أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

كيف ضاعت فرصة حشر الموساد بواسطة لجنة التحقيق الدولية

الثلاثاء 05 أيار , 2009 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,974 زائر

كيف ضاعت فرصة حشر الموساد بواسطة لجنة التحقيق الدولية


العدوان الإسرائيلي على لبنان لم يقتصر على قصف المنشآت والقرى والمدن ما أدى إلى استشهاد وجرح الآلاف وتدمير واسع للأملاك العامة والخاصة، بل شمل أيضاً اغتيال أشخاص بطرق بوليسية عبر زرع عبوات ناسفة استهدفت مقاومين. وتمكّن القضاء العسكري اللبناني من جمع أدلّة جنائية تشير إلى تورّط الاستخبارات الإسرائيلية في جرائم وقعت في لبنان خلال الفترة الممتدة من 1998 إلى حين العدوان الشامل في تموّز عام 2006. تزامن ذلك مع سلسلة اغتيالات ومحاولات اغتيال وتفجيرات وقعت في أحياء سكنية وطالت مسؤولين في الدولة والإعلام وشخصيات سياسية بارزة. وتبيّن أن النشاط الاستخباري الإسرائيلي كان قائماً خلال الحقبة الزمنية التي حدّدتها الأمم المتحدة لتكون الجرائم التي وقعت خلالها من اختصاص المحكمة الدولية الخاصة بلبنان والتي تمتدّ من محاولة اغتيال الوزير مروان حمادة في 1 تشرين الأول 2004 إلى يوم اغتيال النائب والصحافي جبران تويني في 12 كانون الأول 2005. لذا كانت المعايير المهنية تفترض أن تشمل تحقيقات السلطات القضائية المختصّة احتمال ضلوع الاستخبارات الإسرائيلية في تلك الجرائم أو في بعض منها، أو في تقدير آخر، يُحتمل علمياً أن يكون لدى الأجهزة الاستخبارية والعسكرية الإسرائيلية معلومات مرتبطة بالجرائم. لكن يبدو أن القضاء العدلي اللبناني ولجنة التحقيق الدولية أهملا هذه الاحتمالات رغم تمتّعهما بصلاحيات قانونية دولية استثنائية.
قوة كوماندوس إسرائيلية كانت تدخل الأراضي اللبنانية عبر الشواطئ الشمالية وتصطحب العملاء إلى عرض البحر، ومنه إلى أحد المرافئ الإسرائيلية. هذا ما أكّده القضاء العسكري اللبناني في حزيران 2008 وهو مدوّن في محاضر التحقيق الرسمية التي تُليت بعد انتقال القضية إلى المحاكمة. وصدرت خمسة قرارات عن القضاء العسكري اتهمت الموقوف محمود رافع بالتعامل مع إسرائيل، وبالضلوع في اغتيالات منذ عام 1998. المحاضر القضائية كشفت اختراق الاستخبارات الإسرائيلية الأراضي اللبنانية، وتنقلهم بحرّية ناقلين معهم متفجرات. ففي كانون الأول 2007، أصدر قاضي التحقيق العسكري الأول رشيد مزهر قرارين اتهمه فيهما بالتعامل مع العدو وزرع عبوة ناسفة في الناعمة لمحاولة اغتيال أحد المسؤولين الفلسطينيين عام 2002، إضافة إلى زرع عبوات قرب مثلث الزهراني عام 2004. في الشهر التالي، صدر قراران جديدان؛ الأول عن القاضي عدنان بلبل في قضية اغتيال الأخوين نضال ومحمود المجذوب في صيدا عام 2006، والثاني عن الرئيس جورج رزق في قضية اغتيال علي صالح في الضاحية الجنوبية عام 2003.
وبيّنت الأدلة الجنائية، التي تمكّنت مديرية الاستخبارات في الجيش من جمعها، أن الأشخاص الذين كان ينقلهم رافع نفذوا اغتيالات من خلال زرع العبوات الناسفة، منها الانفجار الذي استهدف الشهيد علي ديب (أبو حسن سلامة) والشهيد علي صالح، إضافة إلى زرع عبوة ناسفة على جسر الزهراني لم تنفجر بعدما اكتشف وجودها الجيش اللبناني، فضلاً عن العملية الأخيرة التي شارك فيها رافع، والمتمثلة باغتيال الأخوين محمود ونضال المجذوب في صيدا في أيار 2006.
سبق اغتيال الأخوين مجذوب صدور قرار مجلس الأمن رقم 1644 في 15 كانون الأول 2005 بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. وورد في الفقرة السابعة منه أن مجلس الأمن «يأذن للجنة (لجنة التحقيق الدولية في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري) بأن تقوم، عند الاقتضاء، بناءً على طلب الحكومة اللبنانية، بمدّ السلطات اللبنانية بالمساعدة التقنية في تحقيقاتها في الهجمات الإرهابية التي ارتكبت في لبنان منذ 1 تشرين الأول 2004، وتطلب إلى الأمين العام أن يقدم، في ظل التشاور مع اللجنة والحكومة اللبنانية، توصيات بتوسيع نطاق ولاية اللجنة لتشمل إجراء تحقيقات في تلك الهجمات الأخرى».
بما أن القرار 1595 (7 نيسان 2005) الذي أسّس لجنة التحقيق نصّ على أن وظيفتها «مساعدة القضاء والسلطات اللبنانية في التحقيق الذي تجريه في جميع جوانب هذا العمل الإرهابي (جريمة اغتيال الحريري)، بما في ذلك المساعدة في تحديد هوية مرتكبيه ومموّليه ومنظمّيه والمتواطئين معهم»، أتيحت فرصة نادرة لقاضي التحقيق العدلي اللبناني أن يطلب من لجنة التحقيق الدولية التحقيق مع أي من ضباط الاستخبارات الإسرائيلية بسبب توافر أدلّة على نشاطهم على الأراضي اللبنانية خلال المدة الزمنية التي اغتيل الحريري وآخرون خلالها. وكان بإمكان القاضي أن يستند في الطلب الخطي للمساعدة (بحسب نصّ القرارين 1595 و1644) من لجنة التحقيق الدولية إلى احتمال وجود علاقة للإسرائيليين بالجرائم التي استهدفت شخصيات لبنانية بين عامي 2004 و2008.
وبما أن لجنة التحقيق تعمل بحسب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة (القرار 1644) الذي يمنحها صلاحيات قانونية دولية استثنائية (إلى حد أنها تسمح بتجاوز سيادة الدول الأعضاء)، فإن رفض السلطات الإسرائيلية (المرجّح) أو مماطلتها في تسهيل التحقيق مع إسرائيليين، يعدّ تجاوزاً فاضحاً لقرار ملزم صادر عن مجلس الأمن الدولي. صحيح أن إسرائيل تتجاوز العديد من القرارات الملزمة الصادرة عن مجلس الأمن الدولي كالقرارين 242 و425، لكن تجاوز القرارين 1644 و1595 كان قد اعتبر مختلفاً، إذ إن الأول (وهو معطوف على الثاني) أتى تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي ينصّ على أن من بين الإجراءات التي يتخذها المجلس «في حالات تهديد السلم والإخلال به ووقوع العدوان» (وكان مجلس الأمن قد اعتبر أن جريمة اغتيال الحريري تمثّل خطراً على السلم والأمن الدوليين): «وقف الصلات الاقتصادية والمواصلات الحديدية والبحرية والجوية والبريدية والبرقية واللاسلكية وغيرها من وسائل المواصلات وقفاً جزئياً أو كلياً وقطع العلاقات الدبلوماسية» (المادة 41)، و«جاز له (لمجلس الأمن) أن يتخذ بطريق القوات الجوية والبحرية والبرية من الأعمال ما يلزم» (المادة 42).
لم يوجّه قاضي التحقيق العدلي رسالة إلى رئيس لجنة التحقيق الدولية يذكر فيها في بضعة أسطر الأسباب القانونية والمهنية لضرورة أن يشمل التحقيق ضباط موساد واستخبارات عسكرية إسرائيليين ويطلب من خلالها الاستماع إلى إفادات هؤلاء. لم يطلب المحقق العدلي صوراً جوية يحتمل أن يكون الإسرائيليون قد التقطوها لمكان اغتيال أيّ من الشهداء عبر الأقمار الاصطناعية أو عبر سلاح الجوّ الذي لم يتوقّف عن خرق الأجواء اللبنانية طيلة المدة التي شهدت الاغتيالات بين 2004 و2008، وما زالت مستمرّة حتى اليوم، في خرق واضح للقانون الدولي.
كذلك لم توص الحكومة اللبنانية بتوسيع نطاق ولاية اللجنة لتشمل إجراء تحقيقات في جرائم أخرى كجريمة اغتيال الأخوين مجذوب، رغم أن المجال لذلك كان متاحاً، بحسب ما ورد في نصّ القرار 1644.
ما زالت أسباب تجنّب الدولة اللبنانية التحقيق في احتمال ضلوع الإسرائيليين في جريمة اغتيال الحريري مجهولة ومستغربة من الناحية العدلية والمهنية

Script executed in 0.16461396217346