ولا بأس هنا من مراجعة حالتي السنة والشيعة حيث التنافس الذي يتأثر به الآخرون
تشير النتائج الرسمية للانتخابات الى معطيات عدة، ابرزها ان التحالف الشيعي ثبت نفسه وسط لعبة تقاسم النفوذ الطائفي والمذهبي في لبنان، لا بل رفع من مستوى رصيده لدى الجمهور الشيعي، وأظهرت النتائج في الدوائر ذات الغالبية الشيعية أن المنافسين للوائح المدعومة من حزب الله وحركة امل، لم يحصلوا على نسبة تحسب كرصيد يمكن لخصوم هذه الثنائية التعويل عليه في اللعبة السياسية. ففي دائرة بعلبك ـــــ الهرمل حصلت لائحة المعارضة على مئة وثلاثة آلاف صوت مقابل ثلاثة عشر ألف صوت للائحة المنافسة، من اصل 126 ألف مقترع، أي إن الثنائي حصل على 82 بالمئة مقابل 10 بالمئة للمنافسين والبقية للآخرين، علماً بأن اللائحة المنافسة لا تخالف بتاتاً الموقف السياسي لقوى الغالبية الشيعية. أما في بنت جبيل (53 ألف مقترع) فقد حصل تحالف أمل ـــــ حزب الله على متوسط 49 ألف صوت مقابل اربعمئة صوت للمنافسين، اي 93 بالمئة للمعارضة مقابل 0.7 بالمئة للمنافسين والبقية لآخرين. وفي صور ( 75 ألف مقترع) فقد حصل تحالف أمل ـــــ حزب الله على متوسط 69 ألف صوت مقابل ألفي صوت للمنافسين، أي ما نسبته 92 بالمئة للثنائية الشيعية مقابل اثنين ونصف بالمئة للمنافسين. وفي النبطية تقدم مرشحو التحالف الشيعي على منافسيهم بأكثر من 63 ألف صوت من أصل نحو 67 ألف صوت، اي ما نسبته ايضاً 92 بالمئة. وفي دائرة مرجعيون حاصبيا حيث توجد غالبية شيعية انتخب اكثر من 90 بالمئة من مقترعيها لمصلحة التحالف. وإذا ما قورنت النتائج الخاصة بالوجود الشيعي في بعبدا وجبيل وزحلة وجزين، يمكن ملاحظة أن نسبة الاصوات الشيعية التي ذهبت لمصلحة المعارضة تتجاوز 90 بالمئة.
وهذا يعني ببساطة، أن حزب الله ومعه حركة امل، يسيطران بقوة على الوضع السياسي واتجاه التصويت لدى الناخبين الشيعة، وهم بذلك يعطون انطباعاً بأن السنوات التي مرت منذ عام 2005 رفعت من مستوى حضور هذا التحالف (وخصوصاً حزب الله) وسط الشيعة، ونفوذ حزب الله يلاحظ عملياً في دائرة جزين، إذ حيث اتيح للجمهور الشيعي الاختيار بين حليفين، وبين آخرين من المرشحين في هذه الدائرة فهو اختار لائحة التيار الوطني الحر.
وإذا كانت نسب التصويت في حدها المتوسط، فذلك يعود الى عدم وجود معركة فعلية، الامر الذي سيختلف لو أن البلاد تواجه خيارات من نوع مختلف، وهذا يعني ان الثنائية الشيعية غير قادرة على الامساك بزمام الامور بهذه الصورة، برغم انها سوف تجنّد مزيداً من الناخبين هي ايضاً، لكن اذا ما اتيح للجميع خوض انتخابات على اساس النسبية، فإن تكتلاً سياسياً او انتخابياً، له وحدة سياسية أو تحالفاً له بعده الانتهازي بالمعنى اللبناني، سوف يكون قادراً على الفوز بما لا يقل عن 15 بالمئة من اصوات الشيعة، وهو الامر الذي لم يختبر بفعل ان الخطاب السياسي لفريق 14 آذار لم يظهر أنه قادر على التفاعل مع القواعد الشعبية للشيعة خلال السنوات الاخيرة.
■ السنّة: العصبية التي توقد تحتها النيران
في جانب الفريق السني يجب تسجيل مجموعة من النقاط ابرزها أن التعبئة القائمة لأسباب لبنانية او لأسباب تتصل بالتطورات الحاصلة في المنطقة والعالم منذ انطلاقة ثورة أسامة بن لادن الى الغزو الاميركي لأفغانستان والعراق وما يجري في الخليج العربي وفي منطقتنا، فإن ما فعله تيار «المستقبل» لم يكن أكثر من توفير العناصر اللازمة لإعادة تسخين ما لم يبرد اصلاً. وبدت مهمة هذا التجييش هي إقناع الغالبية من الناخبين السنة، بأن 7 حزيران سيكون مناسبة لحصول موقعة تنهي مفاعيل 7 أيار النفسية والسياسية، وهذا ما كان في بيروت وفي بقية المناطق، ومن أصل نحو 85 ألف ناخب سني اقترعوا في العاصمة، حصل خصوم تيار «المستقبل» في لائحة المعارضة على ما معدله سبعة آلاف وخمسمئة صوت منهم أي ما يوازي 8 بالمئة من الاصوات، مقابل نحو 88 بالمئة لمصلحة لائحة 14 آذار، ما يشير مع بعض التدقيق الى أن الأكثرية في دوائر اخرى لا تتعارض سياسياً بل لديها مشكلات انتخابية مع تيار «المستقبل» الذي يمكنه الادعاء في ظرف آخر أنه يحصل على اكثر مما يقارب 75 بالمئة من اصوات السنة عموماً، علماً بأنه يمكن ملاحظة تعديلات في صيدا وطرابلس والبقاع الغربي، إذ إن أسامة سعد (حصل على نحو ما نسبته 27 بالمئة من اصوات السنة في صيدا) وعبد الرحيم مراد (حصل على 29 بالمئة من اصوات السنة في البقاع الغربي) وعمر كرامي (حصل على 26 بالمئة من اصوات السنة في طرابلس) وجهاد الصمد (حصل على 21 بالمئة من اصوات السنة في المنية ـــــ الضنية) وهم يشكلون حيثيات سياسية وشعبية في مناطقهم.
■ الدورز والمسيحيون... والحبل على الجرار
وعلى قاعدة المثل، فإن صورة الموقف لدى الدروز في لبنان لا تقل حدة، وبحسب مصادر قريبة من الوزير طلال ارسلان، فبرغم عدم وجود معركة داخل الطائفة الدرزية، ورغم أن الانقسام في التصويت ظل في ما خص المرشحين الآخرين، فإن المنافسين لزعامة وليد جنبلاط في الشوف وعاليه وبعبدا وراشيا والبقاع الغربي، حصلوا على ما نسبته 29 بالمئة من اصوات الدروز، مقابل 68 بالمئة لجنبلاط، وهو امر قابل للتعديل بحسب آلية التجييش وبحسب آلية المعركة.
وإذا كان الانقسام عند المسيحيين قد أخذ طابعاً مختلفاً هذه المرة عما كان عليه عام 2005، فإن التراجع في نسبة الاصوات التي حصلت عليها لوائح التيار الوطني الحر في الاقضية المسيحية الصافية، كما هي حال دوائر بعبدا وزغرتا والكورة وزحلة، فإن الامور تشير الى استنفار من نوع مختلف، لكن الاكيد أن تراجعاً جدياً أصاب الكتلة الشعبية المناصرة للتيار الوطني وللعماد عون بين المسحيين، وهو انقسام قد يظل يأخذ بعده السياسي، ولكن ثمة من يحاول ـــــ وربما نجح ـــــ إضفاء بعد طائفي وديني من خلال التصرف على أساس أن الانقسام متصل بمصلحة الطائفة ككل، والنظر إليها من موقع يشبه موقع الطوائف الاخرى، إذ إن التيار الوطني الحر ذهب طوعاً أو كرهاً نحو تثبيت شرعيته المسيحية دون أن يستفيد من تحالف المعارضة للحديث عن تمثيله الوطني، وهو ما نجح به في دائرة جزين على الاقل، فيما مسيحيو 14 آذار لا يهتمون سوى بالحصول على اغلبية وسط الجمهور المسيحي معطوفة على مباركة الكنيسة (البطريرك صفير او البطريرك هزيم لا فرق) للحصول على مقعد من الموقع الطائفي، وهم يرون أنهم يوظفون الطوائف الاخرى في خدمتهم، وبهذا المعنى لا يعترضون على الدعم المرجح لهم في دوائر الشوف وعاليه وزحلة وبيروت الاولى وطرابلس وعكار.
ويتضح حتى من حركة مواقع بارزة في السلطة، مثل رئيس الجمهورية ميشال سليمان انه لا يمكن له التحرك خارج الاطار الطائفي، وانه متى فكر ببناء حيثية تستند الى قاعدة شعبية، فليس من امامه الا البحث داخل مؤسسته الطائفية، وهو لم يعمد الى الاستفادة من موقعه العام، المرتفع فوق الطوائف لاجل بناء اطار يمكنه من النفاذ الى قلب هذه الكتل الصماء، بل لجا الى ما اعتبره الاسهل، وهو الامر الخطأ بسبب ان التوازن السياسي الحالي في البلاد سوف يظل يمنع على المسيحيين الاتيان برئيس يمثل غالبيتهم الا من خلال حرب شاملة لم تعد ممكنة. فذهب سليمان الى ما ظن انه الاسهل، بحثا عن فتات نيابي في قرية او دائرة اعتقد ان هالة الرئاسة كافية لتعديل مزاجها السياسي.
مرة جديدة، تبدو البلاد أكثر بشاعة من السابق، وهذا النظام الطائفي والمذهبي بات يوفر الحصانة للجميع، رابحين وخاسرين على حد سواء، لكنه يؤسس لمشكلات صعبة قد تتحول الى معارك اكثر صعوبة وتوتراً من اي وقت... ولا يبدو أن في الافق إمكاناً للعلاج دون اللجوء سريعاً الى رفع شعار وحيد وأوحد أمام من لا يريد الغرق في هذه الوحول، وهو إقرار قانون النسبية، ولو تطلب ذلك ملء الشوارع الحارات بالمعتصمين.
54.5 معارضة مقابل 45.5 للموالاة
في دراسة أعدت امس في ضوء النتائج الرسمية للانتخابات النيابية، وفي احتساب لمعدلات الاصوات التي نالتها لوائح المعارضة والموالاة في كل لبنان، تبيّن أن متوسط ما حصلت عليه لوائح المعارضة هو 815 ألف صوت مقابل 680 ألف صوت للوائح الموالاة من اصل نحو مليون ونصف ناخب اقترعوا يوم السابع من حزيران، علماً بأن هناك مشكلة مساواة على مستوى التمثيل بين الكتل الناخبة وحصتها من المقاعد النيابية.