فقد كان عليه أن «يعصر» إلى الحد الأقصى هذه الفرصة الذهبية التي لن تتكرر نفسها، لحظة قام السيد عن الطاولة بعدما انتهت المقابلة التلفزيونية الأولى معه، والتي استمرت لساعة أكثر من الوقت المعطى لها.
أي مقابلة أخرى مع هذا اللواء الأكثر إثارة للجدل بشكل عام، وبين زمـــلائه الثلاثة بشكل خــــاص، قـــبل الاعتقال بسنوات، وخلاله، وفي يوم خروجه، لن تصيب إلا بعضاً قليلاً من النجاح الذي قطفته الإطلالة الأولى.
هي ذروة تلفزيونية نادرة، من المستحيل أن تنافسها فيه الصحافة المكتوبة. صورة الرجل الصامت (إلا في استقالة قبل السجن كانت عبر بيان تلاه في مؤتمر صحافي). صورة الضابط بالقدرات السياسية والأمنية الهائلة التي كانت بمثابة خرافات تحكى بين الناس ولا يجرؤ الإعلام على تناولها كما يجب، إن بالنقد الصريح وإن بالمديح أو بغيره. قائد الأوركسترا اللبنانية السورية الواقف دائماً خلف الكواليس. صورة تحيل إلى المُتخيّل المنبهر، وهي الصـــورة الملائمة لمن يريد لعب دور السيّد الخالط بين الأمن والسياسة، والفاعل بــــشدة في حقبة طويلة كان فيها العماد إميل لحود قائداً للجــــيش ثم رئيساً للجمهورية، وكانت فيها سوريا، ببساطة، ما كــانت.
قبل أن يذهب إلى سجنه، كان للسيد مقابلة مع الزميلة «الحياة» أجراها رئيس تحريرها الزميل غسان شربل. في حينها، كانت سبقاً صحافياً. قالت ما لديه، من جريمة الاغتيال ومن التحقيق ومن جوانب أخرى لدوره. التقينا بالسيّد مكتوباً. لاحقاً سنلتقي به مكتوباً طوال سنوات السجن في بياناته. هذه أيضاً لن تشبع فضول التعرف إليه شخصياً، مرئياً.
في صعوده إلى المنبر إثر الإفراج عنه، لمس مشاهدوه، للمرة الأولى، بعضاً من هذه الشخصية الجدلية: إرتجل كلمة قال فيها كل ما يريد قوله نهار الإفراج. وكان من الصعب اختصار بعضها لنشرها في اليوم التالي. بدا شبيهاً تماماً بنفسه قبل ثلاث سنوات وثمانية أشهر. ذاك كان انطباعاً أولياً، من المحتمل ان يسقط في المقابلة التلفزيونية لو أن الرجل الجالس مع مرمل أمام الكاميرا أرهبه هذا الخروج من كواليس صمته إلى بؤرة ضوء إعلامي، كانت تعنيه إلى درجة تحريكها وتوجيهها كما يريد حين يحتاج إلى ذلك. لم يقع السيد في ما يقع فيه المخرج حين يمثّل، ولا محرر الكتب حين يقــرر الكتابة. كارثة كهــــذه هي رعـــب العاملين في الشاشة. أي أن لا تحب الكاميرا ضيفاً على هذا القدر من الأهمية، وأن تجعل منه مجرد بالون انفجر.
ما حدث هو العكس تماماً. وجد المشاهد نفسه إزاء أيقونة تلفزيونية خالصة. ذهن متقد، وشخصية متماسكة ومنفعلة في آن، تغرف من بنك من المعلومات والمواقف وتقدمها بأذكى ما يمكن، وبجرأة ونزق يذكّران، من بين كل طلات السياسيين اللبنانيين، بطلّة النائب وليد جنبلاط، وبدرجة أقل النائب السابق سليمان فرنجية.
السيد كان كل ما تحبه الكاميرا. جاذبية تلفزيونية أثلجت قلب المضــيف، الزمــــيل مرمل، لكنه احتار معها ومع محط كلام عند السيد هو «اسمــــح لي شوي»، يقولها إذا كان مرمل يقاطعه أو لا يقاطــــعه. غير أن مرمل أصرّ على المقاطعة، ومرّت لحظات اضـــطر الاثنان فيها إلى الكلام فوق بعضهما البعض، كي يفــــوز واحد منهما بطرح ما يريد. ولــــم يوفّر مرمـــل استفزاز السيّد، ولن يجد الأخير في المقابل سؤالاً محرجاً.
السيد الذي قال إنه ليس منتبهاً إلى وجود الكاميرا، بدا محترفاً في التعامل معها إلى حد تطويعها لخدمته. خاطبها مراراً، ووجّه سبابته إليها، وختم الحلقة بمشهد تلفزيوني بحت، أدّاه بالانفعال المطلوب. رفع كيساً يرقد على الأرض إلى جانبه، وقلبه فانفلشت عشرات الأقلام الفارغة على الطاولة استخدمها في سجنه. ختم بأحسن ما يريده التلفزيون منه. مشهد من خارج المعتاد يتوج نجاحاً مشهوداً لمقابلة.
بغض النظر عن الموقف السياسي المنقسم حوله، هي ذروة إعلامية اجتمع فيها كل شيء. وزاد من بريقها ذاك العشق المتبادل والكامل بين ضابط الكواليس المدرَّب على كل احتمال، حتى على الكاميرا التي خضعت إليه من النظرة الأولى.