصوات حريصين حيث تتناثر النصائح الباردة والحكيمة ولا تثبت طويلا.
والاتجاه الثاني، هو الركون الى «الأذن الداخلية» في قريطم حيث تتناثر الأفكار القاصرة التي لم تثبت على مدى السنوات الماضية لا براعة في التعاطي ولا نصاعة في التفكير، وربما دارت عليها دائرة الأصدقاء قبل الأخصام من أجل لجمها وتجديدها، من دون طائل، فالى متى يبقى ذهن سعد الحريري مشتتا وبالتالي يخسر من رصيده السياسي والشعبي، ما لم يخسره أحد من قبله بمثل هذه السرعة القياسية؟
عاشرا وأخيرا، على رئيس الجمهورية العائد من رحلة تاريخية إلى لندن، أن يتلقف المبادرة، فالهدنة السياسية والإعلامية، التي أعلن أطراف الحوار استمرار الالتزام بها سرعان ما تهاوت، وهناك من بدأ يبشر اللبنانيين بأن الانتخابات نفسها صارت موضع سؤال، ولعل العبرة كل العبرة، في جمع المتحاورين قبل الأول من حزيران، لإعادة تثبيت الصورة السياسية التوافقية تبعا لروحية اتفاق الدوحة وتحديدا بند انجاز الانتخابات النيابية في حزيران المقبل.
يذكر أن رئيس الجمهورية قد بادر الى تهنئة الضباط الأربعة من لندن، وهو قال كلاما خلال اللقاء مع الجالية اللبنانية يحمل دلالات كبيرة، اذ أنه تمنى ان يشكل القرار بالإفراج عن الضباط ألأربعة «خطوة في تصويب مسلك التحقيق والوصول الى حقيقة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وسائر الاغتيالات ومحاسبة المجرمين».