لا توحي انتخابات رئاسة مجلس النواب من الآن أنها أمام مأزق. رئيسه القديم سيستمر في منصبه بين فريقين: الأقلية أو المعارضة التي يتزعمها الرئيس نبيه برّي من داخل البرلمان المنتخب وهو على رأسه، والغالبية النيابية التي عادت بمعظم وجوهها، وفي ظلّ زعمائها أنفسهم الذين سيقودون الحياة السياسية والدستورية في لبنان للسنوات الأربع المقبلة
نقولا ناصيف
بحسب المادة الثانية من النظام الداخلي لمجلس النواب، يجتمع المجلس بعد انتخاب نوابه الجدد بدعوة من رئيس السنّ لانتخاب رئيس جديد له ونائب للرئيس وهيئة مكتب المجلس. طبقاً لذلك، يتعيّن على البرلمان المنتخب الالتئام بين 20 حزيران، وهو موعد نهاية ولاية البرلمان الحالي، و5 تموز المقبل، بدعوة من رئيس السنّ النائب عبد اللطيف الزين (79 عاماً).
و20 حزيران هو أيضاً الموعد الذي يجعل حكومة الرئيس فؤاد السنيورة مستقيلة حكماً مع بدء ولاية المجلس الجديد.
وتجعل المفارقة النائب الزين في هذا الموقع. فهو عميد النواب سنّاً ولا يزال يحتفظ بمقعده عن النبطية بلا انقطاع مذ انتخب للمرة الأولى في أول تموز 1962 خلفاً لوالده الراحل يوسف الزين. كان قد ترشّح أو طُرح اسمه أيضاً، أكثر من مرة، لرئاسة المجلس ضد رئيسه السابق كامل الأسعد في مطلع الثمانينات. وسيدعو الزين ومن ثم يترأس جلسة إعادة انتخاب الرئيس نبيه برّي على رأس السلطة الاشتراعية للولاية الخامسة على التوالي، يسجّل بها سابقة أنه أول رئيس للبرلمان يشغل منصبه حتى موعد انتخابه الخامس 17 سنة بلا توقف، وهو سيمدّدها حتى برلمان 2013 كي تصبح 21 عاماً. قبله كان الأسعد هو الوحيد الذي احتفظ بمنصبه 15 سنة متواصلة بين 1970 و1985. مع برّي يعود النائب فريد مكاري إلى نيابة رئاسة المجلس.
لكن إعادة انتخاب برّي لرئاسة برلمان جديد يحمل وزر صراع حاد نشب بين قوى 8 و14 آذار منذ انتخابات 2005، وطَبَعَه افتراق الخيارات، تفتح باباً جديداً على علاقتهما في المرحلة المقبلة. كلاهما اختبرا ضراوة المواجهة في مجلس الوزراء وانعكاسها على مجلس النواب، وبلوغ هذه المواجهة حافة الانفجار المذهبي عشية تسوية الدوحة. انتظر الاحتقان انتخابات 7 حزيران كي يغسل جزءاً كبيراً من تصفية الحساب السياسي والمذهبي. وبعدما سلّم رئيس المجلس والأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله بنتائج الانتخابات على أنها تفويض جديد لقوى 14 آذار من أجل السيطرة على الغالبية النيابية، يأتي انتخاب برّي لتكريس التوازن الداخلي الجديد بين الزعامتين السنّية والشيعية. تحترم الأولى خيار الثانية في اختيار رئيس المجلس، وتلتزم الثانية خيار الأولى في تحمّل مسؤولية الحكم ورئاسة الحكومة المقبلة. ومن غير أن يبدو الأمر مقايضة، فإن تسليم أحدهما للآخر بإرادته يعبّر عن تمسّكهما بالتوازن القائم في المؤسسات الدستورية.
لكن انتخاب برّي رئيساً للمجلس لا يحجب معطيات تتصل بمواقف أفرقاء رئيسيين معنيين بهذا الاستحقاق:
1 ـــــ يلتزم برّي الصمت حيال هذا الموضوع، ويكتفي بالقول لـ«الأخبار» إنه «مرشح طبيعي... لكن بعد بكير» على الخوض فيه. ويوجّه الاهتمام إلى ضرورة «إيلاء التوافق بين اللبنانيين كل الاهتمام قبل ما عداه من الشؤون للمرحلة المقبلة. هذا التوافق الذي أنادي به وأعمل عليه، وأكدته في موافقي بعد الانتخابات النيابية. لا شيء يمشي في لبنان بلا التوافق».
2 ـــــ لا تميل قوى 14 آذار إلى استعادة موقفها من انتخاب برّي عام 2005 عندما لوّحت، وخصوصاً رئيس تيار المستقبل النائب سعد الحريري، بترشيح سواه لرئاسة المجلس، وفاتح حزب الله بدعم هذا الخيا ر. تزامن هذا الموقف مع تحرّك للسفير الأميركي السابق في بيروت جيفري فيلتمان قال بانتخاب مرشح شيعي من صفوف قوى 14 آذار ما دامت هذه تمسك بالغالبية النيابية التي تمكّنها من فرض مرشحها، وإحكام سيطرتها على مجلس النواب آنذاك، رئاسة ونصاباً. لكن رفض نصر الله الاقتراح وتمسّكه برئاسة برّي، حمل الموالاة على احترام إرادة الإجماع الشيعي على رئيس حركة أمل، الساري المفعول.
واستناداً إلى مطلعين على موقفه، فإن الحريري على رأس الأكثرية النيابية الجديدة يؤيد إعادة انتخاب برّي بلا شروط. هذا الخيار محسوم بالنسبة إليه، وإن بكّر بعض حلفائه في محاولة إحراجه، وأبرز المناوئين له رئيس الهيئة التنفيذية للقوات اللبنانية سمير جعجع ورئيس حزب الوطنيين الأحرار النائب المنتخب دوري شمعون، وكلاهما لا مرشح بديلاً لديه. وخلافاً لشمعون الذي لا يكفّ عن مهاجمة برّي من غير أن تجمعه به علاقة ما، لا يعدو تحفّظ جعجع كونه من باب المناورة السياسية.
يرافق هذا التحفظ مطلب يتداوله أعضاء في تيار المستقبل لا يبدو مؤكداً حتى الآن أن الحريري يجاريه، وهو رهن تأييد انتخاب برّي بضمانات وشروط منها تعهّده بتعديل النظام الداخلي لمجلس النواب على نحو يمنع رئيس المجلس من تعطيل جلساته إذا نشب خلاف على موضوع الحكومة، على غرار الجدل الذي أحاط بدستورية الحكومة السابقة للرئيس فؤاد السنيورة وشرعيتها بين عامي 2006 و2008، وأدى إلى تجميد جلسات البرلمان.
لكن حسابات الحريري مختلفة تماماً عن ذلك كله لأسباب، يتصل أولها بعدم استفزاز الطائفة الشيعية، وثانيها بالتخاطب الإيجابي غير المباشر المتبادل حيال تقويم نتائج انتخابات 7 حزيران والتسليم بالأكثرية النيابية الجديدة، وثالثها بمراعاة الحريري دقة التوازن الداخلي وحساسية الاستقرار التي تحتّم عدم استدراج فريق لفريق إلى الاشتباك السياسي. وهو ما عبّر عنه رئيس تيار المستقبل في لحظة نشوة استثنائية بعد انتصاره في الانتخابات، لا يتقنها بعض حلفائه، بقوله إنه لا رابح ولا خاسر فيها.
3 ـــــ يمثّل رئيس اللقاء الديموقراطي النائب وليد جنبلاط في مرحلة ما بعد انتخابات 7 حزيران معادلة التوازن بين الموالاة والمعارضة، وتحديداً بين برّي والحريري، بسبب عدم اكتمال عناصر المصالحة بينه وبين نصر الله، إلى أن يجتمعا. وتستمد هذه المعادلة تأثيرها من إصرار جنبلاط على إمرار العلاقة بين الموالاة والمعارضة عبر برّي الذي يلاقيه في التمسّك باتفاق الطائف وتفادي الاحتقان المذهبي والتهدئة والحوار. لكنهما يجتمعان أيضاً على تجنيب سلاح حزب الله أي سبب للانقسام الداخلي عليه، من غير أن تتطابق بالضرورة وجهتا نظر الزعيمين الشيعي والدرزي حيال هذا الأمر: الأول يجد سلاح الحزب جزءاً مكملاً لمقاومة الدولة، بينما يعتبره الثاني على النقيض منها. يختلفان كذلك على نظرتهما إلى التوافق وعلاقته بالثلث الزائد واحداً: يحسبه برّي في صلب عناصر التفاهم الداخلي والمشاركة والاستقرار وأنه تجربة ناجحة لحكومة الوحدة الوطنية، بينما يراه جنبلاط عقبة في الحكم وفي عمل مجلس الوزراء وشلاً لفاعلية الغالبية المنبثقة من الانتخابات النيابية.
إلا أن جنبلاط الذي يزاوج بين مغزى انتصار قوى 14 آذار وخيبته من بعض ما تولده الديموقراطية «التي ليست مسألة أعداد فحسب بل أيضاً نوعية»، في انتقاد لبعض تركيبة البرلمان المنتخب، يكرّر تأييده انتخاب برّي لرئاسة المجلس، ويقول لـ«الأخبار» إن قوى 14 آذار لم تبدأ مناقشة الموضوع بعد. وهو يضع تأييده برّي في خانة «موقف شخصي»، في انتظار اجتماع حلفائه.
ويقول: «لقد خرجنا لتوّنا من الانتخابات. علينا أن ننتظر ما سيقوله الآخرون في قوى 14 آذار في هذا الأمر، وبعدها نتخذ الموقف».
وإذ يعارض ربط تأييد انتخاب برّي بضمانات وشروط مسبقة، يقول سيد المختارة: «إذا أردنا العودة إلى الدفاتر القديمة من أجل فتحها، فإننا لن ننتهي أبداً من هذا الأمر. هل الرئيس برّي لم يكن على حق دستورياً عندما أوصد أبواب المجلس؟ وهل كان على حق في ذلك سياسياً؟ لن ننتهي من هذا الجدل أبداً. ما حصل حصل، وكانت له ظروفه، وأنا لا أريد العودة إلى الماضي. طلبت طيّ صفحته في كل ما حصل في الأعوام الأخيرة، بل قلت أيضاً بطيّ صفحة 7 أيار، وأن نبدأ مرحلة جديدة انطلاقاً من 7 حزيران، لأن هناك استحقاقات كبيرة مقبلة علينا مواجهتها».