بلغ الإسفاف في التحريض وحضّ الناخبين على الانتخاب والاقتراع للوائح هذا الطرف أو ذاك ما بات يهدّد أي إمكان للعيش الطبيعي في هذه البلاد، إلى حد دفع المواطنين علناً وجهاراً إلى اقتناء السلاح والمطالبة بالانفصال أمنياً وعسكرياً عن الدولة المركزية، والوطن. ذلك كله من أجل حفنة من المقاعد النيابية التي لا تغيّر في الأمر شيئاً.
أكثر من 3000 مخالفة رصدتها المعارضة ارتكبتها قوى 14 آذار منذ نهاية شهر نيسان عام 2009، وحتى يوم الخامس من حزيران الحالي، أكثر من 3 آلاف مخالفة ظهرت عبر وسائل الإعلام المتنوعة، مسجلة خرقاً حاداً لما اتُّفق عليه في الدوحة، ولما اتُّفق عليه خلال جلسات الحوار الوطني، من ضرورة التهدئة السياسية والإعلامية، وإمرار مرحلة الانتخابات النيابية بسلام ومن دون إثارة النعرات. إلا أنه من العبث، كما يبدو في لبنان، أن تجري التفاهمات في الغرف المغلقة. إذ جرت العادة أن الأطراف التي اتفقت على أمر، ستخرقه ما إن تغادر هذه الغرف وقبل أن يجف الحبر الذي خطّت به التفاهمات.
في الخامس من حزيران، تقدّمت كتلة الوفاء للمقاومة رسمياً من إدارة هيئة الإشراف على الحملة الانتخابية التابعة لوزارة الداخلية بسبع شكاوى حملت تلخيصاً لما تقوم به وسائل إعلام الأكثرية النيابية، ولما أدلى به سياسيون من الموالاة خلال الشهرين الماضيين. وقد سبق أن تقدمت في نهاية الشهر الماضي إلى الهيئة ووزارة الداخلية بشكوى ضد الموقع الإلكتروني لحزب الكتائب اللبنانية، وتحركت الهيئة موجهة تنبيهاً إلى الموقع على ما نُشر فيه يوم 31 أيار من رسوم مسيئة وتحريض، وطلبت إليه إزالة ما نشر فوراً وعدم بثه مجدداً.
وتقدم النائب ميشال عون إلى الهيئة أيضاً بشكوى ضد جريدة «العمل» الكتائبية، على مقالين نشرا فيها، حملا العنوانين الآتيين: «هكذا استيقظت أحلام الجنرال البونابرتية مرة أخرى» و«عون نصر الله التطابق التدميري». وأرسلت الهيئة إلى الصحيفة كتاباً نبهتها فيه إلى هذا الأمر ورأت أنه «تبين للهيئة أن المقالين يتضمّنان مخالفة صريحة لأحكام المادة الـ 68 من قانون الانتخابات النيابية».
رئيس الهيئة، التزاماً منه بمقتضيات العمل، يرفض التعليق على أيّ من المخالفات، كذلك يرفض الإدلاء بأي تصريح، أو إعطاء معلومات عن الشكاوى التي ترد هيئته، إلا أن مصادر في وزارة الداخلية رفضت التصريح عن اسمها أكدت وجود العديد من الشكاوى المقدمة من العديد من الأطراف السياسة، إلا أنه لا شيء يشير إلى ارتفاع نسب المخالفات الصريحة فوق النسب التي تسجلها قوى 14 آذار يوماً إثر آخر، إذ إن رقم 3 آلاف مخالفة صريحة ومعلنة ومنشورة عبر وسائل الإعلام أو مرتكبة من هذه الوسائل نفسها المملوكة من أطراف في قوى الموالاة سيكون الأبرز لهذه الدورة الانتخابية.
وفي شكاوى كتلة الوفاء للمقاومة، يمكن تسجيل الآتي:
التشهير والافتراء، إذ قدمت الكتلة في الشكوى الرسمية ما يزيد على 640 مخالفة، القدح والذم (202 مخالفة)، التخويف والتخوين (تخويف الناخب من الخصم السياسي ومن نياته وأهدافه، والتصويت لفريق الثامن من آذار يعني التصويت للمشروع الإيراني في المنطقة) (946 مخالفة)، تزوير وتحريف الحقائق، وإدراج وقائع مغلوطة بصورة علنية (454 مخالفة)، التحريض على الفتنة والاقتتال بين اللبنانيين في مواجهة «سلاح حزب الله» والتحريض على حمل المواطنين على التسلح لمواجهة بعضهم لبعض (78 مخالفة).
أما في التحريض على العنف والفتنة والاقتتال بين اللبنانيين، فقد سُجِّلت 183 مخالفة، فيما ارتكزت تصريحات سياسيي قوى الأكثرية النيابية الحالية ومرشحيها، ودعايتهم الإعلامية على إثارة النعرات الطائفية والمذهبية، وتخويف بعض الطوائف اللبنانية من بعضها، واعتماد خطاب يقوم على عدم إمكان العيش بسلام بين الطوائف اللبنانية، وثمة طائفة تقوم بهجوم على الطوائف الأخرى، وسُجِّل في هذا الإطار 444 مخالفة.
هذه المخالفات المتراكمة، التي يصل عددها إلى 2947، يضاف إليها ما سُجِّل حتى اليومين الماضيين (في الرابع والخامس من حزيران) لن تمثّل مدخلاً إلى محاكمة وسائل إعلامية استخدمت هذا الخطاب عمداً، بل إلى محاكمة سياسيين ومرشحين خاسرين، إضافة إلى كونها خلفية يمكن البناء عليها إذا أرادت المعارضة التقدم بطعون إلى المجلس الدستوري، والاعتراض على نتائج الانتخابات في دوائر محددة.
لا تعتمد المعارضة في بنائها قاعدة البيانات للمخالفات، التي تصل أحكام بعضها بحسب القانون اللبناني إلى الإعدام، على ما تنص خطابات سياسيين من الدرجة الثانية فقط، بل ثمة خطابات لرجال دين وقيادات طائفية أكثر حدّة من تلك التي يدلي بها مرشحون مغمورون في لقاءات انتخابية ضيّقة، وهي قد حددت مرجعية كل حالة بمفردها، تسهيلاً لمتابعة العمل القضائي بهذا الخصوص. علماً بأن كل مخالفة من هذه، إذا حكم القضاء بشأنها تُعَدّ جريمة.
ومن الأكثر تحريضاً:
وليد جنبلاط: لن نسقط الاتهام السياسي، ونترك المحكمة تقوم بواجبها، لكن لن ننسى... لن ننسى... لن ننسى.
سعد الحريري: عندما عجزوا عن تنفيذ مشروعهم من خلال اغتيال رفيق الحريري وسائر شهداء مسيرة الحرية... ها هم يحاولون مرة أخرى تنفيذ هذا المشروع من خلال الانتخابات النيابية.
الحريري: قتلوا رفيق الحريري قبل أن يصل إلى صندوق الاقتراع، واليوم يحاولون قتل مسيرة رفيق الحريري عبر صندوق الاقتراع.
الحريري: كانوا يبتسمون ويفرحون ويوزعون الحلوى، فيما يد الإجرام تغتال الواحد تلو الآخر من أبطال ثورة الأرز.
أمين الجميّل: ما نريده هو المحافظة على حياد لبنان والخروج به من الصراع القائم بين بعض الدول وإيران وامتدادها المحلي، ألا هو حزب الله... من دون التورط في شنّ عمليات إرهابية هنا وهناك.