كتبت النهار اللبنانية:
قصرٌ كالحصنِ الحصين، يُطلّ بقرميده الأحمر من بين المنازل المتواضعة في إحدى القرى البقاعيّة. يحتضنهُ سورٌ شاهق ببوّابة خشبيّة عملاقة، تركنُ أمامه سيّارات سوداء فارهة بلا لوحات. خارج القصر رجلان اثنان يعملان في الحديقة، أيديهما خالية من أي سلاح، وصدراهما خاليان من أي جعبة عسكريّة.
الرأس المطلوب
يبدو كلّ ما في القصر عالقاً في ساعة زمنيّة معطّلة. لوحةٌ سرياليّة عملاقة تستند بكسل إلى الحائط. مذياع أثري بفوّهة كبيرة، سيفٌ كُتب على غمده "ربي انصرني على القوم المفسدين" مرصعٌ بأحجار الجاد والياقوت والفيروز. باشقٌ ضخم محنّط في زاوية الغرفة، تحملق عيناه المتحجّرتان بكل ما حوله. الأثاث الفخم يلقي الرهبة على المكان الهادىء بحذر. حتّى الآن، هذا القصر يشبه قصر"جبل شيخ الجبل" لا سيما بالدرج الحلزوني.
يبدو الجميع متصالحين مع أسمائهم الغريبة، أحدهم ينادونه "البرغي"، وآخر "الشّاكوش"... وبين المطرقة والسندان دُقت شريعة العشائر. يحضُر "المعلّم"، فيصمت الجميع احترامًا فهو رأس العشيرة، ورأسه مطلوب بعشرات مذكرات التوقيف.
"هيدي ما حدا سبقك عليها يا جبل"
يُبدي إعجابه بمسلسل "الهيبة"، في موسمه الأوّل معتبرًا أنّه أنصف جانبهم الإنساني وعملهم على مساعدة النّاس والمحتاجين، ثم يستدرك ساخرًا "بس أكبر نكتة سمعتها بحياتي انو تاجر مخدّرات مطلوب بينزل من الضّيعة عبيروت ليتعشا مع نادين نجيم وما حدا بقللو وينك". ويضيف "هيدي ما حدا سبقك عليها يا جبل". إلّا أنّه يظهر الكثير من الإستياء إزاء الموسم الثاني "العودة" "أحداث المسلسل معيبة جداً، وتهين نصف مليون مواطن من أهل البقاع، ليست من عادات وتقاليد عشيرتنا أن ترتكب المجازر وتسفك الدماء بهذا الشكل الوحشي"، ويختم "عملونا دواعش ونحن مش عرفانين".
"المعلّم" الذي بالكاد يجتاز مفترق قريته يؤكّد أنّه من المستحيل أن يتمكّن أي مطلوب من الخروج من منطقته، مهما بلغ حجم التعاون والرشاوى بينه وبين أفراد الدّولة، ويُكمل "لولا التعاون بين التاجر ع.ع.م. وبين ملازم أوّل في قوى الأمن، كان يقلّه بسيارة الدّولة إلى بيروت للحؤول دون توقيفه على الحواجز مقابل مبالغ تتراوح بين 2000 و 4000 دولار، لما كان يحلم بأن يتحرّك "فشخة"، مشيراً إلى أنّه في نهاية المطاف ألقي القبض عليهما وسُجنا معاً.
حياة التجار
الحياة التي يعيشها التجّار تختلف عن تلك التي يصوّرها مسلسل "الهيبة"، الذي يغري الشّاب ليصير جبلًا، أو صخرةً، أو بحصة، ويغري الفتيات ليقعن بغرام تاجر ممنوعات ويهربن من منازل ذويهم خلسة لأجله. وليس المطلوب بطبيعة الحال ان يتحوّل مسلسل الى نسخة طبق الأصل عن الواقع. حينها سيحضر سؤال الابداع والخيال بشكل ملح.
في الجزء الأوّل، صوّر المسلسل المطلوبين على ان في امكانهم زيارة جامعة الفتاة التي يحبّون مثل صخر، والجّلوس في الكافيتريا. وفي الجزء الثاني، بدا ان في امكانهم إقامة عرس يجمع عشرات المطلوبين ليرقصوا ويزغردوا بكل وقاحة، ثم يرتكبوا مجزرة في وسط ساحة القرية، بينما عناصر قوى الأمن ستأتي في اليوم التالي لتأدية واجب العزاء وتناول بعض معمول الرحمة ثم يرحلون.
"لم استطع أن أحضر عرس ابنتي"
الحياة الوردية في خيال كاتب المسلسل هي حقيقة مرّة في الواقع، إذ أنّ هؤلاء يعيشون البؤس رغم ثرائهم الفاحش، يقول "المعلّم": "لم استطع أن أحضر عرس ابنتي، كنتُ في الجرد أسمع صوت الموسيقى التي يحملها الليل نحوي، في ذلك اليوم شعرت أنني ضعيف، ضعيف جدًا، شعرت بالحسرة والعجز لأنني لم أكن قادرًا على أن أتواجد إلى جانب ابنتي في يوم زفافها".
"أنا لا أبكي"
"متى بكيت"؟ يتلقّف السّؤال بعنفوان ويجيب مكابرًا: "أنا لا أبكي". ولكن، لا شكّ أن المطلوبين وتجّار المخدّرات يبكون أيضاً، فهم عالقون بين ماضيهم وواقعهم ومستقبلهم المجهول القابع على كفّ عفريت، غير قادرين على الخروج من مستنقع الممنوعات الموحل الذي غرقوا فيه.
يلقي"المعلّم" اللوم على الدولة المقصّرة بحقهم وحق أهالي البقاع، "لا مجال للتراجع، ولا خيار آخر، إمّا التّجارة أو الموت"، أمّا خيار السِّجن، فمحذوف من قاموسه كلّيًا "أنا لا أقتلُ ظلمًا، فليسجن القتلة وليس أنا". ويضيف "في برقبتي كتير عالم محتاجين، وأنا ما بترك أهلي يموتوا من الجّوع". (..)
"الشاكوش"
يؤكّد "المعلّم" أنّه يدعم الجّيش اللبناني ويحبّه، قائلًا "يتركونا بحالنا ويروحوا يكمشوا الإرهابيين". يقاطعه "الشّاكوش": "نحن نبيع المخدرات خارج لبنان فقط، هم يصدّرون لنا الدواعش، ونحن نصدّر لهم المخدّرات". وردا على سؤال عن كيفية ايصال الحشيشة إلى الخارج، يقول ساخراً "هناك الكثير من السماسرة وكلهم يرتشون، ومعظم الحالات التي يُلقى فيها القبض على أحدنا، يكون هناك من غضب عليه وقرر حرق ورقته".
لقراءة المقالة كاملةً: https://www.annahar.com/article/810455
(فرح الحاج دياب-النهار)