أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

مجرمون أغبياء أو أشخاص غاضبون إلى حدود مرضية.."دواعش" على طرقاتنا

الخميس 24 آب , 2017 05:59 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 21,125 زائر

مجرمون أغبياء أو أشخاص غاضبون إلى حدود مرضية.."دواعش" على طرقاتنا

قد لا يكون من المبالغة القول إن طرقات لبنان هي بمثابة مؤشر إلى وجود الدولة أو إلى غيابها. كلّما كانت الشوارع و"الأوتوسترادات" "آمنة"، كان قيام الدولة حقيقياً وواضحاً ومترسخاً. والعكس طبعاً صحيح... وهو، للأسف، السائد!


الأزمات والعلل والفضائح والغرائب والجرائم التي تشهدها طرقات لبنان من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه، باتت يومية ومتواصلة. تتكرر المآسي والتجاوزات وتستنسخ بعضها، ولا من يكترث لوقفها. "عصفورية" حقيقية هي طرقاتنا. "مسلخٌ" مقيت. مساحات مزروعة بالألغام، حيث الموت فيها كثيفا، عشوائيا.

بات يمكن في لبنان أن يكرّس صحافيون كلّ أوقاتهم وجهودهم وطاقاتهم لمتابعة "أحوال" الطرقات وإعداد التقارير والتحقيقات وكتابة المواقف الهادفة إلى التغيير. ستجد اقلامهم وكاميراتهم، كلّ ثانية، ما يُحرّكها أو يُشعلها. في "سويسرا الشرق" ينهمك أهل الإعلام برصد الأزقّة والشوارع وما تُقدمّه من عجائب وغرائب وفواجع... فإلى ماذا يدلّ هذا؟!

تحمل طرقات لبنان كمّاً هائلاً من الأزمات المختلفة. نتحدث عن الازدحامات المرورية القاتلة، وهي في طريقها إلى التفاقم حدّ الانفجار الكارثي، ولا شيء يتغيّر. يسأل مواطنون عن كيفية تنقلّ السياسيين في لبنان؟ "ألا يعانون هم أيضاً؟". والحال أن هؤلاء لا يكترثون طبعاً. ثمة تمييز عنصريّ واضح في "بلد الحريات" (كما جاء في كتاب التربية الذي يُدرّس في المدارس). أصحاب السلطة يوقفون "الفئة الأدنى" (الشعب) كي تمرّ مواكبهم بالقوّة. كيف لهم تحسس الوجع إذاً؟!

وما نفع تذوّق المرّ إن لم يفض إلى بصق كلّ اللعاب وغسل الفم؟! يرزح الشعب اللبناني تحت وطأة هذه المأساة المتواصلة، لكنّه "مازوشيّ" يستمتع بالعذاب، ولعلّه في "ألطف" الأحوال، عاجزٌ عن إحداث تغيير، مستسلمٌ وراضخ. المصيبة في كلا الحالتين، كبيرة. سألناه العصيان المدني... سألناه إعلان الثورة من على رصيف مهترئ في بيروت...سألناه المساهمة في تخفيف أعداد السيارات المُشغلّة كلّ صباح، ضمن مبادرات فردية لا تتطلب سوى القليل من الجهد والكثير من الثقافة... لكنّه مضى في طريق مجهولة، غير مُكترث ولا عازم.

بل إنه مضى يلعن الدولة التي تكذب عليه بوعود مشاريع لا تتحقق، وإن تحققت فتكون اسما على مسمّى" كجسر نهر الموت"...الدولة التي تستغرق دهراً لإجراء تعديل "بسيط" على قانون أو وضع آخر ضروريّ وأساسيّ، ومن ثمّ ترمي كلّ ما "أنجزته" في "بالوعة" الصرف الصحيّ التي تُغرق الناس في الشتاء. مضى يلعن الدولة العاجزة، أو بالأحرى القول الرافضة، إجراء دراسة علمية وعميقة لقطاع السير في لبنان بغية وضع الخطط والحلول المستدامة والفعّالة. وما بالنا نتفاجأ بهذا الأمر وهي تعجز، أو ترفض، ردم "جورة" أو فلش الزفت في غير موعد الانتخابات؟!

بعضٌ من صور

يلعنها ويشتمها، بصدق ونقمة، وهو في الوقت نفسه، مسؤولٌ عمّا يحصل من جنون بطرق مباشرة وغير مباشرة. بعض الصور التي التقطتها عدسة "لبنان 24" في فترة وجيزة، كفيلة بزجّه (الشعب) في معتقل أبشع من "غوانتانامو". انتحاريون، قتلة، مهملون، جبناء، بؤساء، حمقى، جهلة...جميعهم يسرحون ويمرحون على "خارطة الموت والذلّ". لا تتكبدّ إحدى السيدات عناء المشي لأمتار قليلة إضافية للوصول إلى جسر المشاة، فتقرر اجتياز "الأوتوستراد" رغم اكتظاظ السيارات. إنه الكسل الوقح والجاهل. سيدة أخرى تخاطر بحياة صغيرها الذي يتمدد على الزجاج الخلفي من السيارة، في مشهد فاضح أقلّ ما يقال عنه أنه لو حصل في بلد متقدم لكانت هذه الوالدة في السجن بعد أن تسُحب منها الحضانة. يُبحلق احد السائقين بالآخرين الذين عاتبوه لمروره عكس السير! لا يُعجبه الأمر وكأن به يقول انه على حق. يكاد آخر ينزل من سيارته التي لا تحمل لوحة أرقام ليلقنّك دروساً في القيادة وحسن السلوك. باختصار، ينحر اللبنانيون القانون من الوريد إلى الوريد، كلّ على طريقته. لا ذوق ولا أخلاق. وطبعاً لا ثقافة ولا دراية بالقواعد والأصول.

وفيما يحدث كلّ هذا، من قبل الدولة والمواطنين على حدّ سواء، تستحيل طرقات لبنان مسرحاً لأحداث دمويّة. مئات الضحايا والمتضررين جسدياً ومعنوياً يقعون سنوياً. الاصطدامات كثيرة، وسبل الوقاية والردع قليلة. بات الناس حينما يكونون في سياراتهم على الطرقات، كأنهم ذاهبون إلى الحرب، ليسوا واثقين تماماً من عودتهم معافين أو أحياء.

"دواعش" في الطرقات!

الأفظع من كلّ هذا أنّ هذه الطرقات تعجّ بـ "الدواعش". مجرمون أغبياء أو أشخاص غاضبون إلى حدود مرضية، يتجرأون على قتلك بدم بارد. يُطعن جورج الريف في وضح النهار، أمام الجميع، وتسيل منه دماء كثيرة تلتقطها زوجته المذهولة مما يحدث أمام عينيها والعاجزة عن إبعاد شبح الموت. يموت الرجل هكذا، ببساطة، لأن شخصاً يدعى طارق يتيم "عصّب". ماذا حلّ بالقضية قضائياً بعد مرور سنوات؟!

نحذّر من أن مشاريع "طارق يتيم" تكتسح الشوارع، فلا بدّ من تحرّك. الحياة صارت ترفاً وصدفة. أحدٌ لا يرفّ له جفن. تقع الكارثة مجدداً. هذه المرّة، شابٌ بعمر الورد والحلم يدعى روي حاموش، يُقتل بوحشية رغم توّسله الرحمة. تقوم القيامة وتتعالى التنديدات ومواقف الشجب والوعيد والتضامن. هو بالكاد أسبوع، وسيعود كلّ شيء إلى طبيعته، وكأن شيئا لم يكن. وحدها أمه المفجوعة تمتهن الحزن والبكاء والأسى.

القتلة في الشوارع. ما زالوا هنا بانتظار الانقضاض على ضحية جديدة. كاد المستشار الإعلامي فارس الجميّل أن يلقى مصير الريف وحاموش وغيرهما منذ أيام بعدما اعتدت عليه مجموعة من "الزعران" في محلّة الجديدة. إنها فعلاً العناية الإلهية التي تتحكم بمثل هذه اللحظات. يلجأ الجميّل إلى القضاء بصفة مواطن ما زال مؤمناً بالدولة وبوجودها.

ولو لم يصر الزميل الجميل على حقه وحق كل مواطن متروك لقدره لكانت قضيته قد طويت فعاد القضاء للعب دوره، على أمل أن يعود الحق إلى أصحابه.

إنها المهزلة. رجاء، سمّوا الإطار الذي نعيش فيه ما شئتم، لكن لا تسمّوه دولة. لا دولة في لبنان. إنها مدهوسة بالعجلات. ابحثوا عنها على قارعة الطريق...

المصدر: ربيكا سليمان/ "لبنان 24"/ عنوان المقال: ابحثوا عنها على قارعة الطريق وغطوّها بشرشف أبيض!

Script executed in 0.16608190536499