«هُندست» صورة باسيل باتقان على خلفية شعار «الاصلاح والتغيير»، في مواجهة صورة أكثر تقليدية لحرب، ربما أُريد منها الحفاظ على وقار زعيم تقليدي يتكئ على خط سياسي ترجم شعاره بـ «سلاح الدولة لا دولة السلاح».
إلى هذين اللاعبين ينضمّ حلفاء ومستقلّون من الخطّين السياسيين نفسيهما، اكتظّت ساحة المدينة بصورهم وبأعلام احزابهم وتيّاراتهم. والخلاصة لائحتان مكتملتان، واحدة لقوى الرابع عشر من آذار تضمّ النائبين بطرس حرب ومرشح القوات اللبنانية أنطوان زهرا. وأخرى للمعارضة يمثلها التيار الوطني الحرّ بمرشحيه الوزير جبران باسيل والدكتور فايق يونس. ويخوض المعركة في وجههما مستقلان هما الدكتور نبيل حكيّم (قواتي - كتائبي) وسليم نجم ذو الجذور العونية. يتنافسون هؤلاء جميعا على مقعدين مارونيين هما حصّة القضاء بموجب قانون الستين .
على ابقاع هولاء المرشحين يعيش قضاء البترون اليوم، وهم يتحضّرون لمعركة «ضروس». كان بالامكان أن تكون أكثر هدوء لو أن القضاء تمكن من استعادة مقعده الماروني الثالث، وهو «من حقّ البترون، اذا قورن عدد ناخبيه بعدد الناخبين في قضاءي الكورة وزغرتا. وقد تمّ نقله بارادة من البطريركية المارونية كي يكون لابنائها مقعد في عاصمة الشمال»، بحسب ما يلمّح أحد المحللين السياسيين في المنطقة.
الاستطلاعات والوقائع
أرقام الانتخابات للعام 2005 التي حلّ فيها باسيل أولا، واستطلاعات الرأي المرافقة لانتخابات 2009 التي تظهره أول الخاسرين أمام لائحة 14 آذار، تجعل من أيام العدّ العكسي إلى يوم الاستحقاق، أياما «حامية» بامتياز. يعمل خلالها باسيل بجدّ لتحقيق الفوز، مقابل عمل متواصل للائحة المواجهة لابعاده عن الندوة البرلمانية، ليس لتوجهه السياسي فحسب، بل أكثر لكونه صهر العماد ميشال عون. فيكون اسقاطه أشبه باسقاط عون نفسه.
ربما لهذا السبب جال الجنرال يوم الأحد الماضي في قرى وبلدات البترون من جرده إلى ساحله مرورا بمناطقه الوسطية، مُميزا بذلك القضاء عن غيره من الدوائر التي نُظّم له فيها مهرجانات خطابية فقط. وقد بدأت رحلته من تنورين، بلدة حرب، مرورا بشبطين مسقط رأس جورج سعادة، وصولا الى البترون. وفي البترون، لاقاه الوزير السابق سليمان فرنجية، زعيم «تيار المردة»، الذي ما زال يحتفظ بأصوات مؤيدة في القضاء، إذ حلّ فيها أولا في الانتخابات الماضية التي تمت على أساس ثلاث دوائر للشمال، فجمعت زغرتا مع الكورة والضنية وطرابلس. وقد نال فرنجية في 2005 حوالى 16 ألف صوت من البترون، أي بفارق 1500 صوت عن حرب الذي حصل على 14509 أصوات بترونية فقط.
وتشير بعض استطلاعات الرأي إلى احتمال خسارة باسيل في الدورة الحالية، علما بأنه حصل على 14923 صوتا في الانتخابات النيابية الماضية لما كان البترون ضمن دائرة انتخابية أوسع. فما الذي يهدده وقد أضحى البترون دائرة بحد ذاته؟ وما الذي يجعل حرب، أيضا وفق الاستطلاعات، رابحا قبل فرز الأصوات؟
لا يمكن الحصول على الإجابة عبر استقصاء آراء أهالي القضاء، لا سيما أن كثيرين منهم يفضلون الاجابة عبر التصويت يوم الأحد.
إلا أنه لدى جورج سلهب (50 سنة) اجابة «هنا الأولوية للعائلية والمناطقية الضيّقة والخدمات، ومن ثم تأتي السياسة» شارحا كيف أن أفراد عائلة واحدة قد يصوّّتون في آن لسياسة التيار ولخدمات حرب وربما لحكّيم لأنه ابن القرية، أو لسياسة الموالاة ولجبران باسيل كونه ابن البترون... الملتزمون والمناصرون حزبيا وحدهم يجيبون لصالح هذه الفئة أو تلك.
مع هذا يوافق عدد من أبناء القضاء على أن المعركة تدور على مقعد واحد في البترون، وتحديدا بين باسيل وزهرا.
لكن على الأرض، وإن أخذ كلا الفريقين استطلاعات الرأي بالحسبان، ما زال هناك مخاوف من عنصر مفاجأة تظهره الصناديق .
«من هنا يجهد حرب لنيل عدد أكبر من الأصوات التي نالها في الانتخابات الماضية، تكريسا لزعامته ولـتصدر «14 آذار» على حدّ سواء. ومثله تماما، يعمل زهرا بجدّ للوصول إلى الندوة البرلمانية فيكون القضاء قد أسقط المعارضة.
ويقول «ابن دوما» الذي رفض الافصاح عن اسمه ان «الحمل الثقيل ملقى على عاتق باسيل، المطالب بالمحافظة على تصدّره في البترون أولا، وبالتغّلب على المعركة الشرسة التي تقاد ضدّه كونه صهر الجنرال عون ثانيا، وبتثبيت نفسه كرجل سياسي بمنأى عن توزيره من قبل عمّه ثالثا.»
أما الماكينات الانتخابية للطرفين، فمؤمنة بوصول «اللائحة زي ما هيي»...
أمام هذا الواقع، هل يمكن أن تترجم نتائج استطلاعات الرأي إلى واقع؟
يؤكد ثلاثة مراقبين فاعلين على الساحة البترونية، رفضوا نشر اسمائهم، أن خرق باسيل للائحة قوى الرابع عشر من آذار «أمر وارد جداّ لا سيما أنه بنى حيثية لنفسه بعد توليه حقيبة الاتصالات، برهن خلالها عن قدرته على إدارة واحد من أصعب الملفات» بحسب رأي أحدهم.
إلا أن هناك عوامل عدّة ربما تحول دون وصوله إلى البرلمان، بحسب هؤلاء المراقبين.
أحد هذه العوامل هو ترشّح سامر جورج سعادة، الكتائبي، عن المقعد الماروني في دائرة طرابلس، ما يحوّل أصوات الكتائبيين في البترون إلى كل من حرب وزهرا، لضمان تصويت مناصري 14 آذار في طرابلس لسعادة.
وثانيا، هناك امكانية «لجوء الناخب البتروني إلى التصويت بحسب العلاقات الشخصية والعائلية التي تكرّسها الزعامات المحلية، ووفق العصب المناطقي الذي يفضل ابن القرية أو إبن الجرد البتروني على ابن الساحل وبالعكس...» كما يشير أحد المراقبين، مشبّها نائب البترون بعضو مجلس بلدي.
ويعتبر المراقبون الثلاثة أن قوى الرابع عشر من آذار لبّت المطلب الخدماتي للناخبين، وكانت أكثر حضورا على هذا الصعيد من قوى المعارضة الموصوفة بخطابها السياسي.
كا أن 14 آذار تقدّم للناخب البتروني «الخلطة السحرية» بمزجها المرشح الحزبي بمرشح العائلة او الزعامة التقليدية، «فلطالما تخوّفت هذه الأخيرة من بروز الأحزاب على حسابها « كما يلفت أحد المراقبين.
وهناك مصدر يشير إلى الدور الذي تؤديه الكنيسة، وإن «همسا»، لقلب نتيجة الانتخابات الماضية ولتقدّم ممثلي 14 آذار على أخصامهم. وذلك عبر «شدّ العصب المسيحي بخطاب يجذب دائرة صغيرة وغالبيتها من لون واحد كالبترون».
المستقلون
تؤدي حيثية المرشحين المستقلين دورا مزدوجا، تستفيد منه اللائحتان.
ففي حين يرى أحد المراقبين أن ترشّح الحكيّم، القواتي - الكتائبي، هو يمثابة طعنة لزهرا «كونه مرشح حزب «لبنان الكيان» المنشقّ عن القوات»، يلفت آخر الى أن ذاك الحزب لم يتخلّف عن دعم القواتيين في أي من الاستحقاقات. وبالتالي يستفيد منه زهرا على حساب حليفه حرب.
كذلك، يختلف المراقبون على الأصوات الداعمة لنجم. إذ يعتبر أحدهم أن ترشحه هو من العوامل التي تضعف التيار في حين يؤكد آخر أن ناخبيه لا بدّ من أن يصوتوا ضدّ قوى الرابع عشر من آذار.
أما انسحاب سايد عقل من المعركة - وهو المرشح في جميع الدورات الانتخابية منذ العام 1968- فيرجّح المراقبون أنه لصالح مرشحي المعارضة، خصوصا أن «قاعدته الشعبية تؤيد فرنجية ولا بدّ من أن تصوّت لحليفه التيار الوطني الحرّ». والرهان على الستة عشر ألف صوت التي نالها زعيم زغرتا من أصوات البترونيين في الانتخابات الماضية.
تنورين، دوما، شكا والبترون
كانت حانات البترون، يوم السبت الماضي، تتحضر لليلة صاخبة، هي الأخيرة قبل يوم الاستحقاق. «لكن لا خوف من أي مشكل الا اذا أريد افتعاله» بحسب فادي، وهو صاحب حانة في ساحة المدينة. كاد فادي يكتفي بهذا القدر من الكلام، لولا مقاطعته من قبل رفيقه بالقول «القوات بيعملوها». فردّ فادي «ليسوا بحاجة لها هذه المرة وهم يعلمون أن شباب المردة ناطرينهم على الكوع».
يؤكد فادي أنه شاب»غير مسيّس» وأن كل ما يريده من هذه الانتخابات هو إنماء البترون لتزدهر فيها الأعمال. الا أنه «كمراقب» يعتبر أن حظوظ التيار الوطني الحرّ، «وجبران بالتحديد» أقوى من حظوظ بطرس حرب وأنطوان زهرا، «أنا أسمع ذلك من الناس ومن الشباب الذين يسهرون في حانتي».
مقابل الحانة، يتجمّع عدد من الشباب خلف سيارات حملت صور المرشح زهرا وأعلام القوات. «النتيجة واضحة» يعلّق أحدهم «لقد سقط خطاب عون ومن نرفع صوره ليس مرشحا بل نائب منذ الآن».
يشير طوني، وهو أحد الشباب المتجمهرين، الى أن « المعركة سهلة بالنسبة لنا لثلاثة أسباب. أولها عدد مناصرينا الكبير في البترون. وثانيها تحالفنا مع أهم زعيم في القضاء هو الشيخ بطرس حرب. وثالثها تفضيل كثيرين لجمهورية البطريرك على جمهورية (الرئيس الإيراني) احمدي نجاد التي يبشّر بها العماد عون».
في المقابل، يرى زياد وهو أحد شباب المردة أن المعركة في البترون «هي معركة كل المعارضة ونحن نعمل من أجل جبران باسيل وفايق يونس كما نعمل من أجل سليمان بك. ثم نحن نشكّل عنصر التخويف للقوات اللبنانية في حال أراد عناصر منها افتعال المشاكل. فالعونيون «غانديون»، حتى في الانتخابات».
لا يعني الانتهاء من نفق شكا الخروج منه. فالبلدة التي تنتشر فيها أعلام القوات والتيار تعيش الانتخابات بصخبها كما المدينة، بفارق أنها ستحسم خياراتها السياسية بعيدا عن حسابات المناطقية والعائلية...
«لا شك في أن عددا لا بأس به من أبناء البترون سيصوّت للوزير باسيل، حتى لو قالوا عكس ذلك» كما يؤكد أبو فراس وهو صيّاد وصاحب مسمكة معتبرا أن «البترون وان يطلق عليها صفة المدينة ما زالت قرية صغيرة تراعي العلاقات العائلية والشخصية. أظن أن التصويت في شكا سيكون سياسيا بامتياز، فيما يأتي عنصر الخدمات في الدرجة الثانية».
تحت قبب دوما الحمراء اعتبارات من نوع آخر، تبدو خلالها الانتخابات النيابية أشبه بانتخابات بلدية. شيخ سيصوّت «لابن حرب وابن يونس» وشاب لحكيّم وباسيل... وهكذا تتصدّر العلاقات الشخصية دوافع التصويت لدى أبناء البلدة. ويكاد يكون من المستحيل التكهن من سيرتدي «طربوش» دوما.
أما تنورين فلها حيثيتها الخاصة، خصوصا أنها لدورات انتخابية متتالية «أنجبت» مرشحين، ونوابا، تزعموا القضاء من باب عائلاتها، حرب ويونس على وجه الخصوص، وهما العائلتان اللتان تتنافسان اليوم عبر بطرس حرب وفايق يونس. ويشير أحد المراقبين من البلدة أنه «إذا بنى حرب زعامته، فذلك لأنه يراعي كل متطلبات الناخب. هو ينطلق من عائلة كبيرة، كما أنه يراكم عملا خدماتيا منذ سنوات، وهو اليوم يتكئ على خط سياسي واضح».
يضيف أنه «في المقابل، لا يزعزع تحالف يونس وباسيل أي من المرشحين الآخرين. وقد استطاع نزار يونس، شقيق المرشح فايق، من المعارضة في تنّورين. ونعني بالمعارضة، الخط السياسي كما الخط العائلي المعارض لوصول حرب إلى البرلمان».
هكذا تدور أيام تنورين اليوم على ايقاع أبنائها، يضاف إليها «ظلّ تيار «المستقبل» بشخص ابن البلدة جورج بكاسيني، الذي يدير معركة الموالاة» بحسب رأي بيار حرب أحد أبناء البلدة، معتبرا أن «قوى الموالاة، إن ربحت، فستكون قد دفعت ثمن الفوز باهظا».
يواجه طوني حرب هذا الرأي بالردّ «لا القديس الحرديني ولا القديسة رفقا ولا عظة المطران جورج خضر ممكن أن تشفع لصلوات عون بالفوز في البترون. وأظن أنه تأخر على «تسعاوية» القديسة ريتا شفيعة المستحيلات». ويسأل «ألم تكن جولة العماد في القضاء دليلا على خوفه من الخسارة في البترون كما تشير استطلاعات الرأي؟».
يجيب أحد المراقبين على الساحة البترونية بأنه حتى لو كان صحيحا «فلا بدّ من أن تشكل زيارته رافعة للائحة وترتد إيجابا على مرشحيها». ربما يضاف إلى ذلك مناجاة فرنجية «لأصواته المقدرة بستة عشر ألفا» والطلب من اصحابها «عدم محاكمة عون على الزفت بل على ما حققه».
يوم الأحد الماضي، قال زعيم التيار الوطني الحرّ « سمعت هتافا يقول «زحلة للشيخ سعد الحريري»، وآخر يقول «الأشرفية مدينة الحريري». لا أحب ان أسمع غدا أن البترون للحريري».
هل يستجاب طلبه الأحد ؟ أم ان أصوات البترون في انتخابات 2009 ستنقلب على أصواتها في العام 2005؟
إلى هذين اللاعبين ينضمّ حلفاء ومستقلّون من الخطّين السياسيين نفسيهما، اكتظّت ساحة المدينة بصورهم وبأعلام احزابهم وتيّاراتهم. والخلاصة لائحتان مكتملتان، واحدة لقوى الرابع عشر من آذار تضمّ النائبين بطرس حرب ومرشح القوات اللبنانية أنطوان زهرا. وأخرى للمعارضة يمثلها التيار الوطني الحرّ بمرشحيه الوزير جبران باسيل والدكتور فايق يونس. ويخوض المعركة في وجههما مستقلان هما الدكتور نبيل حكيّم (قواتي - كتائبي) وسليم نجم ذو الجذور العونية. يتنافسون هؤلاء جميعا على مقعدين مارونيين هما حصّة القضاء بموجب قانون الستين .
على ابقاع هولاء المرشحين يعيش قضاء البترون اليوم، وهم يتحضّرون لمعركة «ضروس». كان بالامكان أن تكون أكثر هدوء لو أن القضاء تمكن من استعادة مقعده الماروني الثالث، وهو «من حقّ البترون، اذا قورن عدد ناخبيه بعدد الناخبين في قضاءي الكورة وزغرتا. وقد تمّ نقله بارادة من البطريركية المارونية كي يكون لابنائها مقعد في عاصمة الشمال»، بحسب ما يلمّح أحد المحللين السياسيين في المنطقة.
الاستطلاعات والوقائع
أرقام الانتخابات للعام 2005 التي حلّ فيها باسيل أولا، واستطلاعات الرأي المرافقة لانتخابات 2009 التي تظهره أول الخاسرين أمام لائحة 14 آذار، تجعل من أيام العدّ العكسي إلى يوم الاستحقاق، أياما «حامية» بامتياز. يعمل خلالها باسيل بجدّ لتحقيق الفوز، مقابل عمل متواصل للائحة المواجهة لابعاده عن الندوة البرلمانية، ليس لتوجهه السياسي فحسب، بل أكثر لكونه صهر العماد ميشال عون. فيكون اسقاطه أشبه باسقاط عون نفسه.
ربما لهذا السبب جال الجنرال يوم الأحد الماضي في قرى وبلدات البترون من جرده إلى ساحله مرورا بمناطقه الوسطية، مُميزا بذلك القضاء عن غيره من الدوائر التي نُظّم له فيها مهرجانات خطابية فقط. وقد بدأت رحلته من تنورين، بلدة حرب، مرورا بشبطين مسقط رأس جورج سعادة، وصولا الى البترون. وفي البترون، لاقاه الوزير السابق سليمان فرنجية، زعيم «تيار المردة»، الذي ما زال يحتفظ بأصوات مؤيدة في القضاء، إذ حلّ فيها أولا في الانتخابات الماضية التي تمت على أساس ثلاث دوائر للشمال، فجمعت زغرتا مع الكورة والضنية وطرابلس. وقد نال فرنجية في 2005 حوالى 16 ألف صوت من البترون، أي بفارق 1500 صوت عن حرب الذي حصل على 14509 أصوات بترونية فقط.
وتشير بعض استطلاعات الرأي إلى احتمال خسارة باسيل في الدورة الحالية، علما بأنه حصل على 14923 صوتا في الانتخابات النيابية الماضية لما كان البترون ضمن دائرة انتخابية أوسع. فما الذي يهدده وقد أضحى البترون دائرة بحد ذاته؟ وما الذي يجعل حرب، أيضا وفق الاستطلاعات، رابحا قبل فرز الأصوات؟
لا يمكن الحصول على الإجابة عبر استقصاء آراء أهالي القضاء، لا سيما أن كثيرين منهم يفضلون الاجابة عبر التصويت يوم الأحد.
إلا أنه لدى جورج سلهب (50 سنة) اجابة «هنا الأولوية للعائلية والمناطقية الضيّقة والخدمات، ومن ثم تأتي السياسة» شارحا كيف أن أفراد عائلة واحدة قد يصوّّتون في آن لسياسة التيار ولخدمات حرب وربما لحكّيم لأنه ابن القرية، أو لسياسة الموالاة ولجبران باسيل كونه ابن البترون... الملتزمون والمناصرون حزبيا وحدهم يجيبون لصالح هذه الفئة أو تلك.
مع هذا يوافق عدد من أبناء القضاء على أن المعركة تدور على مقعد واحد في البترون، وتحديدا بين باسيل وزهرا.
لكن على الأرض، وإن أخذ كلا الفريقين استطلاعات الرأي بالحسبان، ما زال هناك مخاوف من عنصر مفاجأة تظهره الصناديق .
«من هنا يجهد حرب لنيل عدد أكبر من الأصوات التي نالها في الانتخابات الماضية، تكريسا لزعامته ولـتصدر «14 آذار» على حدّ سواء. ومثله تماما، يعمل زهرا بجدّ للوصول إلى الندوة البرلمانية فيكون القضاء قد أسقط المعارضة.
ويقول «ابن دوما» الذي رفض الافصاح عن اسمه ان «الحمل الثقيل ملقى على عاتق باسيل، المطالب بالمحافظة على تصدّره في البترون أولا، وبالتغّلب على المعركة الشرسة التي تقاد ضدّه كونه صهر الجنرال عون ثانيا، وبتثبيت نفسه كرجل سياسي بمنأى عن توزيره من قبل عمّه ثالثا.»
أما الماكينات الانتخابية للطرفين، فمؤمنة بوصول «اللائحة زي ما هيي»...
أمام هذا الواقع، هل يمكن أن تترجم نتائج استطلاعات الرأي إلى واقع؟
يؤكد ثلاثة مراقبين فاعلين على الساحة البترونية، رفضوا نشر اسمائهم، أن خرق باسيل للائحة قوى الرابع عشر من آذار «أمر وارد جداّ لا سيما أنه بنى حيثية لنفسه بعد توليه حقيبة الاتصالات، برهن خلالها عن قدرته على إدارة واحد من أصعب الملفات» بحسب رأي أحدهم.
إلا أن هناك عوامل عدّة ربما تحول دون وصوله إلى البرلمان، بحسب هؤلاء المراقبين.
أحد هذه العوامل هو ترشّح سامر جورج سعادة، الكتائبي، عن المقعد الماروني في دائرة طرابلس، ما يحوّل أصوات الكتائبيين في البترون إلى كل من حرب وزهرا، لضمان تصويت مناصري 14 آذار في طرابلس لسعادة.
وثانيا، هناك امكانية «لجوء الناخب البتروني إلى التصويت بحسب العلاقات الشخصية والعائلية التي تكرّسها الزعامات المحلية، ووفق العصب المناطقي الذي يفضل ابن القرية أو إبن الجرد البتروني على ابن الساحل وبالعكس...» كما يشير أحد المراقبين، مشبّها نائب البترون بعضو مجلس بلدي.
ويعتبر المراقبون الثلاثة أن قوى الرابع عشر من آذار لبّت المطلب الخدماتي للناخبين، وكانت أكثر حضورا على هذا الصعيد من قوى المعارضة الموصوفة بخطابها السياسي.
كا أن 14 آذار تقدّم للناخب البتروني «الخلطة السحرية» بمزجها المرشح الحزبي بمرشح العائلة او الزعامة التقليدية، «فلطالما تخوّفت هذه الأخيرة من بروز الأحزاب على حسابها « كما يلفت أحد المراقبين.
وهناك مصدر يشير إلى الدور الذي تؤديه الكنيسة، وإن «همسا»، لقلب نتيجة الانتخابات الماضية ولتقدّم ممثلي 14 آذار على أخصامهم. وذلك عبر «شدّ العصب المسيحي بخطاب يجذب دائرة صغيرة وغالبيتها من لون واحد كالبترون».
المستقلون
تؤدي حيثية المرشحين المستقلين دورا مزدوجا، تستفيد منه اللائحتان.
ففي حين يرى أحد المراقبين أن ترشّح الحكيّم، القواتي - الكتائبي، هو يمثابة طعنة لزهرا «كونه مرشح حزب «لبنان الكيان» المنشقّ عن القوات»، يلفت آخر الى أن ذاك الحزب لم يتخلّف عن دعم القواتيين في أي من الاستحقاقات. وبالتالي يستفيد منه زهرا على حساب حليفه حرب.
كذلك، يختلف المراقبون على الأصوات الداعمة لنجم. إذ يعتبر أحدهم أن ترشحه هو من العوامل التي تضعف التيار في حين يؤكد آخر أن ناخبيه لا بدّ من أن يصوتوا ضدّ قوى الرابع عشر من آذار.
أما انسحاب سايد عقل من المعركة - وهو المرشح في جميع الدورات الانتخابية منذ العام 1968- فيرجّح المراقبون أنه لصالح مرشحي المعارضة، خصوصا أن «قاعدته الشعبية تؤيد فرنجية ولا بدّ من أن تصوّت لحليفه التيار الوطني الحرّ». والرهان على الستة عشر ألف صوت التي نالها زعيم زغرتا من أصوات البترونيين في الانتخابات الماضية.
تنورين، دوما، شكا والبترون
كانت حانات البترون، يوم السبت الماضي، تتحضر لليلة صاخبة، هي الأخيرة قبل يوم الاستحقاق. «لكن لا خوف من أي مشكل الا اذا أريد افتعاله» بحسب فادي، وهو صاحب حانة في ساحة المدينة. كاد فادي يكتفي بهذا القدر من الكلام، لولا مقاطعته من قبل رفيقه بالقول «القوات بيعملوها». فردّ فادي «ليسوا بحاجة لها هذه المرة وهم يعلمون أن شباب المردة ناطرينهم على الكوع».
يؤكد فادي أنه شاب»غير مسيّس» وأن كل ما يريده من هذه الانتخابات هو إنماء البترون لتزدهر فيها الأعمال. الا أنه «كمراقب» يعتبر أن حظوظ التيار الوطني الحرّ، «وجبران بالتحديد» أقوى من حظوظ بطرس حرب وأنطوان زهرا، «أنا أسمع ذلك من الناس ومن الشباب الذين يسهرون في حانتي».
مقابل الحانة، يتجمّع عدد من الشباب خلف سيارات حملت صور المرشح زهرا وأعلام القوات. «النتيجة واضحة» يعلّق أحدهم «لقد سقط خطاب عون ومن نرفع صوره ليس مرشحا بل نائب منذ الآن».
يشير طوني، وهو أحد الشباب المتجمهرين، الى أن « المعركة سهلة بالنسبة لنا لثلاثة أسباب. أولها عدد مناصرينا الكبير في البترون. وثانيها تحالفنا مع أهم زعيم في القضاء هو الشيخ بطرس حرب. وثالثها تفضيل كثيرين لجمهورية البطريرك على جمهورية (الرئيس الإيراني) احمدي نجاد التي يبشّر بها العماد عون».
في المقابل، يرى زياد وهو أحد شباب المردة أن المعركة في البترون «هي معركة كل المعارضة ونحن نعمل من أجل جبران باسيل وفايق يونس كما نعمل من أجل سليمان بك. ثم نحن نشكّل عنصر التخويف للقوات اللبنانية في حال أراد عناصر منها افتعال المشاكل. فالعونيون «غانديون»، حتى في الانتخابات».
لا يعني الانتهاء من نفق شكا الخروج منه. فالبلدة التي تنتشر فيها أعلام القوات والتيار تعيش الانتخابات بصخبها كما المدينة، بفارق أنها ستحسم خياراتها السياسية بعيدا عن حسابات المناطقية والعائلية...
«لا شك في أن عددا لا بأس به من أبناء البترون سيصوّت للوزير باسيل، حتى لو قالوا عكس ذلك» كما يؤكد أبو فراس وهو صيّاد وصاحب مسمكة معتبرا أن «البترون وان يطلق عليها صفة المدينة ما زالت قرية صغيرة تراعي العلاقات العائلية والشخصية. أظن أن التصويت في شكا سيكون سياسيا بامتياز، فيما يأتي عنصر الخدمات في الدرجة الثانية».
تحت قبب دوما الحمراء اعتبارات من نوع آخر، تبدو خلالها الانتخابات النيابية أشبه بانتخابات بلدية. شيخ سيصوّت «لابن حرب وابن يونس» وشاب لحكيّم وباسيل... وهكذا تتصدّر العلاقات الشخصية دوافع التصويت لدى أبناء البلدة. ويكاد يكون من المستحيل التكهن من سيرتدي «طربوش» دوما.
أما تنورين فلها حيثيتها الخاصة، خصوصا أنها لدورات انتخابية متتالية «أنجبت» مرشحين، ونوابا، تزعموا القضاء من باب عائلاتها، حرب ويونس على وجه الخصوص، وهما العائلتان اللتان تتنافسان اليوم عبر بطرس حرب وفايق يونس. ويشير أحد المراقبين من البلدة أنه «إذا بنى حرب زعامته، فذلك لأنه يراعي كل متطلبات الناخب. هو ينطلق من عائلة كبيرة، كما أنه يراكم عملا خدماتيا منذ سنوات، وهو اليوم يتكئ على خط سياسي واضح».
يضيف أنه «في المقابل، لا يزعزع تحالف يونس وباسيل أي من المرشحين الآخرين. وقد استطاع نزار يونس، شقيق المرشح فايق، من المعارضة في تنّورين. ونعني بالمعارضة، الخط السياسي كما الخط العائلي المعارض لوصول حرب إلى البرلمان».
هكذا تدور أيام تنورين اليوم على ايقاع أبنائها، يضاف إليها «ظلّ تيار «المستقبل» بشخص ابن البلدة جورج بكاسيني، الذي يدير معركة الموالاة» بحسب رأي بيار حرب أحد أبناء البلدة، معتبرا أن «قوى الموالاة، إن ربحت، فستكون قد دفعت ثمن الفوز باهظا».
يواجه طوني حرب هذا الرأي بالردّ «لا القديس الحرديني ولا القديسة رفقا ولا عظة المطران جورج خضر ممكن أن تشفع لصلوات عون بالفوز في البترون. وأظن أنه تأخر على «تسعاوية» القديسة ريتا شفيعة المستحيلات». ويسأل «ألم تكن جولة العماد في القضاء دليلا على خوفه من الخسارة في البترون كما تشير استطلاعات الرأي؟».
يجيب أحد المراقبين على الساحة البترونية بأنه حتى لو كان صحيحا «فلا بدّ من أن تشكل زيارته رافعة للائحة وترتد إيجابا على مرشحيها». ربما يضاف إلى ذلك مناجاة فرنجية «لأصواته المقدرة بستة عشر ألفا» والطلب من اصحابها «عدم محاكمة عون على الزفت بل على ما حققه».
يوم الأحد الماضي، قال زعيم التيار الوطني الحرّ « سمعت هتافا يقول «زحلة للشيخ سعد الحريري»، وآخر يقول «الأشرفية مدينة الحريري». لا أحب ان أسمع غدا أن البترون للحريري».
هل يستجاب طلبه الأحد ؟ أم ان أصوات البترون في انتخابات 2009 ستنقلب على أصواتها في العام 2005؟