أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

بعد المعركة «الاستشهادية» في زحلة.

الأربعاء 17 حزيران , 2009 05:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,654 زائر

بعد المعركة «الاستشهادية» في زحلة.


 السفير
هل سلكت التسوية الإقليمية المنتجة للأغلبية النيابية الجديدة، طريق المصنع، مروراً بزحلة قبل أن تحط رحالها في العاصمة؟ هل باتت زعامة آل سكاف آيلة للسقوط؟ أم أن تجربة زغرتا «الثأرية» هي الغالبة؟
ثمة كلام من هذا النوع يدور في عاصمة البقاع، يتأهب لاجتياز الحدود، يخفف من وطأة الخسارة التي مني القطب الكاثوليكي ايلي سكاف بعد أول سقوط مدوٍ له منذ دخوله الندوة البرلمانية، ولكنه قد لا يغّير في الواقع الذي فرضته صناديق الاقتراع. عند الساعة الثامنة من مساء السابع من حزيران كانت الماكينة الانتخابية للقوى المنافسة تعدّ العدة للاحتفال بفوز مضاعف، الأول هو خطف الأغلبية النيابية والثاني هو «اسقاط» الزعامة السكافية في زحلة. لذلك النصر في الدائرة البقاعية مذاق مختلف، أصداؤها تسمع في الأرجاء، تحكي عن مشهد جديد من نوعه، يحمل تداعيات قد تظهر تباعاً، ويستوجب حسابات يفترض إجراؤها لإعادة التوازن. أما الفريق الآخر فكانت النتائج ماثلة أمامه قبل أيام من فتح صناديق الاقتراع، استشعر بقدوم التسوية من الباب الزحلي، قرأ الأرقام بتمعن، استدرك المخاطر، ولكنه قرر خوض معركة «استشهادية».
سقط زعيم زحلة وفاز مرشح حزبي. هي ليست نتيجة اعتيادية في المنطقة، تاريخها لم يعرف نواباً حزبيين إلا نادراً، ونادراً أيضاً ما يتم شطب بيت سكاف من المعادلة النيابية، له موقع دائم على اللائحة الزحلية مهما كانت الاعتبارات السياسية، تقيه رياح التغيير في المزاج الشعبي وإن عجزت هذه المرة عن تحصينه أمام عواصف المنطقة. وهذا ما يفسر تسلل الشعور بالندم لدى بعض الزحليين ممن ساهموا في اسقاط ايلي سكاف.

هناك الكثير من الكلام حول الأسباب التي أفضت إلى الخسارة المدوية، بعضها يقبع في خانة السياسة وبعضها يختبئ في دهاليز اللعبة الانتخابية وخفاياها العملانية...
في السياسة يميل بعض المقربين من سكاف إلى تحميل تسوية سورية ـ سعودية الجزء الأكبر من المسؤولية في النتائج التي قدمتها صناديق الاقتراع، وفي جعبتهم الكثير من المؤشرات على هذه المقولة، والكثير من الدلائل الحسية التي تثبت صحتها: خطابات الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصر الله التي ساهمت وإن بشكل غير مباشر في تعبئة الشارع السنّي ورفع مستوى التأييد لصالح «تيار المستقبل» وحلفائه، في حين كانت ماكينة سكاف تتوقع مشاركة أكثر من 1700 زحلي كاثوليكي مقيمين في سوريا في الانتخابات لم يشارك منهم أكثر من 500 مقترع، أما الناخبون السنة المقيمون في سوريا ويقدر عددهم بنحو 3000 مقترع فترجح الماكينة أن يكون معظم هؤلاء قد صوتوا لصالح اللائحة المنافسة. كما تفاجأت الماكينة بمنع السلطات السورية السيارات السورية من التوجه إلى لبنان يوم السابع من حزيران وهي كانت تعول على هذه السيارات لتأمين وصول هؤلاء إلى مراكز الاقتراع. تصويت الحزب السوري بالقومي الاجتماعي لم يصب بشكل كامل لصالح لائحة المعارضة، وبدا بالنتيجة وكأن هناك قطبة مخفية لا تفك إلا بعد أن ينجلي غبار المعركة.

أداء سكاف موضع انتقاد
وفي السياسة أيضاً يقول هؤلاء أن الزحليين لم يستسيغوا فكرة ارتماء سكاف في أحضان «التيار الوطني الحر» و«حزب الله» نظراً لخصوصية هذه المنطقة التي تقوم على مبدأ انطلاق الزعامة من أرضها. وفي أداء سكاف ما يمكن تحميله جزء من مسؤولية الخسارة التي لحقت به وتدني شعبيته على المستوى المسيحي، بعدما شعر الكثير من أهل المنطقة أن اهتمامات هذا الأخير، السياسية، تخطت المنطقة وتعدتها، وهو عجز عن صياغة خطاب يوصل أفكاره ويجذب الناخبين ويدفعهم إلى التصويت لصالحه.
في خفايا المعركة روايات عن تقصير من هنا لا تنكره ماكينة سكاف، وسرقة لوائح عائلات من هناك، وأخطاء في لوائح الشطب وتفاصيل تفيض عن كأس المخالفات التي تجرعتها زحلة... ويعدد المعنيون بعض هذه الروايات:

ـ لعب المال دوراً أشبه بدور العصا السحرية، ويحكى أن ثمن الصوت الواحد وصل إلى حدّ 800$، وكان يشرى ويباع على عينك يا تاجر، لدرجة أن أحد المخاتير الذي ألقي القبض عليه بالجرم المشهود يوم اقتراع الموظفين العامين عاد واستأنف نشاطه بعد الافراج عنه، وبمرافقة أمنية.
ـ تعرَّض ماكينة ايلي سكاف «للخرق» حيث تمّ نسخ قرص مدمج يتضمن data لنحو 2400 عائلة زحلية تقيم في بيروت، وقد نقلت هذه المعلومات الى الفريق الخصم الذي حاول الدخول على خط هذه العائلات.
ـ عدم ورود أكثر من 1500 اسم كاثوليكي على لوائح الشطب التي سلمت إلى رؤساء الأقلام رغم ورودها على اللوائح الصادرة عن وزارة الداخلية، وبعد تدخل وزير الداخلية زياد بارود وطلب تصحيح الأخطاء لدى القاضي المختص عاد وزير العدل ابراهيم نجار ليتدخل شخصياً ويمنع القاضي من تصحيح تلك الاخطاء.
ـ سوء تنسيق بين الماكينات الحليفة، ماكينة التيار الوطني الحر أبدت كل حماسة لكنها بدت هاوية في عملها، في مقابل أربع ماكينات منافسة بدت في أوج تألقها،
ـ سوء إدارة إعلامية للمعركة، وغياب كلي لسكاف عن الشاشة في وقت ملأ فيه خصومه الشاشات.
ـ عدم قدرة ماكينة سكاف على تغطية كل الأقلام لا سيما السنية منها، وتركها مفتوحة أمام الخصوم.
ـ ضخامة أعداد التصاريح التي استحصل عليها الفريق الخصم، علماً بأن البعض من هذه التصاريح مشكوك بقانونيته.
القضاء... والقدر
ولكن هل كانت النتيجة «مشيئة قدر» ما كان بالامكان تجنبها؟
في تقدير هؤلاء أن ثمة قراراً كبيراً اتخذ لتصفية سكاف سياسياً وإقصائه عن المعادلة النيابية، لصالح الأحزاب المسيحية، ويقولون في هذا السياق أن المسؤولين الأميركيين الذين زاروا لبنان قالوا كلاماً واضحاً يقضي بالسعي لإقفال البيوتات السياسية المسيحية لمصلحة الأحزاب الممكن تدوير زواياها بشكل أسهل، لا سيما وأن هذه التنظيمات مؤهلة للتوسع بشكل أكبر من الزعامات التقليدية، ولهذا كان تضخيم أحجام هذه الأحزاب واعطاءها دور أكبر.
ولأن المعركة بالنسبة لسكاف كانت «مبدئية»، يكشف هؤلاء عن عروض قدمت للقطب الكاثوليكي لتحييد زحلة ولكنها كانت برأي هؤلاء «ملغومة»، لأنها مغلفة بغطاء انتخابي ولكنها سياسية الأهداف، إذ حاول صديق مشترك بين سكاف والنائب وليد جنبلاط اقناع الأخير بفض الاشتباك في زحلة من خلال العمل على تشكيل لائحة ائتلافية بطريقة أو بأخرى على أن يتولى سكاف تسمية أربعة مقاعد من اللائحة فيما يقوم الفريق الآخر بتسمية المقاعد الثلاثة الأخرى، مقابل أن يعمد سكاف إلى فك ارتباطه بقوى المعارضة دون الانضمام إلى قوى الرابع عشر من آذار، أي أن البقاء راهناً في الوسط والاكتفاء بالخطاب الزحلي.
لماذا رفض سكاف العرض؟ ينقلون عنه قوله أنه إذا التقى جبلان، فسيدوسان كل ما ارتفع بينهما، أي في حمأة الاصطفاف السياسي الحاصل لا استمرارية لقوى الوسط. أما قبل ذلك فقد جرى اتصال بين فتوش وسكاف في محاولة لضمه للائحة الأول ولكنه جوبه بالرفض، كما اتصال يتيم بين سكاف وقريطم لم يسفر عن أي نتيجة.
بالنتيجة باتت زعامة آل سكاف التاريخية مهددة، بعد خروج زعيمها من البرلمان. هذه ليست المرة الأولى التي تشهد العائلة تجربة من هذا النوع، في العام 1968 قاد «المكتب الثاني» حملة بوجه والده جوزيف سكاف ونجح في إقصائه، عاد من بعدها في العام 1972 زعيماً على المنطقة وجوارها.
هذه التجربة تمثل في أذهان المحيطين بسكاف، يأملون أن يكون هذا الاستحقاق درساً يستفاد منه، عينهم إلى زغرتا التي أخرج سليمان فرنجية من برلمانها بفعل قانون «فوقي» وعاد إليها زعيماً منذ اللحظة التي أعلنت فيها نتائج إبعاده نيابياً، بفعل العطف الذي ناله.

المشهدان مختلفان، ولكن المقاربة قد تشد العزيمة. الأحزاب المسيحية تسعى إلى تثبيت أقدامها في زحلة لترث زعامة سكاف إذا عجز عن استنهاض قواه، ولكنها تواجه تحدياً صعباً، فعاصمة البقاع لطالما كانت مقبرة الأحزاب التي لا تهتم إلا بشؤون المناطق المركزية، تُهمل الأطراف وتسخّر خزانها البشري لحشودها. فيما يواجه سكاف تحدي إعادة التوازن إلى التركيبة الديموغرفية في المنطقة بعدما جنحت بشكل حاسم لصالح الصوت السني القادر على التحكم بدفة النزاع أياً يكن أبطال هذا النزاع، وهنا لا بدّ من متابعة ملف نقل نفوس 12 ألف سني إلى المنطقة قضائياً، نزع الاحباط من أذهان شريحة كبيرة من أهالي زحلة، وصياغة خطاب منسجم مع تطلعات وهواجس أهالي المنطقة.
لا يملك سكاف الكثير من الوقت، هو مضطر لترتيب أوضاع بيته بسرعة، الانتخابات البلدية باتت على الأبواب ولا بدّ من الاستعداد لها بثقة، لأن «التيار السكافي» سيكون في موقع الدفاع عن مكتسباته (المجلس البلدي لمدينة زحلة محسوب عليه)، ويبدو أن الفريق الآخر قرر فتح المعركة منذ اليوم وبدأ التدوال ببعض الأسماء المرشحة لرئاسة بلدية المدينة. 

Script executed in 0.16965889930725