نادر فوز
أطلق التيار الوطني الحرّ مشروعه الانتخابي لدورة 2009: «نحو الجمهورية الثالثة». ابتعد التيار عن تقديم أي موقف سياسي، عكس ما فعله في مشروع 2005 (تحت عنوان «الطريق الآخر»)، وحصر عرضه بمجموعة القضايا الإصلاحية على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والأمني والقضائي.
في شق الإصلاح السياسي، تمسّك التيار بإلغاء الطائفية السياسية وتأليف مجلس للشيوخ لتمثيل العائلات الروحية. كذلك يطرح التيار، في شقّ «الدولة المدنية»، مشروع العمل على إقرار القانون المدني للأحوال الشخصية «واحتفاظ المواطن بحقّه في اختيار القانون المذهبي عند بلوغه 18 عاماً». ويطرح وضع تشريع يعترف بالفئة التي ترغب في أن تكون علاقتها بالدولة مباشرة، لا من خلال طائفة أو مذهب.
تشدّد وثيقة التيار على ضرورة وضع قانون انتخاب خارج القيد الطائفي. إلا أنّ هذا الطرح جاء ناقصاً، إذ لم تصرّح الوثيقة بما إذا كان خيارها أكثرياً أو نسبياً، ولم تحدّد تقسيم الدوائر فيه، لتعود الوثيقة وتشير، تحت عنوان «تعزيز الديموقراطية»، إلى أنّ القانون المطلوب العمل به يعتمد مبدأ النسبية «بما يناسب تطلّعات اللبنانيين»، ما يترك التباساً لدى المواطن، إذ جاءت الفكرة ناقصة.
وفي طرح غير واضح، أو غير مكتمل أيضاً، يشير التيار إلى ضرورة وضع قانون «عصري للأحزاب السياسية»، من دون الإشارة إلى ثوابت هذا القانون ومنطلقاته وآلية العمل على وضعه.
وتحت عنوان «الأمن والدفاع»، بعد التشديد على ضرورة إبعاد المؤسسات العسكرية والأمنية اللبنانية عن التجاذبات السياسية، تلفت وثيقة التيار إلى وجوب تحديد السياسات الأمنية لمواجهة الأخطار الداخلية والخارجية من جهة، وحلّ قضية الوجود الفلسطيني المسلّح من جهة أخرى. في الشق الأول، تؤكد الوثيقة ضرورة تجهيز القوى الأمنية بالعتاد والتدريب اللازمين وتكريس التنسيق بين المؤسسات... وفي ما يخص الأخطار الخارجية، تحصر الوثيقة الأخطار بالتهديدات الإسرائيلية المستمرّة. أما الخطوات العملية في هذا الإطار، فتتمثل في الطرح الذي قدّمه العماد ميشال عون على طاولة الحوار الوطني عبر تقسيم مواجهة إسرائيل بين الجيش النظامي والمقاومة التي «تتألف من السكان وتغطي الأراضي اللبنانية كلها».
أما الشق الثاني المتعلّق بالسلاح الفلسطيني، فلم يُذكر أو تُحدَّد خطواته العملية، واكتفت الوثيقة بالإشارة إلى هذا العنوان من دون التوسّع فيه، فيضاف نقص إلى القضايا السابقة.
اللافت في الوثيقة غياب مواضيع سياسية بارزة عنها، مثل القرارات الدولية، شكل الحكم (حكومة وحدة وطنية، ثلث معطّل/ ضامن... وغيرها)، مع العلم بأنّ «المشروع الآخر» أكد في عام 2005 ضرورة تجريد سلاح الميليشيات، كما ينص القرار 1559 واتّفاق الطائف. كذلك أُضيف إلى البرنامج السابق ملحق خاص عن هذا الملف، داعياً من خلاله إلى نزع سلاح حزب الله والإشارة إلى أنّ تمسّك الحزب بالسلاح وتذرّعه باحتلال شبعا «لم ينجح في إخفاء النيّات السورية الكامنة خلفه، وغير مقبول من الأمم المتحدة».
ويغيب أيضاً عن الوثيقة الحديث عن دور لبنان في المنطقة «كرسالة تاريخية ووسيط سلام وحوار»، وإبعاده عن ارتباطه بأزمات المنطقة والتشديد على الدور الريادي للبنان في المنطقة العربية. وانعدم الحديث عن «الشرق الأوسط الذي يُعاد بناؤه»، ما يشير إلى أنّ رهان التيار على دور الغرب في المنطقة قد سقط.
ردّاً على هذه الملاحظات يجيب مسؤول التثقيف في التيار الوطني، بسام الهاشم، بأنّ الوثيقة الانتخابية تعرض البرنامج الذي يمكن من خلاله إحداث التغيير والإصلاح المنشودين. يضيف: «في ما يخص المواضيع السياسية، ثمة مجموعة من الوثائق السابقة التي لا يمكن التراجع عنها، كوثيقة التفاهم بين التيار وحزب الله، وهي تمثّل منطلقاً في معالجة القضايا السياسية»، مؤكداً أنّ المشروع الانتخابي يكمّل وثيقة التفاهم «التي نراها مشروع ميثاق وطني مطروح على الأطراف كافة».
■ الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي
من دون مقدّمات، تدخل الوثيقة في صلب القضايا الحسّاسة التي يعاني منها اللبنانيون على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي، عارضة معظم مشاكل القطاعات، وفي مقدّمها مجموعة من الأهداف والخطوات العملية. تخصص الرؤية الاقتصادية باباً لكل من قطاعات الزراعة، التنمية الريفية، الصناعة والمؤسسات، سوق العمل والعمالة، السياحة، إدارة المالية العامة والدين العام، الكهرباء، الاتصالات...
يقدّم المشروع مجموعة من الإصلاحات الأساسية، في ما يخص الإدارة المالية، فيطرح تحسين إدارة الدين العام عبر إعادة العمل بالحساب الموحّد للخزينة العامة في مصرف لبنان لمجمل المصالح والمؤسسات العامة. ويدعو إلى حصر إمكان الاقتراض الخارجي في وزارة المال. وفي عملية تحسين إدارة النفقات العامة، تطرح الوثيقة حلّ المجالس ونقل مهماتها إلى وزارة التخطيط «المطلوب إنشاؤها»، وتقترح الوثيقة حلّ وزارة المهجّرين وإيقاف العمل بصندوق المهجّرين بعد دفع التعويضات المستحقّة، وإعادة العمل بوزارة السكن والإسكان. وفي إطار السعي لزيادة مداخيل الدولة، تشير الوثيقة إلى ضرورة زيادة عائدات الدولة المتأتية من الغرامات والملاحقات المالية، وإعادة النظر في النظام الضريبي اللبناني على أسس: اعتماد الضريبة المباشرة المتصاعدة وتوسعة القاعدة الخاضعة لها.
يتضمّن المشروع فقرة عن ضرورة «إعادة النظر في عدد موظفي الدولة والعمل على إزالة العمالة الفائضة»، مع العلم بأن خبراء اقتصاديين يشيرون إلى أنّ معظم القطاعات والمؤسسات الرسمية تواجه مشاكل شغور على المستويات كلها، ما يضطرّ عدد من المؤسسات إلى التعاقد مع متعهّدين لتنفيذ بعض المهمّات.
اللافت أنّ الوثيقة تدعو إلى المساواة بين العمال اللبنانيين والأجانب من حيث الحقوق والواجبات. وهو موضوع لم يشر إليه البرنامج السابق. يضاف إلى ذلك أنّ التيار ما زال ينظر إلى أهمية دور الجهات الأجنبية المانحة، ملاقياً العقلية التي حكمت لبنان منذ عام 1994.
محا التيار الوطني الحرّ الصورة التي قدّمها في مشروعه عام 2005. في ذاك البرنامج جاء موقفه يمينياً راديكالياً في الشق الاقتصادي: انخراط لبنان في الاقتصاد العالمي عبر مؤسسة التجارة العالمية، الدفاع عن المبادرات والمؤتمرات الدولية لدعم لبنان (على غرار باريس ـــــ2)، رفع مشروع الخصخصة الأعمى «بعدما أثبتت منظومة الدولة الريعية فشلها أينما حلّت»، وبناء الآمال على هذا المشروع. آنذاك، وصف جوزف سماحة في مقال نشر في الزميلة «السفير»، في 25 حزيران 2005، وثيقة التيار بأنها «محكومة بطرح اقتصادي ليبرالي يتجاوز في آن معاً تصورات ميشال شيحا وممارسات الرئيس الشهيد رفيق الحريري».
أما اليوم، فيأتي طرح الخصخصة في الوثيقة على أساس خصخصة الإدارات وتنظيمها عبر تلزيمها لشركات خاصة، لا بيع القطاعات، كما كان يدعو التيار في وثائقه السابقة. بعدما كان التشديد في 2005 على أنّ الوضع لا يستقيم إلا «بتعزيز الطابع الليبرالي لاقتصادنا وانفتاح فاعل على الخارج، يمهدان لتراجع مبرمج للدولة، لمصلحة القطاع الخاص»، وفق ما جاء في «الطريق الآخر».
فيطرح التيار مجموعة من الخطوات التي يمكن أن تساعد على تطوير قطاعات الطاقة والكهرباء والاتصالات بعيداً من الوجهة اليمينية التي كان يحملها قبل سنوات. فتطرح في ما يخص الطاقة مجموعة من الخطوات التنفيذية التي تساعد على خفض كميّات المحروقات المستوردة وزيادة استقلالية البلاد في هذا المجال.
على صعيد الكهرباء، تقدّم الوثيقة مجموعة من المشاريع الجديّة لزيادة القدرة الإنتاجية وتأهيل المعامل القديمة وشبكات النقل وغيرها. تبقى قطاعات أخرى كالسياحة والتربية والقضاء... التي درسها التيار وقدّم فيها مشاريع طموحة للإصلاح. إلا أنّ التغيير ليس رهناً بطموحات التيار فقط، بل بتحالفاته السياسية أيضاً وصدقيّة خطابه الذي لا يطبّق على صعيد التنظيم الداخلي.
خصخصة الاتصالات
تطرح وثيقة التيار إنشاء شركة «اتصالات لبنان»، ساعية، كما تشير، إلى تحرير قطاع الاتصالات وخصخصته، على أن تكون هذه الشركة المشغّل الوطني. كذلك تطرح خصخصة «الاتصالات»، «مع تغيير مفهومها المعتمد سابقاً، من كونها على حساب الدولة لمصلحة الشركات الخاصة الأجنبية». هذا التغيير، بحسب الوثيقة، يكون عبر إطلاق شبكة خلوية تابعة لـ«اتصالات لبنان» وإعطاء الأولوية في اكتتاب الأسهم للمستثمرين اللبنانيين والصناديق اللبنانية (مثل الضمان الاجتماعي)، على أن تترك الإدارة لشركة خاصة تملك ما لا يزيد على 30ـــــ40% من الأسهم.
لكن السؤال الذي يمكن طرحه هو: لماذا لا يعمّم هذا النموذج في الخصخصة على شركات الاتصالات الخلوية، بما يسمح للبنانيين، سواء أكانوا صناديق أم مستثمرين، بالمشاركة في هذا القطاع، وعدم ترك الشركات الأجنبية وحدها تدير الشبكات التي تضع يدها عليها؟
بين اليمين واليسار
يحاول التيار الوطني الحر من خلال مشروعه الانتخابي التوفيق بين مفهومَي اليسار واليمين. يطرح تحسين التقديمات الاجتماعية والمحافظة على حقوق الموظفين وأوضاعهم (تُجاري اليساريين)، فيما يطرح في الضفّة الأخرى مشاريع خصخصة جزئية (يهتمّ بها أتباع الليبرالية). يمثّل هذا البرنامج خطوة إصلاحية أولى للسياسة الاقتصادية، ولا يجوز عدّه برنامجاً كاملاً.