قد يكون الحديث عن المسارات الدستورية لإستقالة الرئيس سعد الحريري بمعزل عن تلك السياسية، بمثابة نقاش من خارج الكوكب، لاسيّما وأنّنا أمام استقالة غير مألوفة في الحياة السياسية اللبنانية، لا بل شكّلت سابقة في مسرح إعلانها من الرياض وفي توقيتها ومضمونها، ولكن عدم إمكان فصل المسارين السياسي والدستوري، لا يحجب سؤالاً مشروعاً عن كيفية التعامل معها طالما لم تتحول بعد إلى مكتوبة.
صحيح أنّ الدستور لا يضمّن مواده أيّ إشارة إلى كيفية تقديم الإستقالة، إلاّ أنّ رئيس الجمهورية يتريث في قبولها انطلاقاً من كونه لم يستلم أيّ نصّ مكتوب بالإستقالة بانتظار عودة الحريري. فهل الحكومة دخلت في مرحلة تصريف الأعمال أم لا؟ وهل يمكن لرئيس الجمهورية أن يرفضها بحال لم تصله خطّية؟ وماذا لو لم يعد الحريري لتقديمها؟
في كتاب الدستور يلفت الخبير الدستوري صلاح حنين عبر "لبنان 24" أن لا إشارة إلى كيفية تقديم الإستقالة، بل أنّه وفق الأعراف جرت العادة على أن يقدّمها رئيس الحكومة شخصياً وخطياً إلى رئاسة الجمهورية، وكذلك الدستور لا يشير إلى امكان رفض الإستقالة من قبل رئيس الجمهورية، إلاّ أنّ المنطق والأصول يفرضان استقالة مدوّنة وليس فقط من خلال تلاوة نصّها عبر وسائل الإعلام." الإستقالة على مستوى الحكومات ورؤساء الجمهوريات وحتّى النواب والوزراء تكون دائماً خطّية، ولو أنّ الدستور لا يشير في نصوصه إلى ذلك. فعلى سبيل المثال على النائب أن يقدّم استقالته خطّياً إلى رئاسة المجلس، وعلى رئيس المجلس تلاوة مكتوب الإستقالة أمام النواب في أول جلسة عامّة تُعقد بعد تقديم الإستقالة، فإذا كانت استقالة النائب تنطبع بهذا المنحى الجدي، فكيف الحال بالنسبة لرئيس الحكومة؟".
حنين يرى في موقف رئيس الجمهورية التريث بقبولها خطوة حكيمة "الرئيس ميشال عون لم يقل اليوم أنّه يرفض الإستقالة بحيث لا يحقّ له رفضها، بل يريد التريث إلى حين تقديمها له خطياً، وبالتالي عدم تقديمها قد يخلق إشكالية أو تأويل معين، كما أنّ التّسرع بقبولها قبل استلامها مدوّنة قدّ يعّرض رئيس الجمهورية للخطأ واللوم من قبل جمهور الرئيس الحريري، لاسيّما في الظرف الحالي ووفق الطريقة التي تمت بها الإستقالة من خارج البلاد".
أضاف حنين: "الإستقالة لا تقبل إلاّ خطّياً بعد تقديمها إلى رئاسة الجمهورية، وغير ذلك يُبقي أسئلتنا مشروعة حول الأسباب والدوافع وطوعية بقاء الحريري في الخارج أم لا. أمّا في حال لم يعد الحريري لتقديم استقالته خطياً، يرى حنين أنّ ذلك يؤشر لأزمة كبيرة تتخطّى الإستقالة".
الدستور تطرق إلى الإستقالة في المادة 69 منه الدستور، التي نصّت على أنّ الحكومة تعتبر مستقيلة في الحالات التالية: إذا استقال رئيسها، إذا فقدت أكثر من ثلث عدد أعضائها المحدد في مرسوم تشكيلها، بوفاة رئيسها، عند بدء ولاية رئيس الجمهورية ومجلس النواب، وعند نزع الثقة منها من قبل المجلس النيابي .
وفق الفقرة الأخيرة من المادة نفسها،عند استقالة الحكومة يصبح المجلس النيابي حكماً في دورة انعقاد استثنائية حتى تأليف حكومة جديدة ونيلها الثقة. وبالتالي رئيس الجمهورية بعد قبول الإستقالة يصدر مرسوماً يكلّف فيه الحكومة بتصريف الأعمال، ويصبح ملزماً بالدعوة إلى استشارات نيابية ملزمة.
في السياسة عقلنة الخطاب والأداء في الداخل اللبناني وحدها تجنّبنا التداعيات الكارثية للاستقالة ورسائلها العابرة للأقاليم والحدود، وفي ذلك يرى حنين أنّ خطاب الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله مؤشر جيد .