أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

والد العسكري المخطوف محمد يوسف يقف في الجرود.. يُخبر محمد عن ابنه الصغير الذي رآه في الحلم عبر نسمات الهواء عل الصوت يصل

الخميس 03 آب , 2017 06:16 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 82,213 زائر

والد العسكري المخطوف محمد يوسف يقف في الجرود.. يُخبر محمد عن ابنه الصغير الذي رآه في الحلم عبر نسمات الهواء عل الصوت يصل

ليس عليك أن تلتقي بـ"حسين يوسف" وجهاً لوجه كي تُحبّه، أو في أقلّ الأحوال، كي تحني ظهرك طوعاً أمامه. الرجل المُثقل كاهله بمأساة اختطاف ابنه العسكري في الجيش اللبناني، محمد، منذ ثلاث سنوات على يد تنظيم "داعش" الإرهابي، ما زال مستقيم القامة رغم الوجع الثقيل.

قيمه، مبادئه، أخلاقه، إيمانه، صبره، رحابة صدره، وغيرها من الأمور ساعدته على عدم الخضوع ولا الانحناء استسلاماً. كيف له أن يفعل ذلك أصلاً وهو والد البطل؟! وهكذا حال جميع أهالي العسكريين المخطوفين.

أطلّ الأب الحزين منذ يومين في تقرير مصوّر (LBCI ضمن نشرة الأخبار بتاريخ 1 آب 2017 – إعداد صبحية نجار) من الجرود. من المكان الذي سرق منه فلذة كبده. من المكان الذي قد يكون قريباً من "حبيبه محمد". من المكان الذي قد يكون حفظ بصماته وأشواقه وأوجاعه على أوتار الصدى.

يحدق حسين يوسف في "الناضور" علّه يلمح طيف محمد. سيتفرّج الرجل المكسور والمنتصر بالأمل لاحقاً على عملية تبادل الأسرى بالارهابيين.

هل تظنون بأنه لن يشعر بالخنجر يخرز في القلب المتوّرم حدّ الانفجار؟!

بلى سيفعل. حسين يوسف عاتب، وما انفكّ يعترف بذلك. لكنّ خطوط وجهه لا تطاوع مشاعره، فتمُعن في فضح طيبته وعنفوانه... وآلامه.

تختصر تجاعيد الجبين حكمته وعقلانيته، لكنّ العينين تائهتان، "طائشتان" كأطفال تركض في السهول دون هوادة.

"يا ريت نسمة هالهوا بتسمع صوتو يوصل لعندي يا محمد". الشوق يتضخّم حدّ أن يرتضي الوالد هزيل الجسد بتنفّس هواء خرج من رئتي ابنه.

يطلب حسين يوسف السماح من محمد: "ثلاث سنين وما قدرت رجعك". يا الله، يشعر الرجل أيضاً بعقدة ذنب في وقت ينام المسؤولون على وسائد الريش والحرير؟!

يستمرّ حسين في مخاطبة ولده، علّه يسمع أينما كان. يُخبره عن ابنه الصغير الذي رآه في الحلم، وكأنه بذلك يمدّه بجرعة من الأمل والصمود.

يرسم، بصوته وكلماته وصلاته، وجه الصغير، ابن محمد، الذي يعرف أباه في الحلم فقط. يرسم حسين يوسف لبطله المخطوف، نيشان فخر ملوكيّ، ويبعثه من تلك الجرود، عبر مكبرّات القلب والعقل.

يقول له: "ما تخاف. خليك مآمن بالبدلة لي لبستا انت". يستحق الرجل على هذه الكلمات تصفيقاً عالياً. تكريماً. جائزة. تهنئة. الشكر جزيله. لكنه بالتأكيد لا يستأهل الوقوف معلقاً بـ"حبال الهوا" في الجرود.

تعتصر الحنجرة. تختنق. يكابر حسين يوسف في تلك اللحظات كثيراً. لماذا؟ لأنه لا يريد أن يضيّع ذرّة هواء واحدة آتية من عند محمد.

يشمخ ويستجمع قواه. سجال بين العقل والقلب يتجدد. في المحصلة، عليه أن يُفرج عن بعض غضبه وحسرته. "للوزرا بشكل عام بدي قلّن: ابنو صار عمرو ثلاث سنين وشهرين صار يعرف بيّو بالمنام وانتو ما كنتو تعرفو تلاقو حل لهيدا الموضوع، بس يا عيب الشوم عليكن".

في يد، تشتعل "سيجارة" بين الأصابع. وفي يد أخرى، يحمل حسين نارا ونورا. يشدّ على السراب كأنه يحتضن محمد. يلين الحجر أمام هذا المشهد. يسمح دمعة هربت من مقلة العين. يكاد يلتقطها ليقبلّها ويبارك لها حريتها. وفي مخيّلته، لا يغيب مشهد محمد العائد مع ندى الفجر.

"أنا الـ70 الف عسكري بالمؤسسة العسكرية بعتبرن اسمن محمد يوسف"، يقرّ الرجل الذي يمثّل جميع أهالي العسكريين المخطوفين، سكّان خيم الألم والأمل. بات في حوزة جميع العسكريين نجمة شرف جديدة. فهل تكرمنا نحن أيضاً يا أبا البطل برتبة أبوّتك الفخرية؟!

المصدر: للكاتبة ربيكا سليمان/ لبنان 24/ تحت عنوان: أتسمح لنا بمناداتك "يا بييّ"؟!

Script executed in 0.191810131073