تحت عنوان: "العسكريون الشهداء.. كانوا ضحية السباق إلى رئاسة الجمهورية!"، كتب غسان ريفي في "سفير الشمال": كلّ "مستحضرات التجميل" لم تعد تنفع في تحسين صورة المشهد اللّبناني، أو في التخفيف من "البشاعة" التي ارتكبتها السّلطة بترك إرهابيي "داعش" يخرجون من الجرود بالباصات المكيّفة بعدما كشفوا عن جريمتهم النّكراء بقتل العسكريين الشهداء وعن المكان الذي دفنوهم فيه.
لم تعد السّاحة اللبنانية تتسع لتبادل الاتهامات، سواء تلك التي أتت بمفعول رجعي منذ عهد حكومة تمام سلام، أو تلك الآنية ضمن حكومة سعد الحريري الهادفة الى تسجيل النقاط بين الأطراف السياسية، فضلا عن الدعوات الى محاسبة كلّ المقصرين، وفتح الدفاتر القديمة لمعرفة من أعطى القرار السياسي بوقف إطلاق النار إثر "غزوة عرسال"، ومن تخاذل عن القيام بدوره في الميدان، خصوصا أن كلّ المعلومات تشير الى أن أهالي العسكريين الشهداء قد يلجأون الى القضاء المختص لمحاسبة كل من تثبته التحقيقات مقصراً أو متورطاً أو متخاذلاً.
لم يستوعب أحد من اللّبنانيين كيف أن السلطة السياسية التي تنتقل من حكومة الى حكومة مع تبدل في بعض الأسماء، ترفض التفاوض مع "داعش" من أجل إستعادة العسكريين أحياء، وكيف تفاوضت معهم وأمّنت لهم الممرّ الآمن إلى دير الزور السورية، من أجل استعادة العسكريين الشهداء مجرّد رفات يحتاج التعرف عليهم أياماً عدة لحين إنتهاء فحوصات الحمض النووي.
كما لم يستوعب أحد من اللبنانيين كيف يكون التفاوض مع "داعش" من أجل استعادة العسكريين أحياء إنكساراً وإنتقاصاً من السيادة الوطنية، وكيف يصبح التفاوض معه للكشف عن رفاتهم بعد إعدامهم، وتأمين خروج إرهابييه معززين مكرّمين بالباصات المكيفة إنتصاراً وطنياً وتحريراً ثانياً!
وكيف يمكن لأهالي العسكريين الشهداء أن يسامحوا أو ينسوا أو يعترفوا بسلطة كان جيشها يحاصر المنطقة الجردية التي يتواجد فيها أبناؤهم مع الخاطفين بعد ساعات قليلة على الاختطاف، فلا هي أعطت إذنا باستكمال المعركة لتحريرهم، ولا قائد الجيش السابق كان متحمسا لهذه المعركة، ولا هي فاوضت بشكل سريع لاستعادتهم، بل اعتمدت مبدأ المماطلة والتسويف وصولا الى الفاجعة التي حلت على الوطن بأكمله.
يمكن القول إنّ العسكريين الشهداء كانوا ضحية السباق إلى رئاسة الجمهورية منذ اليوم الأول على إختطافهم، ففي الوقت الذي كان فيه الفراغ الرئاسي يرخي بثقله على لبنان، وكانت الحكومة مجرّد ديكور للحفاظ على هيئة النظام اللبناني، لم يكن أي من الأطراف السياسية والعسكرية الأساسية مستعد للدخول في مفاوضات أو في معركة من أجل تحرير العسكريين خوفا من إغضاب عواصم القرار، أو القيام بدعسة ناقصة تؤخره عن السباق الذي كان محموما الى قصر بعبدا.
في خلاصة القول، إنّ الأطراف السياسية مجتمعة كانت تضع مصالحها ومكاسبها وهندسة معاركها لرئاسة الجمهورية فوق مصلحة العسكريين، وفوق سيادة الوطن التي إنتهكت باختطافهم، ويبدو واضحاً أن هذا السلوك لم يتغير وهو مستمر اليوم بصور مختلفة، حيث يسعى كلّ طرف الى إستغلال مأساة العسكريين الشهداء لتسجيل النقاط أو توجيه الاتهامات للطرف الآخر لتحقيق مكاسب شعبية قبل تسعة أشهر من الانتخابات النيابية.
(غسان ريفي - سفير الشمال/ بتصرف)
لقراءة المقال كامل من جريدة سفير الشمال