أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

الحفاظ على الأغلبيّة ولو عن طريق الـخداع

الخميس 11 حزيران , 2009 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,740 زائر

الحفاظ على الأغلبيّة ولو عن طريق الـخداع

 

فداء عيتاني - الاخبار


«كان هناك شيء غريب، لكني كنت أطمئن النفس، وكنت أقول للجميع إن ما يحصل يفوق توقعاتنا. في عكار حيث أتى إلينا أناس لم يخاطبونا منذ أعوام، وفي المنية والضنية أيضاً حيث كان هناك كثرة في الترشيحات، وفي طرابلس، وفي البقاع الغربي كانت الأمور تجري كما نشتهي، وربما أفضل مما اشتهينا»، يقول أحد الذين عملوا أشهراً طويلة في إعداد المعركة الانتخابية في الدوائر المذكورة سابقاً.
«لم تكن سوريا بعيدة، بل اتصلت بالعديد من الشخصيات التي تطل عليها، أو تلك التي كانت تطل عليها من قبل، وأتى إلينا أُناس لم نرهم منذ أعوام، وقالوا لنا إن (المعلم) اتصل وأوصى بكم خيراً، ونحن في خدمتكم في الانتخابات»، بحسب أحد مرشحي المعارضة في الشمال.
«لا ضرورة لنلتقي، أنا مجرد عامل في الماكينة الانتخابية، وهذه مهمتها التموين من طعام وغيره، وإعداد قوائم ناخبين ومراقبة مسار العملية الانتخابية»، يقول مسؤول الماكينة المركزية لتيار المستقبل خلال الاحتفال الذي جرى قبل الانتخابات بأسابيع في ملعب النجمة الرياضي.
حتى اليوم الأخير ما قبل فتح صناديق الاقتراع، كان أحد القياديين في الشمال يسأل كل يوم محدثيه: «هل حقاً ستجري الانتخابات النيابية؟»، واتخذ الأمر منحى النكات، إلا أن مَن كان يسأل كان يشرح حين سؤاله عن مغزى الأمر، أن إدارة الانتخابات لدى قوى الموالاة تجري من الخارج بقيادة مصرية عبر رئيس الاستخبارات المصرية عمر سليمان، وبتمويل سعودي. لكن لا شيء من النشاطات المعتادة لماكينات تيار المستقبل يظهر على الأرض، عدا أن أعضاءها كثفوا اتصالاتهم بالناس في لبنان وفي الخارج. لكن لا استعدادات عملية، والمعارضة في المقابل تعيش حالة من ارتفاع الأسهم بين الناس، وفي حال استمرار ارتفاع نقاط المعارضة، فليس من مصلحة الموالاة إجراء الانتخابات، وأضعف الإيمان أن تحاول جر المعارضة إلى مشكلات ميدانية لتعطيل العملية الانتخابية.
لكن لا شيء من ذلك حصل، بل على العكس، كانت القوى الأمنية جدية في قمع المخالفات، وكان رأي المدير العام لقوى الأمن الداخلي، قبيل أيام من الانتخابات، أن الأيام لن تحمل أعمالاً أمنية كبيرة، وأن كل ما سيحصل مشكلات محدودة، ولم يلمس الرجل أي نية لدى أي فريق في تفجير البلاد أو افتعال مشكلات، وترك الأمور في إطار ما قد ينتج في الشارع بعفوية من صدامات محدودة.

المترفون يستقطبون الشارع

قبيل بدء الاستعدادات الجدية، وفي ظل التجاذب الكبير الذي شهدته قيادات قوى 14 آذار وتيار المستقبل، وخصوصاً بشأن تأليف اللوائح، كانت البنية الفوقية للمرشحين هي من يتصارع، فيما كانت الماكينة الفعلية لتيار المستقبل توحد الأرض، وتجذب الأنصار، والمغتربين، وهي عملت باللحم الحي كما عملت بقفازات المخمل، واتصلت بكل منزل وعائلة، وزارت كل ناخب تقريباً، جالت على أحياء بيروت، ولم توفر فرداً من عائلة.
ذلك كله والمعارضة تطمئن نفسها إلى أن العلاقات الفوقية بين المرشحين في قوى الأكثرية ليست على ما يرام، وأن أمام هؤلاء وأمام تأليف لوائحهم زمناً قد لا يمضي وهم على وفاق، وأن التعثّر في تأليف اللوائح دليل تعثر في العلاقة مع الناخب أيضاً، وتراجع في التمثيل والقدرة والدور.

الاستعانة بالكتمان

خلال هذه الفترة، أحسن المعنيون بالغرف الخاصة في العمل الانتخابي في إخفاء ما يحصل، وقُطعت كل علاقة يمكن أن تؤدي إلى فريق المعارضة، أو تنقل معلومات ذات طبيعة ميدانية. اعتمدت الموالاة على وسائل إعلامها حصراً، قدمت لجمهورها ما يحتاج إليه من معلومات تعتقد أنها تكفيه وتحافظ عليه جاهزاً ليوم الانتخاب.
في مقابل ذلك، أهملت المعارضة متابعة ما يجري، ورأت أن قطع الاتصال لدى قوى الأكثرية نتيجة طبيعية لارتباك داخلي، راقبت القيادة المصرية ـــــ السعودية المعركة، ورأت أن التهدئة على الجبهة السورية السعودية ستؤدي إلى عجز، إن لم يكن شللاً في قدرات قوى 14 آذار في الشارع، وراحت تقرأ العوامل المتوافرة على المستوى السياسي، وبدلاً من أن تستمع إلى الأرض، كانت تكتفي بما تراه على شاشات التلفزة، علماً بأن الميدانيين من كوادر المعارضة في المناطق كلها، على سبيل المثال طرابلس، كانوا بُعيد إعلان التحالف، يؤكدون لقياداتهم أن الرئيس نجيب ميقاتي يتجه إلى تصويت شفاف للائحة كاملة، وأن الأجزاء في البقاع الغربي ليست كما تصور العلاقات الفوقية في قيادة المعارضة، ثم مع الوقت بدأ الكوادر الميدانيون يتأثرون بما يتابعونه من معلومات سياسية ويشككون في معلوماتهم نفسها.
قبل أسابيع قليلة من بداية يوم الاقتراع، تقرر خوض المعارك في المناطق، وحشدت المعارضة ما أمكنها من عدة للمواجهات. وحدها صيدا كانت الأرض تعطي معلومات واضحة عن حركة ماكينة تيار المستقبل، وخيضت معركة واضحة فيها. أما المناطق الأخرى التي عمل فيها تيار المستقبل، فكانت الأمور تخاض بأقصى ما أمكن من الصمت، في البقاع الغربي، طرابلس، عكار، المنية الضنية، وغيرها من المناطق، كزحلة حيث الصوت السنّي وازن وأساسي، الكورة، وحتى الدائرة الثالثة في بيروت، فالخطابات السياسية كانت تؤكد كل يوم أن الأكثرية ستنتصر، وأن المعارضة ستلقى رداً يوم السابع من حزيران على ما قامت به قبل عام وشهر بالتمام، أي يوم السابع من أيار، لكن على الأرض كانت الأمور غير واضحة.

يمكرون ونمكر

«لسنا نحن الأغبياء، ولا الموالاة أو تيار المستقبل هم الأذكياء، لقد خيضت المعركة الانتخابية بمكر، وكانوا يرسلون إلينا من نعرف ومن لا نعرف، ليشدّ على أيدينا ويقول إنه يؤيد مساعينا ويضع يده بيدنا»، يقول أحد كوادر المعارضة من الذين أداروا المعركة في الشمال، ويضيف أن بعض الأقطاب في عكار أتوا وأسهموا في الماكينات المعارضة، وتلقّوا حصتهم المالية في جزء من الحملة الانتخابية العامة، كذلك بعض المفاتيح في طرابلس، ارتبطوا بالمعارضة، وأعلنوا أنفسهم جزءاً من الحملة المضادة للأكثرية الموجودة في طرابلس، وبعضهم صدق وصبّ كل ثقله إلى جانب المعارضة حتى آخر صوت يمكنه تجييره. لكن البعض الآخر كان تخلّص المستقبل منه أكثر إفادة من توظيفه في ماكيناته.
إلا أن شيئاً آخر كان يجري، حيث كانت الماكينات الموالية، وخاصة ماكينة المستقبل تعمل باستقلالية كاملة عن التجاذبات السياسية التي تجري بين هذا المرشح وذاك، وهي تعلم تماماً حسابات الرئيس عمر كرامي هناك، وتعلم أن الحل الوحيد للانتصار الكامل هو رفع نسب التمثيل. ورغم أن كرامي كان هو الآخر يخفي مفاجأة، وهي دخوله القوي إلى أحياء فقيرة كباب التبانة، وعبر أكثر من مدخل، منطقة الزاهرية، التي أظهرت أرقام أقلام الاقتراع كثافة كبيرة في التصويت له، إلا أن نسبة الفوز كانت معلومة عند ماكينة نجيب ميقاتي منذ بداية النهار الانتخابي، 40% تمنع حصول أي خرق للائحة التحالف، أما ما دون ذلك، فإن كرامي مرشح لخرق لائحتهم والفوز.

ثقة حدّ الغرور

تصرفت المعارضة بثقة زائدة بالنفس، فيما بقيت الموالاة بماكيناتها الانتخابية في حالة توتر شديد حتى اللحظة الأخيرة من الاقتراع، في صيدا كان أنصار أسامة سعد يتوقعون خرقاً، حتى ساعة متأخرة بعد إقفال الصناديق وبداية الفرز، كانت التوقعات والأرقام التي عملوا لأسابيع عليها تشير إلى أنهم ينتظرون الفوز، فيما بعض الأوساط في المعارضة، وبخاصة في حزب الله، كانت قد أبلغت أكثر من جهة أن الفوز في صيدا يتطلب معجزة، لكن «لا تقنطوا من رحمة الله».
وفي بيروت كانت الأمور على وضوحها لناحية فوز لائحة تيار المستقبل تحمل مفاجأة أخرى هي حجم التصويت الذي بلغ 40% في دائرة لا معركة فيها، بل استفتاء يجريه المستقبل، مقابل استفتاء يجريه حزب الله في الجنوب والبقاع الغربي، وكان من يقفون على الهامش في بيروت ويراقبون بهدوء يشيرون إلى أنها المرة الأولى التي يتلقى فيها كل منزل في بيروت اتصالاً هاتفياً وزيارة من ماكينة تيار المستقبل، ويطلب من الجميع التصويت للائحة كاملة.

المثلث الذهبي

واستخدمت الموالاة في لعبة الحشد، كما بات معلوماً، مثلثاً ذهبياً: المال والمغتربون والخطاب المذهبي، وتركت كل المفاتيح يتجهون بهدوء نحو قوى المعارضة بانتظار كلمة السر يوم الانتخاب، التي ستكون في تصويت الشارع للوائحها (أي الموالاة) و«زي ما هي»، في مقابل خطاب سياسي هش للمعارضة، يعتمد حدَّي الإصلاح والتغيير من ناحية، والمقاومة من ناحية أخرى، وهما شعاران لا يعنيان أي شيء في الساحة السنّية، وإن عنيا فهما أشبه بالتهمة منهما بالشعارات السياسية.
أضف إلى ذلك أن الشخصيات التي اختارتها المعارضة لتمثيلها في المقاعد السنّية هي عبارة عن شخصيات تقليدية، أو مستهلكة ومن زمن الوصاية التي ما زالت ـــــ كما أظهرت نتائج الانتخابات ـــــ تحمل حساسية كبيرة عند أبناء هذه الطائفة، والمعارضة المركزية المكونة من الرافعة الشيعية اعتمدت سياسة التسويف والمماطلة، والدفاع السياسي، مقابل هجوم سياسي شرس ومباشر استخدمته ماكينة تيار المستقبل حتى اللحظة الأخيرة، وإلى أقصى حد. وفي تقويمات المعارضة أن الخطاب التحريضي للموالاة هو نتيجة فشل في تحشيد الناس، فيما كان هو في الواقع السبب الأول في النجاح في تحشيد الناخبين، بحسب ما كانت تلمس ماكينة المستقبل، التي لم تعبأ كثيراً بحشد جمهور في ملعب النجمة الرياضي ليخطب بهم سعد الحريري يوم السابع من أيار 2009، واكتفت بتعميم طلب الحضور على مجموعات في الطريق الجديدة، وتركت العائلات الخائفة من ذكرى يوم السابع من أيار بأمان في منازلها، وأطلقت العنان للدعاية التي تفيد بأن الرد على السابع من أيار سيكون في السابع من حزيران، مع سرور شديد من تأكيدات المعارضة أنها ستنتصر، ممثلة بالرموز التي طالعت الناس في لوائح المعارضة، ورأت أن إظهار ثقة المعارضة بالفوز يكفي وحده لحشد الأنصار وتجميعهم لمصلحة المرشحين السنّة وتيار المستقبل.
كان الخلل الأساسي في هذا السياق عند الرافعة الرئيسية للمعارضة، أي حزب الله، الذي في نهاية الأمر، كما ترى الموالاة، أتى بالرموز السورية السابقة التي ما زالت تثير حساسية الشارع، ووضعها في موقع تنفيذي لا تقريري في الميدان السياسي، وهو ما يوافق عليه بعض من في المعارضة، من أن هؤلاء ارتضوا أداء الدور السلبي، وانتظار حزب الله ليخوض المعارك النضالية وحده، ويحصدون هم النتائج الوزارية والنيابية. كذلك فإن البعض تحول إلى مقاول سياسي، مستفيداً من حاجة المعارضة إلى أسماء سنّية.
أحد الذين حطّموا أنفسهم إلى جانب المعارضة في الانتخابات الأخيرة يجلس وحيداً منذ يوم الاثنين ويدرس الأرقام التي أفرزتها الانتخابات في كل مناطق الخداع، من البقاع الغربي حتى بيروت الثالثة، ومن صيدا إلى عكار، وهو يقول إن صناديق الاقتراع تظهر أن من كان في ماكينات المعارضة صبّ أصواته للوائح المستقبل كما هي، وأن هؤلاء نجحوا في خداع المعارضة إلى أقصى حد، وأن من حق حزب الله اليوم أن يكتفي بتمثيل جزء من الشيعة في البرلمان، بعدما تعرّض لما تعرّض له، أو أن ينسجم مع نفسه، ويبدأ بالبناء من الصفر في الشارع المعارض، كل الشارع المعارض، وأن لا يدخل الحكومة المقبلة، ويترك الأكثرية تتحمل تبعات الانتصار الذي حققته.


Script executed in 0.18509697914124