تفكر: ما الذي أريد أن أفعله اليوم؟ اليوم الوحيد الذي يحقّ لك فيه أن ترتاح خارج الدوام. تكتشف أن حياتك الاجتماعية انتهت منذ فترة. لا يرن الهاتف يوم السبت فيما هو لا يكلّ عن الرنين أيام الدوام الطويلة الطويلة. تقف حائراً ماذا تفعل: ترتيب المنزل المهمل؟ ملء البراد الفارغ؟ زيارة الأهل الذين ما زالوا يندهشون منذ 14 عاماً بأنك تداوم يوم الأحد؟ وماذا عن الأصدقاء؟ تتراكم المهمات بتفاصيلها المنتظرة أن تنجزها، لدرجة لا يعود لديك، لارتباكك أمام ضخامة حجمها، رغبة في البدء بأي شيء. الإرهاق شديد لدرجة أنك في المساء لا تفعل شيئاً غير التمدّد والبحلقة بالسقف، والصلاة أن لا يطلب منك أي شخص أي شيء. أن لا ترفع سماعة الهاتف حتى لترد على «صوت عم بيقول مسا الخير»، كما تقول فيروز. يتعدى العمل، الذي اخترته وكنت شغوفاً به، على حياتك. يتحوّل من نعمة إلى نوع من لعنة توراتية عقاباً على خطيئة ما أولى. يصبح تعريف الجنة أن لا تقوم بشيء. أن يأتيك رزقك وأنت نائم. تفكر في أن ذلك لا شك أمر مملّ لدرجة قاتلة. لا يمكن الجنّة أن تكون هكذا. يملأ عملك رأسك بتفاصيل تلحق بك إلى السرير. وحين يحين موعد الاستمتاع بصحبة ما، تجد نفسك تتكلم عن العمل. وحتى حين يتكلم الآخرون عن أي موضوع، تجد نفسك تعلق بما تملكه يمين ذاكرتك: آه... لقد كتبنا مقالة عن هذا الموضوع، ثم تسرح بالكلام حتى تتنبّه أن عيون محدّثك اصبحت «غائمة» من الشرود. كأنها تقول: رجعنا للحديث نفسه!
ما الذي يبقيه العمل اليوم لنا من حياتنا؟ وكيف تحولنا إلى آلات منتجة، تتعطّل شيئاً فشيئاً لكثرة وسوء الاستعمال، ويسوء إنتاجها شيئاً فشيئاً للأسباب نفسها؟ عالمنا اليوم مصاب بسوء العمل، تماماً كما يصاب الناس بسوء التغذية. بطون أرواحنا منتفخة كبطون أولاد أفريقيا الجائعين. الانتفاخ ليس دليل شبع. الانتفاخ دليل سوء تغذية. لهذا تبرز عظام بقية الجسد فيما تنتفخ نقطة واحدة منه. لو كانت أجسادنا تترجم حالنا في أعمالنا لكانت هذه صورتنا. حياتنا الاجتماعية برزت عظامها، عقولنا أيضاً ومشاعرنا: لا نقرأ إلا ما يمتّ إلى عملنا بصلة. نمضي ستة أيام بوتيرة تفوق الساعات العشر مع أشخاص لم نخترهم. أشخاص ما إن نترك العمل حتى تنفض صحبتهم. الكثير من العمل لقليل من الرزق والأمان والرضى.
وفوق ذلك، نخاف أن نفقد أعمالنا. أعمالنا السيئة الظروف التي نرضى بها لشدة خوفنا. عمال اليوم كفئران مذعورين في مختبر يجرب القدرة على التحمل. يسيطر الخوف على عالم العمل اليوم: الخوف من فقدانه، من أرباب عمل متفاقمي الشراسة حتى في أكثر البلاد منعة نقابية. أما النقابات، فكأنها لعجزها تقول لهم: يا عمال العالم.. انتحروا